الفصل الثالث
مرّ عامٌ آخر داخل جدران الجناح الشرقي، عامٌ تحولت فيه الأيام إلى نسخٍ مكررة وقاسية. كل فجرٍ كان يشبه سابقه، وكذلك الذي يليه. كل عضلةٍ تُمزّق ليعاد بناؤها، وكل عظمةٍ تُكسر لتُجبر أقوى مما كانت عليه، وكل نَفَسٍ يُنتزع عنوةً من صدر فتىً ما زال ينمو. لكن في عالم آل “فلدار”، لا مجال للضعف، حتى وإن كنت ابن الدوق نفسه!
أصبح “آرن” يُعرف بين المتدربين بـ “الصامت”. لا شكوى تخرج منه ولا أنين.. لا صراخ ولا غضب. يُضرب.. يسقط.. يتحامل على نفسه ويقوم، فيُضرب من جديد!
ذات صباح، أمره المدرب باختبارٍ قاسٍ: تسلق جدارٍ صخري يبلغ طوله عشرة أمتار بيدٍ واحدة.
كانت أنامله تنزف وتنزلق على الصخر، وكتفه يرتجف بعنف تحت وطأة وزنه، لكنه لم يتوقف. دوّى صراخ المدرب من خلفه كالسوط: “أتريد أن تموت؟”.
وصل آرن إلى الحافة الأخيرة، غرس أصابعه الدامية متشبثاً بها، وبصوتٍ خفيض ابتلعه التعب همس: “بل أعيش… كما أريد”.
في الليل، لم تكن راحة آرن تشبه راحة الآخرين. كان يضمد يديه ويغمسها في مزيجٍ لاذعٍ من الأعشاب والرماد الحارق لتسريع التئام الجروح. أصبح ألمه اليومي طقساً مقدساً عنده، والندوب التي تتكاثر على جسده باتت سطراً جديداً في كتابٍ لا يقرؤه إلا هو. ولم يكن يكتفي بتدريب النهار؛ بل كان يقوم من الليل يتدرب دون سلاح.. فقط جسده، والأرض، والظلال.
في إحدى تلك الليالي، وبينما كان يوجه ضرباته العنيفة في الفراغ، كان والده يراقبه في صمت من بين الأعمدة.
اقترب منه الدوق ببطء، وسأل بنبرةٍ غامضة: “لماذا تنهك جسدك لهذا الحد؟.. أعطيتك الإذن للمكتبة، لماذا لم تخطُ قدمك فيها بعد؟ لماذا لا تبحث عن طريقٍ سحري بديل أو كنزٍ يساعدك على استعادة طاقتك؟”.
توقف آرن، صدره يعلو ويهبط بعنف، ورد وهو يلهث من التعب: “المكتبة لا تنفع من لا يستطيع الوقوف.. إن سقطتُ في المعركة أثناء القتال، فلن ينفعني ذكائي ولا أسراري”.
صمت الدوق للحظة، ثم امتدت يده لتستقر على كتف ولده. كان في تلك اللمسة طيفُ اعترافٍ نادر: “الفخر” ممزوجاً بالشفقة على ولده.
قال أليستر بصوتٍ عميق: “استمر.. لكن تذكر، أقوى سلاحٍ هو؛ هذا الذي لا يمكن لعدوك أن يراه”.
غادر الأب مخلفاً وراءه تلك الكلمات، بينما جلس آرن يغسل يديه بالطين البارد، متمتماً لنفسه وعيناه تلمعان في الظلام: “هو الذي لا يمكن لعدوك أن يراه!”.
في اليوم التالي، تغير الروتين. استُدعي آرن إلى أحد الأروقة السفلية العميقة؛ حيث تقع الساحات المغلقة المخصصة لتدريب قتال الوحوش العادية.
وقف المدرب هناك، ووجهه يحمل قسوةً جديدة، وقال: “لقد نجوت من نفسك، لنرى ماذا يمكن أن تفعل في قتالٍ حقيقي”.
ثم رفع الغطاء، وكشف الستار عن شيءٍ لم يتوقعه آرن على الإطلاق!

تعليقات الفصل