تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 27 : سيوف عين الفجر

في ردهات حانة “الرمح الفضي”، لم تعد الطاولات تتسع لخرائط المرتزقة؛ بل ضاقت بلفائف العقود المختومة بالشمع الأحمر لقمم تجار “رودفال”. توقيع “رماح الفجر” الذي كان يُباع بثمن بخس، صار يتطلب اليوم حقائب من الفضة تُدفع مقدماً لتأمين ممر واحد عبر الوادي.

خلف الكؤوس المترعة والنوافذ المغلقة، كانت الهمسات تسري بين المرتزقة كالنار في الهشيم:

“لم ينزف من رماح الفجر رجل واحد منذ شهر.”

“يقولون إن لديه حاسة ملعونة، يشم رائحة النوايا السيئة ونصال الحديد قبل أن تُسلّ من أغمادها.”

“بل يقسم بعضهم أنه يرى في عتمة الليل كالبوم، وأن عينيه تلمعان ببريق شيطاني لا ينام.”

في زاوية مظلمة من المقر، كان آرِن يربط جعبته الجلدية ببطء. رنين الذهب في كيسه كان رزيناً، أثقل من مخصصات فرسان النخبة، رغم أن كتفيه خاويتان تماماً من وشم التعاقد مع أي وحش سحري. تلك الفجوة التي كانت تثير سخريتهم بالأمس، باتت اليوم لغزاً يثير ريبتهم.

ولم يتأخر الصيادون عن شم رائحة اللحم الثمين.

على طاولته الخشبية، وُضع خنجران يحملان شارتين مختلفتين؛ الأول منقوش على مقبضه مخلب أسود، وبجانبه رسالة مقتضبة تعرض منصب نائب القائد. والآخر سهم مطلي بالسم الأخضر، يعلو صكاً بنصف أرباح غنائم الفرقة بأكملها.

أزاح آرِن الخنجرين بطرف سبابته، دون أن يرمش له جفن، دافعاً بهما إلى المبعوثين الواقفين في ظلال العمود الخشبي للحانة.

“ولائي لا يُباع بالمزاد. أنا مع رماح الفجر.”

تراجع المبعوثان في عتمة العمود الخشبي، والشرر يتطاير من أعينهما. لم يكن رفض آرِن مجرد كبرياء فتى؛ بل كان صفعة لزعماء المرتزقة في “رودفال”. كيف لفتى منبوذ، خاوٍ من أوشام الوحوش السحرية، أن يمرغ هيبتهم في التراب ويرفع فرقة “رماح الفجر” فوق رؤوسهم؟ كان الصمت الذي غادروا به يحمل رائحة مؤامرة تُطبخ على نار حاقدة.

وفي ليلة شديدة البرودة، رقدت حجرته الخشبية على أطراف المعسكر في صمت مريب. توقفت صراصير الليل عن الغناء فجأة، وانسحب الهواء من النوافذ ليحل محله ثقل خانق.

أوفي ليلة شديدة البرودة، رقدت خيمته على أطراف المعسكر في صمت مريب. توقفت صراصير الليل عن الغناء فجأة، وانسحب الهواء من بين شقوق القماش ليحل محله ثقل خانق.

أغلق آرِن عينيه، وهمس في أعماقه بنداء صامت: “ركان…”

في تلك اللحظة، انفتحت بصيرته على اتساع السماء. تلاشى سقف الخيمة القماشي، وبدت له رقعة المعسكر والغابة المحيطة بها من منظور علوي حاد كالإبرة. من خلال عيني ركان المحلق في الأعالي، رأى ستة ظلال سوداء تتسلل بين جذوع الأشجار، أسلحتهم مطلية بالقطران كي لا تعكس ضوء القمر، يطوقون خيمته ببطء كذئاب جائعة.

قطع آرِن الاتصال البصري، وعاد إلى جسده في عتمة الخيمة، وقد حدد مواقعهم بدقة. انزلق من فراشه كأنه ظل يتحرك وسط الظلال، مستلاً سيفيه القصيرين بصمت مطبق.

انشق ستار الخيمة مع قفزة المهاجم الأول، الذي اندفع بنصل مسموم يبحث عن عنق آرِن في موضع فراشه. لكن آرِن كان خلفه تماماً. وبحركة خاطفة تفتقر إلى أي تردد، ارتد خنجر المهاجم إثر ضربة صد دقيقة من السيف الأيسر لآرِن، وقبل أن يستوعب الرجل توازنه المفقود، كان السيف الأيمن قد رسم خطاً أحمر قاطعاً عبر حنجرته. تدفق الدم الساخن بغزارة، وسقط الرجل يجر أنفاسه الأخيرة في أرضية الخيمة الترابية.

تصلب المهاجمون الآخرون الذين اقتحموا الخيمة للحظة. لم يكن “عين الفجر” مجرد عين تراقب من بعيد، بل كان يملك مخالب تقتل قبل أن يرتد الطرف.

اندفع المهاجم الثاني من خلفه غارزاً خنجره نحو ظهره، مستغلاً ضيق المكان وعتمته. لكن آرِن، الذي كانت حواسه متيقظة لأقل حركة في الهواء، شعر ببرودة النصل تقترب. انحنى بجسده نصف دورة بمرونة مرعبة، متفادياً النصل بفارق شعرة، وعكس قبضة سيفه الأيمن ليدفعه بقوة خلفه، فاخترق النصل قماش السترة والضلوع ليخرج من صدر المهاجم، الذي تهاوى بجسد متشنج.

تراجع المهاجمون خطوة إلى الوراء خارج الخيمة، لكن الغريزة لم تسعفهم. انقض الثالث والرابع معاً من الجانبين لحصاره في المساحة المفتوحة أمام الخيمة. تحركات آرِن لم تكن بشرية؛ لم يكن يدافع، بل كان يتحرك إلى النقطة العمياء لكل منهما مستغلاً معرفته المسبقة بمواقعهم. التف كالإعصار؛ شطر سيفه الأيسر ذراع أحدهما من الكتف بضربة مائلة هابطة، وفي نفس اللحظة، غاص نصله الأيمن في تجويف عين المهاجم الآخر حتى المقبض.

امتزجت صرخات الألم بصوت ارتطام الأجساد الهامدة.

بقي اثنان. تلاشت شجاعتهما أمام هذا المسلخ البشري، واستدارا للفرار نحو عتمة الأشجار. لكن ركان انقض من كبد السماء كالسهم، ممزقاً الهواء بجناحيه، لتنغرس مخالبه في وجه أحدهما، محولاً صرخاته إلى عويل مرعب. أما الأخير، فلم يكد يخطو خطوتين حتى شعر بظل آرِن يطبق عليه؛ وبضربة مقصية خاطفة بسيفيه القصيرين، شق ظهره عرضاً ليسقط جثة هامدة في وحل الغابة.

ساد الصمت مجدداً، ولم يعد يُسمع سوى حفيف الرياح وقطرات الدم التي تسقط بانتظام من نصلي آرِن.

كان تنفسه هادئاً، وعيناه تلمعان ببريق ذهبي خافت انعكس عليه ضوء القمر، بينما هبط ركان ليستقر على كتفه، ينفض الدماء عن ريشه. لم يكن الفتى المنبوذ الذي ظنوه صيداً سهلاً؛ بل كان وحشاً ضارياً يرتدي قناع الهدوء.

مع شروق الشمس، كانت القصة قد تحولت إلى أسطورة مرعبة تتردد في حانات “رودفال” وعلى لسان تجارها:

“أرسلوا خلفه ستة من نخبة القتلة… ولم يجدوا سوى أشلاء ممزقة.”

“يقاتل بسيفين قصيرين كأنهما امتداد لروحه.”

“إنه لا يكتفي بالرؤية… بل يقطع دابر كل من تقع عليه عينه.”

تغير اللقب في النفوس؛ لم يعد “عين الفجر” رمزاً للاستطلاع والتجسس فحسب، بل صار يعني الموت المحتم. سيفان لا يخطئان الهدف طالما أن العين قد رأت.

تسلل الخوف إلى قلوب قادة الفرق المنافسة، وبات التخلص منه ضرورة قبل أن يبتلع نفوذه المدينة بأكملها.

لكن في تلك الليلة، وبينما كان آرِن يمسح الدم المتخثر عن نصليه بقطعة قماش بيضاء في هدوء تام، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، وتمتم لنفسه:

“فليحاولوا… طالما أن عيني ترى، فلن ترحم سيوفي أحداً.”

التالي
27/30 90%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.