الفصل 32 : العقل الذي يقف وراء الظلال
داخل قصر رودفال، تبادل القادة النظرات القلقة، حواجبهم معقودة وفكوكهم مشدودة. على الطاولات، تراكمت أكوام من التقارير، كل منها يروي قصة فشل جديد في الحملات العسكرية. بدا وكأن قطاع الطرق يقرؤون خطط الجيش قبل أن تُصدر. في القاعة الكبرى، حيث الأعلام الملكية تتدلى من السقف العالي، صرخ الملك إدريان وهو يضرب بيده على الطاولة:
“هذا ليس عمل لصوص! هؤلاء مجرد جرذان، ولا يمكن لهم أن يهزموا جيشي مرارًا. هناك عقل يقف خلف كل هذا.”
نظر إليه القائد الأعلى كاستور، صوته يحمل ثقل الهزائم المتتالية:
“مولاي… الهجمات ليست عشوائية. قطاع الطرق ينسحبون بانضباط، يتحركون بتوقيت دقيق، ويختفون في أماكن لم نكن نعرفها. الأمر يشبه قيادة عسكرية منظمة أكثر منه فوضى.”
سكت الملك لحظة، ثم قال ببطء:
“عقل خفي… لا بد أن نجد من هو.”
أما الأسواق، فالمشهد كان مغايرًا تمامًا. بعد أشهر من تزايد نفوذ “عين الفجر”، صار كبار التجار الذين طالما اعتمدوا على حماية القصر، يتداولون اسمه همسًا. كلما ذُكر اسمه، توقفت الهجمات أو فشلت، فبدأوا يرون فيه القوة الحقيقية لرودفال. بدأت العقود تنهال على “رماح الفجر” مباشرة، يدفع التجار ذهبًا مضاعفًا ليضمنوا أن “عين الفجر” يراقب قوافلهم. وفي مجالسهم، بات اسم آرِن يُذكر بنفس القدر من الأهمية الذي يُذكر به اسم الملك.
هذا التحول سرى كالنار في الهشيم داخل فرقة “رماح الفجر”. في البداية، كان آرِن مجرد صبي موهوب في الاستطلاع، لكن مع تراكم المهام الناجحة وعودة القوافل سالمة على مدار الأشهر، تبدلت نظرات المرتزقة إليه. لم يعودوا يرونه تابعًا لداريوس، ولا حتى نائبه، بل القائد الفعلي الذي يستحق الولاء.
داريوس، القائد الرسمي، لم يغب عنه هذا التغير. حين كان يصدر أوامره، كانت العيون تتجه نحو آرِن أولًا، وكأنها تبحث عن تأكيد صامت منه. أما إلينا، نائبة القائد، التي اعتادت أن تكون الصوت الثاني في كل مهمة، فباتت تشعر وكأنها تتلاشى، تتحول إلى ظلٍ باهت بجوار ذلك الفتى. الغيرة التي كانت همسًا خافتًا في قلبها، تحولت إلى جمرة متقدة.
في إحدى الليالي، بينما كان آرِن يخطط مع رجاله لخريطة جديدة لممرات القوافل، اقتحم داريوس الخيمة بخطوات ثقيلة، وعيناه تقدحان شررًا. ساد الصمت المطبق، وهمس أحد المرتزقة لآخر:
“كأننا لم نعد نحتاج القائد… لدينا آرن.”
تشنج فك داريوس وهو يلتقط الكلمات، بينما إلينا، التي كانت تقف بجانبه، رمت آرِن بنظرة حارقة، كأنها تتمنى أن تمزقه إربًا. في أعماقها، كان الحقد ينمو مع كل نظرة احترام تُقدم لذلك الصبي.
وأما القصر، بدأت خيوط الصورة تتشابك. بعد تحليل معمق للتقارير ومناقشات حادة بين القادة، لم يظهر أمامهم سوى اسم واحد: “عين الفجر.”
لم يعرفوا عنه سوى أنه فتى صغير يقود الاستطلاع في فرقة مرتزقة متواضعة. لكن النجاحات المتتالية المرتبطة باسمه، والتي تواصلت لسنوات، والتغير الملحوظ في تكتيكات قطاع الطرق، أكدت لهم أنه العقل المدبر الذي يقف خلف كل تلك الهزائم.
