الفصل 13 : نبض تحت الجلد
في عتمة الغرفة، ضغط آرِن بأصابعه على صدره. تحت الجلد الرقيق، عند تلك الندبة الباهتة، كان هناك إيقاع غريب لا يهدأ، نبض خفي يكاد يزيح أصابعه مع كل دقة، كأن كائناً صغيراً يحاول حفر طريقه إلى الخارج.
لم يكن بحاجة لإشعال شمعة؛ فالظلام صار مألوفاً. تسلل عبر الممرات الصامتة، متجنباً الوقع الرتيب لخطوات الحراس البعيدة، حتى وصل إلى الإسطبل القديم المهجور خلف جناح المراقبة.
هناك، في زاوية القفص الخشبي، رقدت كلبة حراسة عجوز. فراؤها الرمادي أشعث، وقوائمها نحيفة هزيلة. حين اقترب، لم تنبح؛ فقط رفعت رأسها الثقيل، ونظرت إليه بعينين غائمتين يملؤهما هدوء من استسلم للنهاية.
جثا آرِن على ركبتيه أمامها. أطلق زفيراً طويلاً لتثبيت تركيزه، لكن قبل أن يمد وعيه للبحث عن الخيط، تيبّس ظهره.
تلك النقرة في صدره تحولت فجأة إلى حرارة لاذعة، كأن السم القديم الراقد في دمه قد غلى دفعة واحدة. كتم صرخته، وضغط بيده اليسرى على صدره بينما مد يمناه نحو جبهة الكلبة.
انفجر الخيط.
لم يكن تسللاً بطيئاً هذه المرة، بل اندفع كبرق ذهبي متوهج، اخترق الفراغ واستقر في وعي الكلبة دون أدنى مقاومة.
اهتز العالم في عينيه. انخفضت زاوية رؤيته إلى مستوى الأرض؛ شمّ رائحة الرطوبة المنبعثة من القش المبلل، وسمع حفيف أوراق الشجر البعيدة كأنه رعد في أذنيه، ورأى ظلال القصر ككتل عملاقة تتحرك.
لكن وسط هذا التدفق، شعر بفيضان آخر يتدفق من يده.
نبض دافئ، ثقيل وعميق، انساب عبر الخيط الذهبي ليتغلغل في عظام الكلبة العجوز. تلاشت الرعشة التي كانت تهز جسدها الضئيل، وتنهدت بعمق وهي تسند رأسها بالكامل على كفه، كأن طاقته لم تعد مجرد قيد يربطهما، بل ترياق يمتص آلامها ويتجذر في لحمها.
وعندما بدأ الدخان الأسود المألوف يتسلل لقطع الرابط، لم يندفع بجنون كعادته. هذه المرة، اصطدم بذلك النبض الدافئ فتباطأ، كأنه يتحرك عبر سائل لزج.
بثقة لم يعهدها من قبل، لم يقطع آرِن الاتصال بعنف؛ بل سحب الخيط ببطء، مستمتعاً بكل مسافة ينحسر فيها الدخان، حتى تراجع السواد تماماً وانغلق الرابط بسلاسة..
رمش آرِن، ليعود إليه ضوء الإسطبل الشاحب. لم تكن الكلبة راقدة كما تركها؛ بل وقفت على قوائمها بثبات لم تعهده، ودست خطمها الدافئ في كفه المسترخية على ركبته.
تأمل أصابعه الثابتة، خالية من تلك الرعشة التي تلي كل اتصال. في صدره، شعر بشيء يستقر، كترس صغير انزلق في مكانه الصحيح داخل قفل مغلق منذ سنوات.
نهض ببطء، ومسح على رأسها الرمادي. تنهد بارتياح، لكن يده تجمدت لثانية فوق فرائها؛ النبض تحت جلده لم يختفِ مع انقطاع الرابط، بل ظل يتردد بنعومة، متناغماً مع دقات قلبه.
نظر إلى كفه في الظلام. هذا الاهتزاز المنتظم لم يكن أثر سمٍّ ينهش جسده… بل كان محركاً يستيقظ، ويطالب بالمزيد في كل مرة يمد فيها خيطاً جديداً.
همس بصوت خافت، وعيناه معلقتان بالظلام:
“لا ادري هل كلما استخدمت خيط الطاقة .. يزداد النبض”

تعليقات الفصل