الفصل 28 : النائب المطلق
ارتعش الضباب الصباحي فوق طين المعسكر، لكنه لم يفلح في حجب رائحة الحديد والدم المنبعثة من البوابة الشرقية. هناك، تمددت خمس جثث متصلبة، عيونها الزجاجية شاخصة نحو السماء الرمادية، بينما تجمعت الغربان على السور الخشبي في انتظار هدوء الحركة. الجنود الواقفون في حلقات متباعدة لم يتبادلوا التحيات المعتادة؛ كانت نظراتهم تزيغ نحو البوابة، وأيديهم تطبق على مقابض سيوفهم بقلق، والهمسات تتدفق مخنوقة من تحت اللثام عن ليلة كادت تبتلع المعسكر بأكمله.
توقفت الهمسات دفعة واحدة حين وطئت جزمة داريوس الثقيلة منصة الخشب. كان فكه مشدوداً لدرجة برزت معها عظام وجهه كالحجر، وعيناه الغائرتان تمسحان الساحة كشفرتين ممتلئتين بالوعيد. لم يصرخ، بل جاءت نبرته منخفضة، مشحونة، واخترقت الصمت البارد بوضوح:
“من تمتد يده إلى رجالي، أقطعها من الكتف. ليلة أمس لن تتكرر، ولا غافل بيننا سينجو.”
ساد سكون مطبق، لم يقطعه سوى حفيف الرياح في الخيام. أشار داريوس بيده الضخمة نحو آرِن الواقف صامتاً في الظل، وأردف بنبرة حاسمة كضربة مقصلة:
“من اليوم، آرِن هو النائب المطلق لرماح الفجر. كلمته من كلمتي، وأمره يسبق الجميع.”
سرى جفول جماعي بين الصفوف، كأن ريحاً باردة صدمت صدورهم. ارتفعت الدروع بقعقعة خفيفة، والتفتت الرؤوس نحو الفتى الذي لم يخط شاربه بعد. كيف لجسد نحيل لم يتجاوز الرابعة عشرة، ولا يرافقه وحش سحري يزأر، أن يعتلي رقاب قادة شابت لحاهم في الخنادق؟
تحت هذا الضغط، انقبضت أصابع “إلينا شارد” على مقبض سيفها حتى ابيضّت مفاصلها، وصدرت من غمدها رنة معدنية خفيفة عبّرت عن غليان دمها. أما “رودريك فايل”، فقد تيبّست يده المرفوعة لتسوية درعه، وضاقت عيناه وهو يحدق في الفتى كمن يحاول حل أحجية مستحيلة.
لم يترك داريوس مجالاً لارتداد الصدمة. خطا خطوة إلى الأمام، ووضع كفه الضخمة على فأس معلق بحزامه، وهتف وعيناه تتحديان الصفوف:
“من يرى في نفسه كفاءة تفوق فتى ذبح خمسة من نخبة المغتالين وحده في عتمة الليل… فليتقدم إلى الساحة الآن. السيف بيننا.”
لم يتحرك جندي واحد. تطلعت العيون إلى بقع الدم الجافة التي ما زالت تصبغ ثياب آرِن وحذاءه، ثم إلى الجثث المتراصة عند البوابة. تراجعت الأقدام خطوة إلى الوراء، وابتلع المعسكر اعتراضه في صمت ثقيل.
حصرياً… هذا العمل مقدم لكم من مَــجَرة الرِّوَايات، أي وجود له خارج موقعنا هو اعتداء على حقوقنا.
نزل آرِن عن المنصة بخطوات هادئة، دون أن تلتفت رأسه يمنة أو يسرة، متجاهلاً النظرات المعلقة بظهره. في خيمته، لم يخلع درعه الملطخ، بل سحب كرسياً خشبياً وقرّب المصباح الزيتي من خريطة جلدية قديمة لشرق رودفال. غمس ريشته في حبر أحمر، وبأصابع لم ترتجف، رسم خطاً غليظاً يربط بين ممرات الجبال ومصب النهر. تطلع إلى الخطوط الحمراء التي تشبه شرايين تنبض على الجلد، وتمتم بصوت خفيض: “السيوف تقتل الرجال فحسب… أما الطرق، فتخنق الممالك.”
طوال الأيام التالية، لم يهدأ صرير الريشة في خيمته. كان يطوي الرسائل الصغيرة، ويختمها بشمع أسود يحمل وسم “رماح الفجر”. لم تكن الكلمات المكتوبة بحبره الأنيق تطلب وداً، بل كانت تعرض صفقة باردة: “نمنحكم عيوننا لتأمين دروبكم مقابل حق الاستطلاع الحصري ونسبة من الحمولة. الخيار لكم؛ إما السير خلف عيوننا، أو التعثر في الظلام.”
في البداية، قوبلت الرسائل بضحكات ساخرة في حانات المرتزقة؛ إذ ألقى قائد “المخلب الأسود” بالورقة في النار. لكن بعد أسبوعين فقط، حين تلاشت قوافلهم في ممر “الذئب الرمادي” دون أن ينجو منها مخبر واحد، ساد الصمت. وحين تكررت الفاجعة مع “السهام المسمومة” في كمين لم يكن ليعلم به أحد، تبدلت الضحكات إلى وجوم.
لم يمضِ شهر حتى جلس مبعوث “المخلب الأسود” في خيمة آرِن، يوقع بيده المرتجفة على وثيقة الاستطلاع الحصري. وفي أسواق رودفال، امتنع كبار التجار عن شحن بضائعهم على أي عربة لا تحمل ختم “عين الفجر” على أوراق شحنتها؛ إذ بات الختم الأسود الصغير يعني الفارق الوحيد بين الوصول الآمن والفناء في عرض الطريق.
على طاولة آرِن، بدأت تتراكم الدفاتر التجارية المحشوة بالأرقام والنسب. لم يعد مقاتلو “رماح الفجر” يهرعون إلى الميدان مع كل صيحة حرب؛ بل باتت حصتهم من الذهب تصل إلى صناديق المعسكر قبل أن تُستل السيوف من غمدها، وصار اسم “عين الفجر” شبحاً غير مرئي يمر فوق كل عربة، ويقتطع حصته من كل صفقة تُعقد تحت شمس رودفال.
بدأ الجنود ينظرون إلى آرِن بغير العين التي عرفوه بها أول مرة. لم يعد ذلك الفتى الذي يجلس صامتًا ويراقب، بل صار يجلس جنب داريوس في الاجتماعات، يشرح الخرائط كأنه عاش عمرًا في طرق التجارة، يحدد أماكن الخطر بدقة غريبة، ويقترح حلولًا تجعل العدو يقع في الفخ قبل أن يبدأ الهجوم. حتى إلينا، التي قاومت القرار بشراسة في البداية، وجدت نفسها تنفذ أوامره في الميدان دون تردد. أما رودريك، فقد اعترف يومًا أمام بعض الجنود أنه لم يتعلم من أحد كما يتعلم من هذا الفتى الصغير.
لكن خلف ذلك الجدار من النفوذ، كان جسده يدفع الثمن في الخفاء. في كل مرة كان يمدّ فيها وعيه ليتحد مع عيني “ركان”، كان يشعر بمخرز من الجمر يغرس في رأسه، ويطرق جدران جمجمته بعنف يجبره على الضغط على فكه حتى تكاد أسنانه تتهشم. وفي إحدى الليالي، بينما كان جاثياً على ركبتيه في عتمة خيمته يلهث من شدة الألم، تحرك شيء راقد في أعماقه؛ انتفض السم القديم الذي أوهن طفولته، وتصاعد كضباب أسود بارد عبر عموده الفقري. وبمجرد أن لامست برودته النيران المشتعلة في رأسه، انطفأ الصداع فجأة، وتلاشى الألم كأنه لم يكن. تلمس آرِن جبهته بأصابع مرتعشة، وفتح عينيه اللتين تلونتا للحظة بلون الرماد، وهمس بدهشة: “السم… يرمم ما يكسره السحر.” لم يعد مجرد قيد يثقله، بل غدا درعاً ينهض كلما أوشك عقله على الانهيار؛ الداء والدواء في جسد واحد.
ومع مرور الشهور، تحول لقب “عين الفجر” من مجرد كنية لمرتزق إلى كلمة سر تفتح أبواب رودفال المغلقة. لم يعد هناك عقد تجاري يُبرم في حانات المدينة أو مكاتبها دون أن يمر على طاولته، ولا قائد قافلة يجرؤ على تحريك عجلاته قبل أن يتأكد من وجود الختم الشمعي الأسود على وثائقه. حتى داريوس، الذي كان يراقبه من بعيد، لم يعد يربت على كتفه بعفوية؛ بل باتت نظراته تطول وهو يتأمل الفتى، يمتزج فيها فخر القائد بحذر الرجل الذي يرى وحشاً ينمو في فنائه.
وفي ليلة هادئة، جلس آرِن وحيداً أمام النار التي أخذت تخبو. لم تعد الخريطة الجلدية أمامه تقتصر على حدود رودفال، بل امتدت خطوطه الحمراء لتتجاوز الجبال والممرات نحو الممالك المجاورة. هبط “ركان” بصمت على كتفه، لتلمع ريشاته الفضية تحت ضوء القمر. حدق آرِن في الأفق البعيد، وشعر باتساع العالم من حوله، ليهمس لنفسه بيقين بارد: “لتفخر العائلات الكبرى بوحوشها السحرية المربوطة بالسلاسل… أما أنا، فالسماء كلها ملكي.”
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل