الفصل 883
الفصل 883: نظرية الاستقامة
في هذه الأثناء كان عدة ملوك سامين في البعد الآخر مجتمعين كأنهم يتباحثون أمرًا ما
تكلّم شيخ طويل القامة بينهم بصوت عميق: “يا رفاق، هذه مدينة وان تشوان ليست أطلالًا عادية بأي حال علينا تقديم الأولويات وتخفيف الصراع الداخلي إلى الحد الأدنى”
“وإلا فلن ننال التركة، وستجني القوى الأخرى الثمار بدلًا منا”
شهق رجل في منتصف العمر باستخفاف: “يا فانغ العجوز، قولك سهل من لا يعرف قيمة تركة مدينة وان تشوان حين تحين الساعة، من ذا الذي يقاوم القتال عليها”
هزّ الشيخ رأسه: “على أي حال علينا أن نتّحد على الأقل قبل أن ينفتح المدخل لا يجوز أن ينشب صراع داخلي”
“همف” ازدرى الرجل في منتصف العمر ولم يزد
في تلك اللحظة ارتجف طيف مدينة وان تشوان العالي في السماء بعنف
اندفعت أعمدة ضوء ذهبية من أطراف المدينة كلها
“انظروا الطيف يزداد تماسكًا”
“هذا رائع المدخل سيُفتح قريبًا لن يسبقني أحد”
“استعدوا للتحرك لنرَ مَن يخطف الجائزة أولًا”
اضطرب الجمع على الفور
وقف جيانغ بايشوان في زاوية يحدّق إلى أعلى مستعدًا للضرب في أي لحظة
وفي اللحظة التالية ومع تزايد تماسك طيف مدينة وان تشوان انبعث من أعماق الفراغ طنين خافت، كهمس كائن عظيم قديم يهزّ قلوب الجميع
“أسرعوا المدخل يوشك أن يُفتح” صرخ أحدهم، وفي لحظة طار عدد لا يُحصى من المزارعين في السماء كأن سدًّا قد انكسر مندفعين نحو مدينة وان تشوان
“من يجرؤ على سدي ابتعد”
“التركة لي”
زأرت الأصوات وتداخلت الصيحات زمنًا، وتشابكت في الجو شتى خيوط الضوء السحري فبان المشهد فوضويًّا إلى الغاية
لكن قبل أن يقترب هؤلاء المزارعون من محيط طيف مدينة وان تشوان ظهر فجأة في الفراغ إحساس غير مرئي بالضغط
“دوّي”
إنها سطوة الملوك السامِين
اكتسحت هالة مرعبة كالموجة العاتية فغطّت المشهد كله في لحظة
شعر جميع من هم في مرتبة الإنسان السماوي، بل وحتى من هم في مرحلة السامي، كأن جبلًا غير مرئي يضغط أجسادهم فتوقفوا في أماكنهم فجأة، لا يجرؤون على التقدّم خطوة أخرى
“إنهم الملوك السامون لقد تحركوا” هتف أحدهم في الجمع وقد ملأت الخشية عينيه
سحب جيانغ بايشوان حركته، واختبأ في الزاوية يراقب ببرود ليرى مجريات الأمور
وفي هذه اللحظة، في الأعلى، تقدّم خمسة ملوك سامين معًا بخطوة واحدة
ضغطت هالاتهم المرعبة على المشهد كله كأنها جبال
قال الشيخ الطويل القامة الذي يقودهم ببرود: “همف حفنة من النمل يطمعون في تركة السامي الأدبي”
سخر الرجل في منتصف العمر إلى جانبه وهو يمسح الجمع بنظرة: “ابتعدوا بعد أن نأخذ التركة ربما نلقي لكم فتاتًا”
وقبل أن يتم كلامه لم يتمالك سامٍ صلب الإرادة نفسه فردّ: “لماذا الجميع مؤهَّل لمنازعة تركة السامي الأدبي”
“مؤهَّل” لمحه الرجل في منتصف العمر ثم رفع يده، فانبثقت في الفراغ قوة حمراء قانية مهولة أطاحت بذلك المزارع مباشرة وهو يتقيأ الدم
“لا تقوى على صدّ ضربة عابرة مني، ثم تتكلم عن الأهلية جهل محض وسخف مطبق” سخر الرجل في منتصف العمر
ضجّ الجمع، لكن أحدًا لم يجرؤ أن يتكلم ثانية
وبينما كان الأربعة الآخرون من الملوك السامِين قد اقتربوا من طيف مدينة وان تشوان
كانت حركاتهم وادعة، واضح أنهم لا يعيرون ما يجري كبير اهتمام