قال الملك إدريان بحدة:
مَــ.جـرّة الرِّوايــ.ات: مشاهد القتال والعنف هنا لا تمت للواقع بصلة، حافظ على سلامتك النفسية. galaxynovels.com
“إذا كان هو من يقف خلف كل هذا، فالقصر لا يواجه قطاع طرق… بل يواجه منافسًا على النفوذ. منافسًا يزداد قوة كل يوم.”
هز القائد الأعلى رأسه موافقًا، وأضاف:
“علينا أن نتصرف بحذر. مهاجمته مباشرة قد تشعل تمردًا في الشوارع، خصوصًا مع انحياز التجار إليه. لكن يمكننا أن نضربه من الداخل.”
لم تمر أيام حتى وصل رسول من القصر إلى داريوس، يحمل دعوة سرية للقاء. قادته الأوامر إلى قاعة صغيرة داخل أحد أبراج المدينة، حيث كانت الأضواء خافتة والظلال تتراقص، لتخفي أي لقاء. جلس المبعوث الملكي، رجل ذو وجه خالٍ من التعابير تقريبًا، أمام داريوس. ابتسامة باردة شقت شفتيه، خالية من أي دفء.
“القصر يراقب ما يحدث… ويعلم أنك قائد رماح الفجر.”
لم يرتعش لداريوس جفن. “وما شأن القصر بنا؟ نحن نخدم من يدفع.” كانت كلماته حادة، قاسية، وكأنها سكين يقطع الهواء.
توسعت ابتسامة المبعوث الباردة قليلًا. “شأننا أن مرتزقتك صاروا يتبعون فتى صغيرًا، كأنه قائدهم الفعلي. القصر لا يرضى أن يتحكم صبي في طرقه. لقد فقدت السيطرة يا داريوس.”
ارتعش فك داريوس، وانكمشت عيناه إلى خطين رفيعين مشتعلين. شعر بحرارة الغضب تتصاعد في عروقه، لكنه ظل صامتًا، قابضًا على قبضتيه تحت الطاولة. المبعوث لم يمهله، بل تابع، وكل كلمة كانت سهمًا مسمومًا يغرز في كبريائه:
“القصر يرى أنك ما زلت الرجل المناسب لقيادة الفرقة… لكن بشرط أن تعيد الأمور إلى نصابها. إن لم تفعل، فاعلم أن عين الفجر سيأخذ منك رماح الفجر كما أخذ طرق رودفال.”.”
غادر المبعوث، تاركًا داريوس في صمت مطبق. قبض داريوس على قبضتيه، محاولًا كبح غضب يختلط بذلٍ مرير. أدرك أن القصر لم يكن يحذره وحسب، بل كان يستمليه، يريده أداة لكبح صعود آرِن. لكن ما لم يعرفوه أن كلماتهم لم تكن إلا وقودًا يصب على جمرة الغيرة المتوقدة في صدره بالفعل.
أما آرِن، فقد كان جالسًا تلك الليلة قرب النار، يخطط لممرات جديدة على خريطة التلال. لم تكن أنظار القصر المتزايدة شكًا فيه، ولا وهج الحقد المتصاعد في عيني داريوس وإلينا، لتثير فيه ذرة قلق. كان هدوؤه يشي بثقة راسخة، وعيناه، اللتان تحملان لمعانًا غامضًا، تتبعان بحركة ثابتة خطوطًا لم تكن مرئية إلا له، وكأنه يرى المستقبل بوضوح. همس لنفسه، وصوته لا يكاد يسمع فوق فرقعة الحطب:
“كلما ضاق الخناق، ازداد الخوف. وكلما ازداد الخوف، ازددت قوة.”
رفع رأسه إلى السماء، حيث ركان يحلق في صمت، وقال بصوت لا يسمعه أحد سوى رفيقه الأثيري:
“ليظنوا ما شاؤوا… لكنهم لن يعرفوا أبدًا أن ما يرونه الآن ليس سوى البداية.”
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل