تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 12 : خيط تحت العاصفة

تسللت الظلال في الحديقة الشرقية كأصابع خفية، لتمحو آثار أقدام آرن عن العشب الندي، مبتعدة عن صخب غرف الخدم وأصداء قرع أحذية الحراس في الممرات البعيدة. في قلب العزلة، وضع آرن قفصًا حديديًا صدئًا؛ خلف قضبانه، كان ثعلبٌ عنبري العينين يتربص، عضلات جسده متشنجة كوتر قوسٍ مشدود، وعيناه تلمعان ببريق الوحش الذي لا يألف الأسر. لم يكن هذا السنجاب الوديع؛ فكل حركة للثعلب كانت تنبض برائحة الافتراس، وآرن يدرك جيداً أن أي زلة في “الخيط” لن تكلفه فشل المهمة فحسب، بل ستغرس مخالب غاضبة في عنقه قبل أن يجد سبيلاً للانسحاب.

انحنى آرن، مسح بظهر كفه قطرات العرق التي تجمعت على جبينه، ومدَّ يده ببطءٍ مدروس نحو القفص. ما إن لامست أصابعه المعدن البارد حتى اندفعت طاقة الحيوان إليه كتيارٍ هائج؛ ثقيلة، حارة، كجمرة ملتهبة استقرت في جوف صدره. أغمض عينيه، باحثاً عن ذلك الوتر المشدود في أعماقه. هذه المرة، قاوم رغبة الاندفاع؛ بل راح يضخ طاقته بنبضاتٍ متزنة، يغزلها كخيطٍ من حريرٍ رقيق حول روح الثعلب. ارتعشت أذنا الحيوان، ذبلت حدة عينيه، وحلَّ محلهما هدوءٌ غريبٌ ومريب.

فجأة، انفتح العالم أمام آرن؛ لم يعد يرى الحديقة، بل شعر برطوبة الطين البارد تحت مخالب الثعلب، واستنشق عبير الأعشاب المبللة بطل الفجر، وسمع دقات قلبٍ متسارعة تزداد خفقاً مع كل غصنٍ يتهشم في الأرجاء. كانت الرؤية حادة كشفرة، حتى إنه أحسَّ بتشنج عضلات الحيوان وهي تتأهب للانقضاض على فريسةٍ خفية. ارتسمت على شفتي آرن ابتسامة خافتة، لكنها تبخرت حين اهتز “الخيط” بعنف. خيوط من دخانٍ أسود لزج تسللت من العدم، تلتف حول جسد الثعلب كأفاعٍ خنوقة، تلتهم وعيه ببطء.

حاول آرن شدَّ الخيط واستعادة السيطرة، لكن الطاقة تمردت؛ انفجرت الدوامة حلزونيةً، تلتف حول الثعلب الذي أطلق صرخةً مكتومة مزقت سكون الليل. قبل أن يبتلع الدخانُ وعيَ الحيوان ويحوله إلى رماد، اتخذ آرن قراره القاسي؛ قطع الخيط بعنفٍ ذهني، مبتوراً من جذوره.

تحذير: هذا الفصل مسروق إذا كنت لا تقرأه الآن على موقع مَجـرَّة الـرِّوايَات الأصلي. galaxynovels.com

ارتطم جسده بالأرض بقسوة، وكأن مطرقةً هوت على جمجمته، لاهثاً في فراغٍ من هواءٍ مقطوع. حين فتح عينيه، كان الثعلب يترنح أمام القفص المفتوح، يرمقه بنظرةٍ مشوشة قبل أن يختفي في عتمة الأدغال. في أعماق آرن، ظل “الخيط” جرحاً نابضاً، لكنه كان حياً. نظر إلى يديه المرتجفتين؛ لقد اكتشف أخيراً أن النجاة لا تكمن في الإمساك القوي، بل في التوقيت الدقيق للترك.

رفع بصره نحو الأفق، حيث تجمعت الغيوم في دوامةٍ سوداء تشبه تماماً ما يغلي في صدره؛ جميلة، فتاكة، ولا تنتظر سوى لحظةٍ واحدة لتلتهم كل شيء. كان يعلم الآن: التحكم ليس في الخيط فقط، بل في لحظة التخلي عنه.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
12/17 70.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.