الفصل 11 : خيط مشدود
لفحت الرياح الباردة وجه آرِن المحتقن، محملة برطوبة المطر الأخير في زاوية الحديقة المهجورة.
تحت جذع السروة العتيقة، كان قفص خشبي يهتز بخفة؛ في داخله، تراجع سنجاب بري إلى الزاوية، تضرب مخالبه القضبان بحدة، وصدره الصغير يرتفع ويهبط بإيقاع جنوني.
نظر آرِن إلى كفيه المرتجفتين. الندوب الخفية في مسارات طاقته كانت تلسعه مع كل نبضة، تذكيرًا صارخًا بجثث القوارض التي تيبست بين يديه طوال الأسبوع الماضي. لم يكن الأمر يتعلق بضعف قوته، بل بفيضانها؛ كل اندفاعة طاقة سابقة كانت تنفجر داخل أجسادها الصغيرة لتمزقها.
أغمض عينيه، مستحضرًا تدفق قوته. لم تكن سيلًا هادرًا كبقية السحرة، بل نبضًا رفيعًا، خيطًا دقيقًا يتذبذب تحت جلده؛ نقرة واحدة قاسية تقطعه، وإرخاء مفرط يجعله يتبدد في الفراغ.
همس لنفسه وهو يثبت بصره على السنجاب: “خيط واحد… دون أن يرتخي، ودون أن ينقطع”..*
استقرت كف آرِن على سقف القفص الخشن. من بين الفتحات الضيقة، لفحت رطوبة أنفاس السنجاب باطن يده المرتجفة.
في عمق صدره، التقط طرف الخيط الرفيع من بئر طاقته الساكنة. لم يدفعه بقوة هذه المرة، بل مرره ببطء شديد، كمن يسحب شعرة من عجين.
تسلل ضباب أسود باهت من تحت أصابعه، طاف حول القضبان الخشبية بهدوء، ثم غلف فرو السنجاب الرمادي دون أن يمسه بسوء. هدأ اضطراب الحيوان، وتوقفت مخالبه عن الخدش.
شدّ آرِن الخيط شعرة إضافية.
صعقة خاطفة ضربت وعيه. انطبق العالم في عينيه، وتلاشى قصر فالدار. لم يعد يرى القفص؛ بل رأى حذاءه هو الطيني من منظور أرضي منخفض للغاية، يرتفع أمامه كجدار صخري. تضاعفت الأصوات في مسمعيه: حفيف الأوراق صار هديرًا، وصرير غصن بعيد دوت أصداؤه كتحطم صخرة، بينما تحرك ظل ضخم خلف الشجيرات كجبل متموج.
اندهش، وابتسامة صغيرة بدأت تتشكل على وجهه، لكن لم يدم الأمر طويلًا.
اهتز الخيط فجأة، وكأن قوة مجهولة تحاول قطعه.
اندفع الدخان الأسود بلا إذن، كالعادة، التف حول السنجاب بشراسة.
صرخة صغيرة خرجت من الحيوان، ارتجف جسده، ثم سقط فاقدا الوعي، وكأن الحياة نزعت منه دفعة واحدة.
سحب آرن يده وهو يتنفس بصعوبة، قطرات العرق تنزلق على جبينه، وذراعه يرتجف.
كان الرابط قد انقطع… لكن هذه المرة، لم ينقطع تمامًا.
شعر ببقايا الخيط، متدلية، لكنها موجودة.
تحركت أصابعه لتفتح باب القفص ببطء. تراجع السنجاب خطوة، ثم وثب متجاوزًا الحافة الخشبية ليختفي كظل سريع في عتمة الشجيرات.
أغمض آرِن عينيه مادًّا كفه في الهواء البارد. في صدره، لم ينقطع الرابط تمامًا؛ كان هناك ارتداد طفيف، نبض ضئيل يتذبذب كوتر مشدود أُطلق للتو، لكنه ما زال يرتعش في العمق.
ارتخت زاوية شفتيه عن ابتسامة شاحبة، بينما انزلقت قطرة عرق باردة على فكه. لم يكن العيب في شُحّ الطاقة، بل في غياب الكابح؛ السيل يتدفق، لكنه يحتاج إلى سدّ يمنعه من جرف كل شيء.
نهض ببطء، ونفض التراب الرطب عن ركبتيه بينما تلاعبت الرياح بخصلات شعره. نظر إلى السماء الرمادية المترامية؛ الطريق مظلم وبعيد، لكن وطأة قدمه على الأرض بدت أكثر ثباتًا الآن.
تمتم بصوت خفيض: “الخطوة التالية… ترويض الانفجار.”.

تعليقات الفصل