تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 14 : اختبار الدم

اربع سنوات أو يزيد مرّت على تلك الليلة التي انغرس فيها خنجر السم في صدره. اربع سنوات لم تُغيّر ملامح الندبة الملتوية فوق قلبه بقدر ما صقلت ملامح الفتى؛ استطال جسده، واكتست عضلاته بصلابة خفية، لكن الجدران السوداء لقصر فالدار بقيت على حالها، باردة ومظلمة.

حتى في قبو الجناح الشرقي، حيث غرفته الباردة ذات السرير الخشبي الخشن ورائحة الرطوبة والغبار، لم ينجُ آرِن من همسات القصر. الخدم الذين اعتادوا تجاهله باتوا يشيحون بوجوههم عنه بوجل كلما صعد إلى الأروقة، وأطباق طعامه الشحيحة باتت تُوضع على طاولته المتشققة بصمت جنائزي، وكأنهم يطعمون سجيناً ينتظر حبل المشنقة، دون أن يفهم الفتى سرّ تلك الريبة التي تلوح في عيونهم.

كانت الغابة التي اعتاد آرِن التسلل إليها قد صارت أكثر من مجرد ساحة تدريب، صارت مختبره السري، المكان الوحيد الذي يجرؤ فيه على اختبار الحدود الجديدة لقدرته.

ذلك الخيط الرقيق من الطاقة السحرية الذي يجري في عروقه، كان لعنةً في عيون الآخرين، لكنه اكتشف شيئًا غيّر نظرته إليه: بإمكانه ضغط تلك الطاقة أو تمديدها حتى تصير رقيقة كالنسيم، أو متدفقة كالسيل، كل ذلك بقدرته وحده.

على تلك الصخرة، أطبق آرِن جفنيه مركّزاً نظره على غراب ينهش جيفة قريبة. أرسل نبضة ضئيلة من طاقته؛ فتلاشت عتمة عينيه لتخلّفها رؤية مهتزة من الأعلى. رأى جسده الجالس بالأسفل مصغّراً، واجتاحت خياشيمه رائحة دم متعفن حادة.

بأمر صامت من عقله، دار الغراب وحلّق مبتعداً.

*إلى أي مدى سأصمد؟*

ارتفع الطائر، ومع كل ضربة جناح، كان صدغَا آرِن ينبضان بضغط مستعر، كأن قنوات طاقته تمتلئ بجرام من الرصاص المغلي. على بعد نصف ميل، انقطع الوتر غير المرئي بعنف.

ارتدّ آرِن إلى الخلف، واصطدمت ركبتاه بالأرض وهو يلهث، بينما انسابت قطرة دم دافئة من أنفه. مسحها بظهر يده، وارتسمت على ثغره الشاحب ابتسامة متعبة: “خطوة أخرى.”.*

وفي الجانب الآخر من القصر، خلف أبواب موصدة، كانت المؤامرة تُنسج بصمت.

في قاعة شحيحة الضوء، تلاعب لوكارد بمقبض سيفه، وعيناه الرماديتان تلتمعان بكبرياء تحت درعه الفضي المصقول الذي يحمل عيون التنين—شعار فالدار. بجانبه، وقف اثنان من أعمامه، بينما انزوى في ركن مظلم رجل غريب يرتدي عباءة رمادية قاتمة لا تحمل شعار أي عائلة من لينتارا.

لا تجعل قراءة الروايات تلهيك عن صلاتك، تذكير محبة من مَــجَرّة الرِّوايات. galaxynovels.com

“لقد حان الوقت لإنهاء الأمر،” همس أحد الأعمام بوجل.

لوى لوكارد شفتيه باستخفاف: “آرِن؟ إنه عاجز حتى عن الاستدعاء، علامَ العجلة؟”

“إنه يحمل دماء العائلة،” رد العم بحدة خافتة. “إن تركناه يقوى، سيلتهم نصيب الجميع.”

تحرك الغريب في الزاوية، وانساب صوته بارداً ومستقراً: “لا تنتظروا حتى يبلغ السن القانوني. قدموا موعد اختبار الدم الآن. سقوطه علناً وهو غير مستعد سيجعل طرده قانونياً وبلا رجعة.”

اتسعت ابتسامة لوكارد بخبث، بينما كان الدوق أليستر غافلاً تماماً، منشغلاً بحماية الحدود من هجمات قارة النار.

في الغابة، واصل آرِن تجاربه. هذه المرة جرّب مع سنجاب بري سريع الحركة. الطاقة التي أرسلها كانت أشبه بلمسة، بالكاد تكفي للسيطرة، لكنه أراد أن يرى إن كان بإمكانه إرسالها بسرعة كافية قبل أن يبتعد الحيوان عن متناوله.

قفز السنجاب من غصن لآخر، وآرِن يلاحقه بعقله، حتى شعر برأسه يدور وعرقه يتصبب.

في لحظة انقطاع الرابطة، سقط على ركبتيه، صدره يعلو ويهبط، والندبة الداكنة على صدره تنبض بحرارة مؤلمة.

لم يكن يعلم أن الوقت ينفد، وأن أول اختبار حقيقي له سيكون أمام أعين كل من يريد سقوطه.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
14/17 82.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.