الفصل 15 : أمام أعين الجميع
ارتجّت أرض الساحة الحجرية تحت وطأة قرع الطبول الثقيل، واهتزت معها أعلام التنين الأسود المعلقة على الشرفات العالية وكأنها أجنحة تتهيأ للانقضاض. لم يكن الهواء بارداً، لكن الوقوف في تلك البقعة كان كافياً لتجميد الدماء في العروق؛ فاليوم تُغربل سلالة “فالدار” ديدانها من تنانينها، والوصمة التي تُكوى بها جبهة الخائب اليوم لا يمحوها زمن.
على خط البداية، وقف الفتيان والفتيات من فروع العائلة المختلفة في صف متراص، تفصل بينهم خطوات معدودة لكن تفصل بينهم عوالم من القوة.
في اليمين، وقف ابن عمه “جاريك” يربت على فرو فهد الصخور ذي الأعين الستة الذي كان يزمجر بوعيد، وبجانبه “فانيا” ابنة عمومته من الجناح الغربي وهي تلاعب أفعى برأسين تلتف حول معصمها كإسوارة من السم القاني. أما “دوران”، ذلك القريب المتغطرس، فكان يمسك بسلسلة حديدية ثقيلة ينتهي طرفها بكتلة من الظلام الهائج لـ “كلب الرماد”.
وبين كل هذا الصخب والهدير… وقف آرِن.
كان الفراغ خلفه يصرخ بعجزه؛ لا ظل يرتعد خلف كتفيه، ولا زئير يحميه من نظرات الاحتقار التي كانت تنهال عليه من منصة النبلاء. وعلى تلك المنصة، وتحديداً في الشرفة المطلة على الساحة، كان أخوه الأكبر “لوكارد” يتكئ ببرود على الحافة الرخامية، يراقب شقيقه الأصغر بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه القاسيتين، وبجواره قادة الأجنحة يتبادلون الهمسات.
همسات الجمهور من النبلاء والحراس اخترقت أذنيه:
– “إنه ما زال عاجزًا عن استدعاء أي وحش سحري!”
– “كيف يجرؤ على الوقوف هنا؟”
– “ربما سيُطرد اليوم…”
على منصة الحكم، تربع الدوق “أليستر” كتمثال من جليد، وعيناه الرماديتان ترمقان الساحة ببرود لا مبالٍ. لم يكن آرِن يعلم أن وقوفه هنا اليوم، قبل ستة أشهر من الموعد المفترض، كان نتيجة طبخة سُمّمت تفاصيلها خلف الأبواب المغلقة لقاعة المجلس قبل أيام…
حينها، وبنبرة تقطر حرصاً زائفاً، قال عمه الأكبر “برون” وهو يمرر أصابعه على خريطة العائلة:
– “أليستر، فهد ’جاريك‘ يوشك أن يلتهم قفصه غضباً، وأفعى ’فانيا‘ بلغت ذروة سمّها. تأجيل الاختبار من أجل فتى لم يوقظ شرارة طاقة واحدة بعد… هو إهدار لقوة الجيل الجديد. السلالة لا تنتظر العاجز.”
أومأ العم الثاني مؤيداً، بينما كان “لوكارد” يقف في عتمة الزاوية، يبتسم وهو يهمس لقائد الحراس المسؤول عن الوحوش:
– “قدّموا موعد الاختبار… وضعوا في قفص آرِن ذلك الذئب البري الذي جُلب من غابات الشمال الليلة الماضية. دعونا نرى كيف سيفرض هيبته على وحش لم يذق طعم القيد قط.”
انتهت اللعبة قبل أن تبدأ، والآن حان وقت العرض.
دوى صوت الحكم الرئيسي، ليرتعد صدى كلماته بين جدران الساحة:
– “اختبار الأهلية للجيل الجديد. القواعد صارمة: السيطرة الفورية على الوحش خلال عشرين نفساً. من ينجح يثبت جدارته بحمل اسم فالدار، ومن يفشل… يُنزع لقبه ويُشطب اسمه من العائلة إلى الأبد.”
بدأ المرشحون بالتقدم. تقدم “جاريك” أولاً؛ وبإشارة واحدة من يده تدفقت طاقته الرمادية لتغلف عيون فهد الصخور الستة، فخرّ الوحش ساجداً تحت قدميه. تبعته “فانيا” التي نفثت همسة مشبعة بطاقتها القرمزية، فانسابت الأفعى ذات الرأسين لتطوق ذراعها مستسلمة. وحين جاء دور “دوران”، ضرب السلسلة الحديدية بالأرض فتوهجت طاقته المظلمة، مرغمة “كلب الرماد” على الخضوع والجلوس كظل مطيع.
ثم… جاء دور آرِن.
ارتفع الباب الحديدي للقفص الأخير بصرير حاد. لم يخرج منه وحش مروض، بل اندفع منه ذئب بري شمالي ضخم، الفراء على ظهره منتصب كالإبر، وعيناه تشتعلان ببريق وحشي جائع لم يعرف القيد قط.
تراجع الجمهور خطوة إلى الخلف من هول شراسته. في تلك اللحظة، شعر آرِن بالندبة القديمة في صدره تلتهب كأن قطرة من الرصاص المصهور سُكبت داخل قلبه. حبس أنفاسه، وركز الخيط الرفيع المتذبذب من طاقته السحرية، محاولاً مدّ جسر الاتصال بالوحش كما كان يفعل مع الطيور والحيوانات الصغيرة في الخفاء.
عشرة أنفاس مرت… والذئب يتقدم ببطء، يزمجر بوعيد ويسيل لعابه على الحجارة.
