تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 4 : بين أنياب الوحش

دوى صرير السلاسل الحديدية وهي تسحب الستار الثقيل، لتتراجع معها أنفاس الحاضرين دفعة واحدة.

خلف القضبان الفولاذية السميكية، جثم كيان رمادي ضخم. أربعة أذرع عضلية تنتهي بمخالب حفرت أخاديد عميقة في الأرضية الحجرية، وانفرج فكّاه المتداخلان عن صفوف من الأنياب الخنجرية التي يقطر منها لعاب لزج، ما إن يلامس الصخر حتى يصدر فحيحاً حارقاً ويتصاعد منه دخان خفيف. كان جسده درعاً من الحراشف الداكنة، تشوهه خطوط بيضاء عريضة لندوب طعنات قديمة لم تلتئم تماماً.

لكن ما جمد الدماء في عروق آرن لم يكن حجم الوحش، بل عيناه.

لم تكن تلك العيون تدور بهياج أعمى كبقية الوحوش؛ كانت حدقتاه الذهبيتان واسعتين، ثابتتين، ترقبانه بهدوء بارد ومحسوب. نظرة مثقلة بوعي حاد، تحمل مرارة كائن اختبر القيد والسوط، وعرف كيف يحول وجعه إلى حقد دفين.

من خلفه، سمع آرن وقع خطوة متراجعة، واصطكاك غمد سيف أحد الجنود وهو يهمس بريق جاف: “أهذا… كلابريكس؟!”

ارتطمت نهاية عصا المدرب الحديدية بالأرض الحجرية، ليدوي رنينها مصدراً صدىً قطع الهمسات. التفت بجسده الصلب، وقال بنبرة خلت من أي تعاطف: “هذا ليس درساً في الترويض، ولا استعراضاً لمهاراتكم. هذا صراع بقاء. من يخطو إلى هذه الحلبة، إما أن يخرج محمولاً على أكتاف الرجال كبطل، أو جثة هامدة.”

تقدم آرن خطوة

لم يتكلم .. لكن قلبه لم يكن صامتا

كان ينبض بعنف شديد لم يشعر به من قبل!

خوف؟! ربما وربما رغبة في المواجهة، وإثبات الوجود، وكسر تلك النظرات التي كانت ترمقه كما لو كان شيئا معيبا او ناقصا

ارتفع صرير البوابة الحديدية وهي تفتح فكّيها، وفي لحظة، تلاشى الكيان الرمادي من مكانه.

لم يرَ آرن سوى وميضٍ لكتلة عضلية هائلة تندفع عبر الحلبة كإعصار من الحجارة المتطايرة. وقبل أن يرتد إليه بصره، داهمه هجوم كاسح؛ ضربة خاطفة من ذراع جانبي أطاحت به ليحلق في الهواء ويرتطم بالأرض الحجرية.

تلاشى الهواء من رئتيه دفعة واحدة. دوى صوت طقطقة جافة في صدره، واندفعت حرارة مالحّة في حلقه لتخرج بقعة دم من بين شفتيه. اهتزت ذراعه اليمنى بعنف وهي تحاول إسناد جسده المنهار، بينما خيّم ظل الوحش فوقه.

كان بإمكانه أن يتظاهر بالموت، أن يصرخ طالباً النجدة، أو يغمض عينيه مستسلماً للمصير. لكنه عوضاً عن ذلك، دفع برأسه إلى الأعلى، جابراً جفنيه المرتعشين على الانفتاح ليلتقي بنظرة الموت مباشرة.

في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان.

تجمد مخلب كلابريكس الضخم على بعد إنشات من وجه آرن. انقبضت حدقتا الوحش الذهبيتان حتى صارتا كشفرتين دقيقتين. لم تكن هناك طاقة سحرية تحميه، ولا هالة استدعاء تذود عنه، بل كانت هناك “إرادة” محضة تتدفق من عيني الفتى؛ إرادة كائن يرفض الانكسار حتى وهو يلفظ أنفاسه. تراجع الوحش نصف خطوة، وصدر منه فحيح مرتبك، كأنه يرى في هذا الجسد الصغير مرآة لروحه المتمردة التي تأبى الخضوع.

لكن غريزة القتل سرعان ما استعادت سيطرتها. زأر كلابريكس غاضباً من تردده، وانغرس مخلبه الحاد في كتف آرن اليسرى، ليرفعه في الهواء قبل أن يقذفه بقسوة ليرتطم بالجدار الحجري للحلبة ويسقط وسط كومة من الغبار الكثيف.

ساد صمت مطبق في أرجاء المكان. لم يُسمع سوى لهاث الوحش المتسارع. حتى المدرب وضع يده على مقبض سيفه، وخطا خطوة للأمام مستعداً لإنهاء التدريب وإعلان موت الفتى.

داخل سحابة الغبار، كان وعي آرن يتأرجح على حافة الهاوية.

*(هل سأظل هكذا؟ مستلقياً في التراب، أنتظر معجزة لا تأتي؟ أنتظر طاقة سحرية خذلتني، أو وحشاً أسطورياً يقاتل نيابة عني؟)*

مَجـرَّة الرِّوايَات والمترجم يتمنّون لكم قراءة ممتعة ولا تنسوا الصلاة على النبي ﷺ.

احتك معدن السيف المكسور بالأرض الحجرية، محدثاً صريراً مزق الصمت.

ومن وسط الغبار، ارتفعت يد مغطاة بالدماء والتراب، ممسكة بقوة بنصف نصل سيفه المكسور.

نهض آرن. ترنح جسده، وتسربت الدماء بغزارة من كتفه الممزق لتصبغ قميصه باللون الأسود المائل إلى الحمرة تحت الضوء الخافت، لكن عينيه كانتا تشتعلان ببريق مرعب. بصق الدم من فمه، وقال بصوت متحشرج، هادئ بشكل مخيف، لكنه تردد في أرجاء القاعة المغلقة كأنه رعد:

“لم أعد بحاجة إلى وحش يحميني… سأكون أنا الوحش!”

وبصرخة وحشية جردته من بشريته، اندفع نحو كلابريكس.

لم تكن ضرباته مدروسة، بل كانت سيلًا من الهجمات الانتحارية السريعة. كان يضرب بنصف النصل المكسور، يطعن ويخدش الحراشف السميكة، متجاهلاً الآلام التي تنهش جسده. ومع كل ضربة، كان يترك خلفه بقعة من دمائه، لكنه لم يتراجع.

ولأول مرة منذ دخول الحلبة، وتحت وطأة هذا الهجوم الانتحاري الأعمى، تراجع كلابريكس خطوة إلى الخلف، واضعاً ذراعيه أمام وجهه لحماية عينيه من شظايا السيف المكسور.

لكن الفارق في القوة كان شاسعاً. غضب الوحش من تراجعه، وجمع ذراعيه الأربعة ليضرب بضربة مزدوجة ساحقة استهدفت صدر آرن مباشرة.

طار جسد آرن مجدداً، ليرتطم بالأرض بعنف، ويتدحرج عدة مرات قبل أن يستقر بلا حراك، وقد غاب عن الوعي تماماً قبل أن يلمس الأرض.

اندفع كلابريكس لإنهاء حياته، لكن الحراس والمدرب انقضوا كالصقور. أطلقت السهام المخدرة، وغرست الرماح في جسد الوحش لردعه، بينما سحب حارسان آرن بسرعة من الحلبة، وجسده ينزف من كل مكان كقطعة قماش ممزقة.!

في المساء، كان مستلقيًا على سريره. جسده مغطى بالضمادات، وحرارته مرتفعة، والصداع ينهش رأسه.

دخل والده الغرفة، ووقف ينظر إليه.

لم يقل شيئًا.

لكن آرن رفع عينه إليه، وقال:”خيّبت ظنك؟”

اقترب أليستر منه وقال “ربما عليك أن تستسلم”

ثم نهض، وقبل أن يغادر، قال: “هذا لم يكن اختبارًا للقوة يا آرن…بل للشجاعة. ونجحت فيه، رغم الخسارة”

قبض آرن قبضته حتى قطعت أظافره من لحم يده وصك على أسنانه حتى برزت عروق جبهته

“لا ذنب لي.. لا أمتلك طاقة سحرية .. لا بد لي من قتل هؤلاء الأوغاد يوما ما .. سلبوني كل شيء” وظل آرن يستمع إلى أفكاره…

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
4/10 40%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.