لكن ما إن همّوا بدخول نطاق المدينة حتى وقع تغيّر مفاجئ
ظهر حاجز شفاف فجأة من داخل طيف المدينة، فغلفها بإحكام، يجري فيه ضوء ذهبي وتنبعث منه قوة صدّ قوية
“ما هذا”
تبدّل وجه الشيخ القائد، ورفع كفه مصوبًا ضربة إلى الحاجز
“بانغ”
جاءت رجفة هائلة، لكن الحاجز لم يتحرك البتة
بل على العكس، امتصت قوة كفه وتلاشت من غير أثر
“ما الذي يحدث” تغيّر وجه الشيخ قليلًا وتراجع خطوة
وجرّب ملك سامٍ آخر ضربة سيف، لكن النتيجة ذهبت أدراج الرياح أيضًا فقد امتص الحاجز طاقة السيف بسهولة دون أن يثير حتى تموّجًا صغيرًا
“في هذا الحاجز أمر مريب” قطّب الرجل في منتصف العمر وبدت في عينيه لمحة تحفّز
تجمّع الملوك السامون حول الحاجز يفحصونه ويتناقشون بحماسة
وبدا أن ملكًا ساميًا برداء أرجواني قد فهم شيئًا فقال بصوت عميق: “هذا الحاجز… يبدو أن غايته كغايات الحواجز في مناطقنا الخمس وظيفته ليست القتل بل التقييد”
ثم أشار إلى البعيد وقال ببرود: “انظروا هناك”
نظر الجميع باتجاه إصبعه، فإذا بمزارع في مرحلة السامي يقترب بحذر من الحاجز ثم يمد كفه يختبره
وحين لامست راحته الحاجز لم تصده قوة ولم تقمعه
بل مرّ عبر الحاجز بسهولة ودخل طيف مدينة وان تشوان
“ماذا” انفجرت دهشة في الجمع
هزّ الملك ذو الرداء الأرجواني رأسه وقال بنبرة يعتريها الأسف: “الجواب واضح هذا الحاجز لا يسمح إلا بدخول المزارعين دون مستوى ملك سامٍ”
تبادل الملوك السامون النظرات وتعابيرهم معقدة
كانوا يظنون أنهم يستطيعون سحق كل شيء بقواهم وانتزاع تركة السامي الأدبي قسرًا
ولم يتوقعوا أنه قبل أن يتحركوا حتى ستعوقهم هذه اللعنة من الحواجز فتنفي أهليتهم
“يبدو أن هذه التركة ليست مما نستطيع التدخل فيه”
تنهد الملك الأرجواني، ثم ألقى نظره إلى أسفل صوب حشود المزارعين وقال ببرود: “ما دام الأمر كذلك فليتنافس الصغار عليها لكن حذارِ من يجرؤ على نيل التركة ولا يسلّمها فلا يلومنّ إلا نفسه”
كانت هذه الكلمات كطَسْت ماء بارد فأخرست الجمع القَلِق في الحال
غير أنه بعد صمت قصير فاض حماس جديد بين المزارعين
حتى لو لم ينالوا أهم التركة، فما الضرر تركة تركها سامٍ عظيم، والفتات منها يكفيهم
“الفرصة هنا لدينا أمل”
“سريعًا ما داموا لا يستطيعون الدخول فعلينا أن نندفع”
غلى عدد لا يُحصى من المزارعين حماسًا من جديد
وتأجج الجشع في عيونهم وهم يندفعون نحو الحاجز
اختبأ جيانغ بايشوان بين الجمع، ودخل الحاجز مع كثير من المزارعين
كان وجهه هادئًا على النقيض من الهياج في عيون من حوله
وما إن عبرت قدماه الحاجز حتى شعر فورًا بقوة صدّ غريبة
لكن هذه القوة كانت ضعيفة لا تعدو أن تعرقله قليلًا قبل أن تتبدّد
وما إن دخل طيف مدينة وان تشوان حتى تبدّل المشهد من حوله فجأة
غُشي العالم بطبقة من ضباب رمادي ترسم خافتًا خطوط البيوت
“هنا… لا نستطيع الطيران”
جرّب مزارعٌ الطيران فدفعت جسده قوة غير مرئية إلى أسفل على ارتفاع نحو ثلاثة أمتار عن الأرض فتعثر وسقط
“ليس ذلك فحسب بل إن الوعي السماوي كذلك مقموع” بدا مزارع في مرحلة السامي متجهمًا: “لا يمتد وعيي السماوي إلى أكثر من نحو 16.5 مترًا”
وما إن قال ذلك حتى تبدّلت وجوه الجميع
“ما الذي يجري في هذا المكان” قال مزارع أشعث الشعر بصوت عميق: “أهو نوع من التشكيلات”
“لا تُكثروا الظنون” زمجر مزارع آخر ببرود: “كيف لوسائل تركها السامي الأدبي أن تكون مما ندركه تصرّفوا بوقار فربما نجّيتم أرواحكم”
وقف جيانغ بايشوان في ركن، وومضت عيناه
حاول تدوير وعيه السماوي فاكتشف أن القوانين في هذا الفضاء خاصة للغاية فعلًا إذ تقيد إسقاط الوعي خارجًا
“مثير للاهتمام يبدو أن ترِكة تشوغه زي لا تريد أن تُنال بسهولة”
ومع مرور الوقت
دخل عدد أكبر فأكبر من المزارعين المدينة
وسرعان ما تجاوزوا 500 شخص
وكان أضعف المزارعين الحاضرين عندها في مرتبة الإنسان السماوي
وأغلبهم جاء من الأراضي المقدسة الكبرى في المنطقة الوسطى، أو كانوا مزارعين جوّالين أقوياء
لكن مهما اختلفت أصولهم فقد بالغوا في الحذر في هذه اللحظة
“الهدوء هنا زائد…” تمتم أحدهم بخفوت
“إنه هدوء يربك فعلًا” وافقه آخر: “كيف لمكان أعدّه سامٍ أدبيّ أن يكون بهذه البساطة”
استنفر الجميع حواسهم، يمسحون ما حولهم وكلٌّ له حساباته
فجأة جاء تموّج خفيف من السماء كأن قوة غير مرئية حرّكت الفضاء
“هناك شيء في الأعلى” هتف أحدهم فرفع الجميع رؤوسهم في الحال
فرأوا هيئةً تتبدّى ببطء في الأعالي
كان ذا قامة ممشوقة برداء رمادي بسيط
حاجباه كسُنَن السيوف، وعيناه كالنجوم، وعلى وجهه لحية خفيفة، وفي نظره عمق كأنه ينفذ إلى قلوب الجميع
كانت هيئته نصف شفافة نصف صلبة، كأنها قد تتبدّد في أي لحظة، لكن الهالة البعيدة الشاسعة جعلت حضوره جليًا إلى الغاية
“هذا…” اتسعت عينا مزارع، وامتلأ نظره صدمة: “إيقاع الداو الأدبي”
“مهلًا أيمكن أن يكون تشوغه زي أهو حيّ”
“لا شيء صحيح هذا يبدو كروح باقية أو تجلٍّ لهاجس”
غدا الهواء ثقيلًا
وحبس الجميع أنفاسهم خوفًا من إصدار صوت
رفع جيانغ بايشوان نظره إلى الطيف ولمعت في عينيه لمحة تفكير عميق
كان يشعر بوضوح أن الهالة المنبعثة من هذه الهيئة لا تشبه كائنًا حيًّا ولا تشكيلًا، بل أقرب إلى تكثّف إرادة
“مرحبًا بكم جميعًا في هذا المكان”
تكلّم الرجل ذو الرداء الرمادي ببطء، صوته منخفض قوي، يتردّد بين السماء والأرض فيصل إلى آذان الجميع
“أسأل يا كبير أأنت كبيرنا تشوغه زي” لم يملك أحدهم نفسه فسأل
رمقه ذو الرداء الرمادي وقال بشيء من التأثر: “لم أتوقع أنه في الأزمان اللاحقة سيبقى من يعرف هذا الاسم”
“نعم، أنا تشوغه زي”
وما إن سقط صوته حتى كان كأن صاعقة ضربت، فاستبدّ الحماس بالجميع في لحظة
“إنه حقًّا تشوغه زي”
“إنه سامٍ عظيم ذروة قبل 3,000,000 عام والآن نستطيع أن نراه بأعيننا”
“مخيف… مخيف للغاية أترِكته على وشك الظهور فعلًا”
في تلك اللحظة احمرّت عيون كثيرين حماسةً
فبالنسبة إليهم كانت 3,000,000 سنة أسطورة لا تُنال بلا ريب
والقدرة على مشاهدة وجود كهذا وهو يظهر كانت صدمة بالغة
وتحت أنظار الجميع قال تشوغه زي ببطء: “في الأصل لم أرغب أن أترك احتياطات، لكنني حملت مسؤوليات كثيرة اضطررت أن أتحرك وأترك بعض الخواطر للأجيال اللاحقة”
“هذه المدينة مسقط رأسي، وهي أيضًا موضع التركة التي بذلتُ جهدي كله لإعدادها، مخصَّصة لأهل النصيب”
“والآن، مادام قد أمكنكم عبور الحاجز، فقد حظيتم بشيء من النصيب”
مسح الجمع بنظرة وتابع: “لكن النصيب مجرد بداية إن أردتم حقًّا نيل التركة فعليكم اجتياز ثلاثة اختبارات”
“قواعد هذا المكان وضعتها أنا لا يجتاز الاختبار الأول إلا من امتلأ قلبه بالاستقامة العظمى”
“الاستقامة العظمى” سأل أحدهم في الجمع بصوت منخفض: “ماذا تعني”
قال تشوغه زي بخفة: “لنيل التركة لا بد أن يهذّب المرء نفسه ويقوم قلبه قبل أن يطيق حمل قوة طريق الأدب”
“فإن لم يكن القلب مستقيمًا، وسادته شهوة لا حدّ لها، فحتى لو اجتاح اختباراتٍ لا تُحصى فلن يجرّ إلا هلاكه…”
وما إن سقط صوته حتى ارتفع همس خافت من الجمع
“استقامة أيّ استقامة هذا نحن المزارعين نتقاتل على الموارد، فأين استقامة تُذكر”
“صحيح نحن المزارعين، من منّا لم تتلطّخ يداه بالدم كي يحيى الحديث عن الاستقامة محض خيال”
“هذا الاختبار قاسٍ جدًا”
“همف نحن نزرع الداو ونقتل الأعداء ونتنافس على الموارد وهذا من صُلب الزراعة أصلًا أوَما كانت هذه التركة غير معدّة للانتقال منذ البداية”
“ربما كبيرنا تشوغه زي لم ينوِ أصلًا أن يمرّر داه، بل يسخر منا فحسب”
تذمّر الجمع همسًا، وملأ السخط عيونهم
لقد عاشوا آلافًا بل عشرات آلاف السنين، وخاضوا من تجارب الحياة والموت ما لا يُحصى، وغدا القتل والحسم عندهم غريزة
وصارت الاستقامة المزعومة في نظرهم مثل مثل أعلى لا ينال
وبينما هم يتجادلون، شق صوت منخفض الضوضاء
“اهدأوا جميعًا”
تقدّم ملك سامٍ برداء أرجواني ببطء
وعلى الرغم من أنه كبح هالته، فقد بدا في كل حركة منه جلال متأصل
رفع يده قليلًا فخفت الهمهمات من حوله تدريجًا
“في رأيي إن الاستقامة العظمى التي ذكرها كبيرنا تشوغه زي ليست الاستقامة بمعناها الدارج، بل هي حالة نفس المزارع”
“وكما قيل: الرجل الكريم صدره منشرح، واللئيم ممتلئ همًّا وغمًّا الاستقامة العظمى أن يكون في القلب ضمير صافٍ، وأن يلتزم المرء قلب داه”
“ومهما كثر ما شهدته من قتال وقتل، فمادام ضميرك سالمًا، وفعلُك قائمًا على مبادئك وحدّك الأدنى، فهذه هي الاستقامة”
وما إن قيل هذا حتى خيّم الصمت على المشهد
وبين الجمع كان بعض المزارعين يتفكرون، وآخرون قد علت على وجوههم اللامبالاة
وقف جيانغ بايشوان في مؤخر الصفوف ولمعت عيناه قليلًا
“إنه هو إذا تحدثنا عن نيل الداو الأدبي فقد أدرك لبّه حقًّا أفضل من هؤلاء الحمقى”
وعلى الجانب الآخر لم يملك مزارع في مرتبة الإنسان السماوي نفسه فسأل: “يا كبير أتعني أنه ما دمنا أوفياء لقلوب دَوانا، فحتى لو قتلنا عددًا لا يُحصى لا يُعدّ ذلك خرقًا للاستقامة العظمى”
أومأ الملك ذو الرداء الأرجواني قليلًا: “بالضبط وكما قيل: هذّب نفسك لتقوم ذاتك، ودبّر أهلك لتقيم غيرك لا يهمّ ما مررت به في الماضي، ما دمتَ تملك مرآة صافية في قلبك ولا تخدع نفسك في أفعالك، فهذه استقامة عظمى”
ولما سمع ذلك لاح في عيني المزارع الشاب أثر فهم
غير أن من بينهم من بقي غير مقتنع
“هاهاها استقامة” ضحك مزارع جوّال بصوت عالٍ وفي نبرته لمحة سخرية: “لقد عشت سنين لا تُحصى فأي هراءٍ اسمُه استقامة إنما أعرف أن القوي يُحترم، ومن له قبضة أكبر حكم”
رمقه الملك ذو الرداء الأرجواني بنظرة باردة وقال بخفة: “إن كان الأمر كذلك فأنت إذًا مقطوع الصلة بالتركة”
“فإن داو كبيرنا تشوغه زي وُضع أصلًا لمن في خواطرهم استقامة فإن كنت تظن أن لك قبضة أكبر فجَسيد”
شعر المزارع الجوّال بقشعريرة لا تُعلل تحت تلك النظرة، فشهق باستخفاف وتراجع إلى الجمع من جديد

تعليقات الفصل