الفصل 31 : صراع الظلال
في القاعة الكبرى لقصر رودفال، كانت ظلال المشاعل تتراقص بعنف على جدران الحجر الأسود. كان الملك إدريان يمشي ذهاباً وإياباً في البهو، يده تقبض على الهواء في غضب مكتوم، وصوته يقطع الصمت بحدة:
– كيف يجرؤ قطاع الطرق على تمزيق راياتنا؟ منذ متى تجرأت هذه الجرذان على لمس قوافل القصر؟! لا أريد سماع كلمة “مناوشات” مجدداً، أريد رؤوسهم!
خطا القائد الأعلى، كاستور غرايف، خطوة إلى الأمام. كان يرتفع عن بقية الضباط برأس كامل، يده تستقر بثبات على مقبض سيفه المحفور بندوب المعارك. قال بصوت عميق هزّ أرجاء القاعة الحجرية:
– مولاي، ضرباتهم لا تخطئ هدفها، وتوقيتها دقيق للغاية؛ ثمة عقل خبيث يوجههم. سأقود الطليعة بنفسي، وسأعلق جثثهم على طول الطريق التجاري لتكون عبرة لمن يفكر في الاقتراب من راية رودفال.
أومأ الملك برأسه بحدة، بينما كان كبرياؤه ينزف مع كل تقرير تجاري يصل عن تجار يرفضون الحماية الملكية ويدفعون لـ “رماح الفجر” لتأمين قوافلهم. في غضون ساعات، انفتحت بوابات القصر الحديدية لتتدفق منها الجيوش.
اجتاحت التلال والوديان موجة من الفولاذ والمخالب. انقضت النسور الجليدية من كبد السماء لتمزق الأشرعة والخيام، بينما تعقبت الذئاب النارية آثار الأقدام في عتمة الليل، محيلةً مخابئ اللصوص إلى رماد. لم تكن مواجهة، بل مجزرة؛ تشتت اللصوص في فزع، وفي غضون أسبوع، كانت جثث ثلاث عصابات كاملة تتيبس تحت أشعة الشمس على جنبات الطرق.
داخل المغارات الرطبة وأعماق الغابات، جلس من تبقى من قطاع الطرق حول نيران خافتة يخشون إشعالها بالكامل. كانت الأيدي المرتجفة تحزم الأمتعة القليلة بيأس، والهمسات المذعورة تتردد عن الوحوش التي لا ترحم. تداولوا فكرة ركوب السفن نحو القارات البعيدة، أو التوغل في الأحراش المظلمة، لكن عيونهم المجهدة كانت تنظر إلى مخارج الكهوف بترقب، بانتظار الموت الذي يزحف نحوهم مع كل شروق.
لم يظهر آرِن فجأة، بل أرسل أولاً رجاله الموثوقين، يتحدثون باسمه في الظل. كلماتهم كانت قصيرة وبسيطة:
“إن أردتم النجاة، تعالوا إلى عين الفجر.”
تعلقت بها أنظارهم المنهكة. لم يعد رعب القصر يضاهي صيت “عين الفجر” الذي يسري في عروقهم. همسوا قصصاً عن فتى يرى كل شيء، يتغلغل إلى مخابئهم في أحلك الليالي، وعن عصابات اختفت بلا أثر لمجرد أنها خالفت أوامره. كان الخضوع لمن يرى كل شيء أقل رعباً من الموت الزاحف الذي يطاردهم.
اجتمع بهم آرِن في وادٍ مظلم، بعيداً عن أعين رماح الفجر وأي شهود. جلس فوق صخرة عالية، ورجاله القلائل من حوله، فيما اصطف العشرات من قادة العصابات المتبقية أمامه. نظراتهم كانت تتراقص بين الخوف والترقب، لا تكاد تحمل أثراً للتمرد.
قال آرِن بصوت هادئ لكنه حاد كالسيف:
“يطاردكم القصر الآن، وسيطاردكم حتى النهاية. من بقي منكم لن يعيش طويلاً. أنتم تعرفون ذلك جيداً.”
ساد الصمت بينهم، حتى زعيم إحدى العصابات قال بصوت متوتر:
“وما الذي تريده منا؟”
أجاب آرِن بابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه:
“أريدكم أن تنجوا. أريد أن أجعلكم سلاحاً بدلاً من أن تكونوا فرائس. تحت أمري ستبقون على قيد الحياة، وستعملون كما أقول. أنا من سيحدد متى تهاجمون، ومتى تختفون. أنا من سيحميكم من القصر، لأنني أرى ما لا ترون ولا يرون.”
ضحك رجل ضخم من الخلف بسخرية، لكن ضحكته لم تدم طويلاً. قبل أن ينطق كلمة أخرى، رفع آرِن يده فأشار إلى جيدن، الذي قذف سكيناً سريعة استقرت في الأرض على بعد بوصة من قدم الرجل. تجمدت الضحكة في حلقه، والعيون كلها اتجهت نحو الفتى صاحب العينين الباردتين.
تابع آرِن كلماته:
“القصر يملك الذهب والوحوش، نعم… لكنه لا يملك عقولكم، ولا يعرف طرقكم السرية. أنتم وحدكم تعرفون الأرض مثلما تعرفون وجوهكم. وأنا وحدي من يستطيع أن يجعل هذه المعرفة قوة لا تُقهر.”
كلماته رنت في آذانهم كصدى للحقيقة المرة. كل مواجهة مع القصر كانت تعني خسارة محققة. الآن، الخضوع لآرِن لم يعد خياراً، بل طوق نجاة أخير. واحداً تلو الآخر، انحنت الرؤوس. بعضهم بقهر، وبعضهم بيأس، لكن الجميع أذعن.
مع كل حملة جديدة، كانت قوات القصر تصطدم بعدو مختلف. لم يعد اللصوص يفرون بعشوائية، بل اختفوا في الوقت المناسب، وظهروا حيث لا يتوقع أحد. كل كمين أُعد لهم كان يفشل بشكل مريب، وكأن عيناً خفية كانت ترى تحركات الجيش قبل وقوعها.
تزايد ارتباك القصر. كانوا يبحثون عن قائد مخضرم، عن استراتيجي ملكي يوجه هذه الشبكة المُنظمة. لكن اليد التي تحرك الخيوط كانت لفتى يجلس في الظل، يبتسم بينما خصومهم يتخبطون.
وفي ليلة هادئة، جلس آرِن وحده يراقب من بعيد قوافل القصر وهي تتحرك محاطة بالجنود. حلق ركان فوقه، صامتاً كعادته. تمتم الفتى بصوت خافت:
“يظن القصر أنه سحق قطاع الطرق… لكنه لم يعلم أنه هو من أعطاهم إلي. الآن، لم يعودوا جرذاناً هاربة… بل أصبحوا مخالب تعمل من أجلي.”
رفع رأسه نحو القمر، وعيناه تعكسان بريقاً من الماضي. لم يكن قصر رودفال سوى محطة على طريق أطول، طريق ينتهي عند القصر الأكبر والأبعد… قصر فلدار..

تعليقات الفصل