خمسة عشر نفساً… الخيط السحري لآرِن يكاد يلامس وعي الذئب، لكن طاقة الوحش البرية الهائجة كانت كالجدار المصمت.
فجأة، انطلق الذئب كالبرق نحو عنقه. شهق الحضور. غريزياً، دفع آرِن بكل ما يملك من طاقة متبقية في جسده دفعة واحدة. ارتد الذئب في الهواء متفاجئاً بالصدمة الروحية وتراجع خطوتين، لكن الثمن كان باهظاً؛ انفجر الألم في صدر آرِن كمطرقة هوت على زجاج، فترنح وسقط على ركبته، يضغط بيده على صدره بينما يتدفق الدم الحار من فمه ليلطخ أرض الساحة.
دوى صوت الحكم بارداً وخالياً من أي رحمة:
– “انتهى الوقت. آرِن فالدار… فشل في السيطرة.”
لم ينتظر القادة حتى تعليق الدوق أليستر، بل تعالت أصوات الأعمام فوراً لتثبيت الحكم:
– “القانون صريح ولا يحابي أحداً. الوريث الذي يفشل في السيطرة على وحش في هذا السن، يُطرد من قائمة الورثة ويُجرّد من امتيازاته.”
في منصة المشاهدين، بدا الغضب يشتعل في عيني الدوق أليستر، لكن قبل أن يتكلم، قاطعه أحد أعمامه بصوت عالٍ أمام الجميع:
– “نحن لا نطرد ابنك أيها الدوق، نحن نحمي شرف العائلة.”
جرّ آرِن جسده المنهك محاولاً النهوض، ومسح بكفّه المرتجفة خيط الدم المنساب من زاوية فمه. رفع رأسه ببطء نحو الشرفة العالية، لتصطدم عيناه بـ “النخبة”؛ شقيقيه اللذين جشّما نفسيهما عناء السفر والعودة من الأكاديمية الإمبراطورية للعاصمة، يجاورهما أخوه الأكبر “لوكارد” الذي كان يدير خيوط اللعبة من الظل في القصر. لقد اجتمعوا جميعاً لا لمؤازرته، بل ليشهدوا بأعينهم كيف تُبتر الزائدة الدودية لعائلتهم أمام الملأ.
في تلك الشرفة، لم تكن الدماء التي تجمعهم كافية لإخفاء الهوة السحيقة بينهم؛ فالإخوة وقفوا كذئاب تتقاسم إقليماً واحداً، وعيونهم لا ترقب الساحة بقدر ما ترقب رقاب بعضها البعض.
على الحافة، كان “لوكارد” يتكئ بثقة المستأثر بالصدارة، بينما يقف “كايدن” على مسافة غير مريحة منه، يعبث بنصل خنجره اللامع ببرود. كانت نظرات كايدن تتنقل بين جسد آرِن الملقى في التراب وظَهر لوكارد المكشوف، بابتسامة ساخرة تحمل تهديداً مبطناً؛ فكل منهما يرى في الآخر العقبة الحقيقية التالية بعد التخلص من هذا “العاجز”.
أما “ميرنا”، الشقيقة التي توسطت هذا الصراع الصامت برداء الأكاديمية الحريري، فلم تكن نظرتها تشبه قسوتهم. كانت أصابعها ترتجف وهي تعتصر قلادتها السحرية حتى ابيضّت مفاصلها، وعيناها اللامعتان بالدموع تلاحقان جسد شقيقها الأصغر آرِن وهو يصارع للنهوض على ركبتيه المرتجفتين. ومع كل محاولة بائسة منه للوقوف، كانت ميرنا تندفع بنصف خطوة غريزية للأمام وكأنها تريد الهبوط إلى الساحة لرفع جسده المنهك، وكادت تصرخ باسمه لتشد من أزره، لولا النظرة الجانبية الحادة والتحذيرية التي رماها بها لوكارد، لتعود خطوة إلى الوراء متجمدة. أشاحت بوجهها سريعاً وعيناها مغمضتان بقوة، لا اشمئزازاً من آرِن، بل عجزاً عن تحمل مشهد انكسار الصغير الذي تحبه دون أن تملك القدرة على النزول إليه ومد يدها لتسنده…
كانت عباءة لوكارد المخملية السوداء المطرزة بتنين العائلة الذهبي، وجوارها عباءات إخوته الحريرية النظيفة المطرزة بشعار الأكاديمية، تلمع كلها تحت أشعة الشمس في تباين صارخ مع ركبتيه الملطختين بتراب الساحة ودمائه التي بدأت تجف على الحجارة.
في تلك اللحظة، وهو يرى تبادل الإيماءات الخفيفة بين لوكارد وقائد الحراس المسؤول عن الأقفاص، انقشعت الغشاوة عن عينيه. لم يكن هذا اختباراً عشوائياً، بل مسرحية دُبّرت فصولها بدقة؛ من تقديم الموعد، إلى جلب ذئب شمالي بريّ هائج لم يمر بتدريب قط.
غرس آرِن أظافره في كفّيه حتى كادت تخترق جلده، مستمداً من الألم الجسدي قوة تمنعه من السقوط مجدداً. لم ينظر إلى والده الدوق، ولم ينطق بكلمة استعطاف واحدة. تلاقت عيناه بعيني لوكارد في تحدٍ صامت، بينما كان يهمس لنفسه وسط هدير الحشود وسخريتهم: *ليست النهاية… بل البداية التي ستدفعون ثمنها جميعاً.*

تعليقات الفصل