تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 19 : طرق الحديد قبل أن يبرد

انعكست خيوط الشمس الشاحبة على سطح النهر، بينما كان آرن يشد رباط حذائه المهترئ حتى احمرّت مفاصل أصابعه. لم يكن الجوع مجرد ألم في معدته، بل كان وقوداً يغذي برودة عينيه. لمس الندبة الغائرة على صدره، تلك التي تذكره بأن “آرن فلدار” قد مات، وأن من يجلس هنا هو مجرد روح تبحث عن سلاح.

وقف أمام بوابة “رماح الفجر”، حيث تفوح رائحة العرق والصدأ. استقبله ضخمٌ أصلع، ندبة طويلة تشق حاجبه الأيسر، ألقى بقطعة معدنية صدئة نحو قدمي آرن.

– “السيف ثقيل على من اعتادوا حمل الملاعق الفضية، يا صغير. أثبت أنك لن تكون عبئاً في أول كمين.”

التقط آرن السيف، لم يتردد، بل اتخذ وضعية قتالية غريزية. حين لم يجد توازناً، مد يده نحو رفٍ جانبي وانتزع سيفاً ثانياً. تمايلت نصلتا المعدن في الهواء، ضرباتٌ لم تكن أكاديمية، لكنها كانت وحشية، سريعة، وموجهة بدقة نحو نقاط الضعف في جسد الرجل الضخم.

تراجع الرجل خطوة، وقد استقرت نصلة آرن على بعد إنشات من عنقه. ارتسمت على وجه الضخم ابتسامة صفراء باهتة.

– “- “أنت لا تقاتل كفارس، أنت تقاتل كمن يرفض الموت. خذ نصالك، غداً ستعرف معنى أن تكون مرتزقاً.”

في اليوم التالي، كانت عجلات العربات تئن تحت ثقل البضائع، وصوت صليل السيوف لا يزال يتردد في ذهن آرن. عند المنعطف الثالث، انشقت ظلال الأشجار عن ثلاثة رجال، سكاكينهم الصدئة تلمع بوعيدٍ صامت.

لم يصرخ آرن؛ بل انكمش جسده كزنبركٍ مشدود، وانفجرت طاقته في عضلاته كألمٍ محبب يوقد الحواس. اندفع للأمام، مخترقاً ثغرة في دفاع المهاجم الأول؛ لم ينتظر ليرى رد فعله، بل غرس نصله الأيمن في كتفه بقوةٍ جعلت صرخة الألم تختنق في حنجرة الرجل.

في تلك اللحظة، تحول العالم إلى ضبابٍ من الحركة. استدار آرن متفادياً ركلةً مباغتة، لكن جسده الذي لم يعتد على هذا المجهود الخارق صرخ احتجاجاً؛ تشنجت عضلات فخذه، مما جعله يتعثر للحظة. استغل المهاجم الثاني ذلك، ووجه ضربةً كادت تطيح به، لولا أن آرن غرس كوعه في صدغ الرجل بكل ما أوتي من قوة، متبعاً إياها بدفعةٍ أطاحت به نحو الوحل.

قبل أن يلتقط أنفاسه، لسعته برودة المعدن في ذراعه؛ سكين الثالث مزقت قميصه ونهشت لحمه. سار الدم ساخناً، مخلفاً وخزاً مؤلماً جعل قبضته ترتجف. لم يرمش آرن، رغم أن الرؤية بدأت تغبش من الإرهاق. اتخذ خطوةً جانبيةً ثقيلة، ودار بنصله الثاني في قوسٍ نصف دائري، مستغلاً قوة اندفاع خصمه ليغرز النصل في أحشائه. سقط المهاجمون، وخرّ آرن على ركبة واحدة، يلهث بعمق، ويده الملطخة بالدماء تضغط على جرح ذراعه، بينما امتزجت رائحة الأرض المبتلة برائحة دمه النازف.

سقط المهاجمون، ولم يتبقَ في الطريق سوى أنفاس آرن المتقطعة. حاول النهوض، لكن ذراعه المصابة خذلته، فأطلق أنيناً مكتوماً حين اصطدمت يده الملطخة بالأرض. كانت الحرارة تسري في ذراعه، حيث حفرت السكين أخدوداً عميقاً في لحمه، مخلفةً نبضاً مؤلماً يتماشى مع دقات قلبه المتسارعة.

في تلك الليلة، داخل ركنه المظلم في النقابة، كان آرن يربط جرحه بقطعة قماشٍ قذرة، وأسنانه تصطك من الألم. كلما ضغط على الرباط، كان يتذكر برودة السكين وهي تمزق قميصه. لم يكن يمسح الدم عن نصليه فحسب، بل كان يحدق فيهما وكأنهما امتدادٌ لجسده الذي بدأ يكتسب ندوباً جديدة. لم يطلب المدح، ولم يلتفت لمن حوله؛ فكل قطرة دمٍ نزفها، وكل ألمٍ اعتصر عضلاته، كان ثمناً يدفعه مقدماً في طريق انتقامه، لبنةً تلو الأخرى، بعيداً عن كذب قصور النبلاء التي لم تعد تعنيه.

التالي
19/33 57.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.