تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 21 : الرؤية عبر الظلال

لم يكن الصباح في أطراف لينتارا يعرف سكون قصر فالدار؛ هنا كان الهواء محمل برائحة الطين الممزوجة بصدأ الحديد، وصخب الأسواق الموحلة يطغى على كل شيء. اعتاد آرن هذا الضجيج الخشن منذ عامين، حين استبدل حرير القصور بجلد المرتزقة الخشن. شدَّ حزامه، فاستقرت قبضتا سيفيه القصيرين عند خاصرته بوزنٍ ألفته عضلاته التي صقلتها ليالي المبيت في العراء. لم يعد يبحث عن الترف، بل كان يتفقد ثبات سلاحه؛ ففي هذه الأطراف، لا يحميك إلا حديدٌ تعرف كيف تستخدمه قبل أن يباغتك الخطر.

مع كل مهمة نقل بضائع أو مرافقة قافلة، كان يكتسب مزيدًا من الخبرة. لم تعد الطرق الموحشة تُخيفه، ولا الكمائن التي ينصبها اللصوص تربكه. لكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن قوته الجسدية وحدها لن تكفي. فالوحوش السحرية، تلك الكائنات التي يسيطر عليها السحرة النبلاء، ما زالت تفوقه قوة. هو لا يملك طاقة كافية للسيطرة عليها… على الأقل، ليس كما يفعل الآخرون.

في ذلك اليوم، اتخذ آرن مكانه المعتاد على صخرةٍ تطل على جدولٍ مائي، عيناه لا تفارقان سرب الغربان المحلق فوق الأشجار. لم يكن ما يفعله فضولاً، بل كان اختباراً لمرونة قدرته؛ ففي عالم المرتزقة، المعلومة هي السلاح الأفتك. أغمض عينيه، متجاهلاً ضجيج الطبيعة من حوله، وبعث خيطاً دقيقاً من طاقته—خيطاً لا يكاد يُحس—نحو الطائر الأقرب. لم يسعَ للسيطرة القسرية التي يمارسها النبلاء، بل كان يضبط “تردده” السحري ليغوص في إدراك الكائن دون أن يثير ذعره.

فجأة، انخسف وعيهُ في ثقبٍ من الضوء. لم يعد آرن جالساً على الصخرة، بل صار معلقاً في تيار هوائي بارد. الرؤية لم تكن مجرد مشهدٍ يراه، بل إدراكاً حسياً متداخلاً؛ الغابة تحت مخالبه بدت كبساطٍ زمردي ممتد، والجدول خيطاً فضياً يلتوي بين الصخور. شعر بضغط الهواء يضغط على ريش جناحيه، وبنبضات قلبٍ صغيرة متسارعة ليست نبضاته، وبصرٍ حادٍ يفكك تفاصيل الأوراق الميتة على الأرض من ارتفاع شاهق. لقد كان حاضراً في جسدين في آنٍ واحد؛ وعيٌ يرتجف على الصخرة، ووعيٌ آخر يحلق في السماء. كان التداخل هذه المرة أعمق، وأكثر صخباً من أي وقت مضى.

تفاقم الضغط في صدغيه كأنما مسمارٌ محمى يغوص في جمجمته. لم يعد المشهد يهتز فحسب، بل بدأت ألوان السماء تتداخل مع سواد عينيه المغمضتين، وتلاشت الحدود بين وعيه المستقل ووعي الطائر في صخبٍ عاصفٍ من الأحاسيس. شعر بتمزقٍ حاد في الذاكرة، كأنما جزءٌ من روحه علق في الأعالي، وآخر سقط بعنفٍ في جسده المرتجف. انتزع طاقته بقوة، فاندفع جسده إلى الخلف، يلهث في الهواء البارد، بينما كانت أصداء صرخات الغربان لا تزال تتردد في أذنه كأنها حقيقةٌ ملموسة.

جلس لبرهة يستجمع أنفاسه، يبتسم رغم الصداع الحاد. كان يدرك أن لا أحد من السحرة الآخرين يستطيع فعل هذا. هم يأمرون وحوشهم السحرية بالقتال أو الحراسة، أما هو فيستطيع أن يرى ويسمع بعيونهم وآذانهم، ولو للحظات. صحيح أن الوحش الذي سيطر عليه ليس سحريًا، لكن الاحتمالات التي فتحها هذا الأمر كانت هائلة.

لم يكتفِ آرن بذلك؛ فالميدان لا يمنح فرصة ثانية للجاهلين. التفت نحو ثعلبٍ أحمر يتهادى بين الشجيرات، وبحركةٍ بالغة الحذر، ألقى “خيطه” السحري من جديد. هذه المرة، لم يكن الانزلاق نحو الأعالي، بل نحو الأرض الرطبة. فجأة، تضاعفت حواسه؛ لم يعد يرى العالم ببعدين، بل صار يشعر بكل ذبذبة في التربة تحت كفوف الثعلب، وبرائحة الطحالب النفاذة، وبحركة الحشرات المختبئة في الأوراق الجافة. كان عالماً من التفاصيل الدقيقة التي تفوت العين البشرية.

حين بدأ الصداع يطرق صدغيه مجدداً، سحب طاقته بسرعة، مفسحاً المجال لوعيه الخاص بالعودة. استند بظهره إلى الصخرة، يلهث بابتسامةٍ باردة؛ ففي ساحة المعركة، لن يحتاج لرفاقٍ يغطون ظهره إن كان بإمكانه التسلل إلى عقول من يحيطون به. لم يعد الأمر مجرد تسلية، بل كان يخطط لشيءٍ أكبر؛ فإذا كان هذا الثعلب الصغير قد كشف له أسرار الغابة، فما الذي سيكشفه له “وحشٌ سحري” حين يتصل بعقله الجامح؟ كانت تلك الفكرة تومض في عقله كسرابٍ بعيد؛ فبينما يطمح هو لاستعارة عيون العمالقة، لا تزال طاقته المحدودة كابحاً يمنعه من تجاوز حدود المخلوقات الضعيفة.

هزَّ رأسه محاولاً طرد تلك المرارة التي تتسلل إلى صدره كلما تذكر أن عليه الاكتفاء بالهوام، بينما يمتلك النبلاء وحوشاً تطيعه بكلمة. ومع ذلك، لم يكسره هذا الواقع؛ بل زاد من حدة نظراته. إذا لم تكن طاقته كافية لترويض الوحش، فسيجد طريقة أخرى لكسر قواعد هذا العالم، ولو اضطر إلى استنزاف روحه ذاتها.

التالي
21/33 63.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.