تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 33 : الخيانة تحت أنياب الوحوش

منذ أن بدأ اسم “عين الفجر” يتردد على ألسنة التجار، تغيرت همسات المعسكر. لم يعد الجنود ينظرون إلى آرِن، الفتى الذي قارب السادسة عشرة، كرفيق سلاح فحسب. باتوا يتبعونه بنظرات الاحترام، تصغي آذانهم لكلماته، وتتوق عيونهم لقراراته، كأنه قائد وُلد بينهم لا فوقهم. كان داريوس يراقب ذلك بعينين ضيقتين، ابتسامة باردة تشد شفتيه، بينما قبضته تختبئ خلف ظهره، تضغط على ذاتها بعنف يكاد يكسر عظامه. أما إلينا، نائبة القائد، فكانت كلماتها تخرج أقسى، ونظراتها تتبع آرِن كظلٍّ ثقيل، تتساءل في صمت كيف باتت هي، ذات الخبرة الطويلة، مجرد خلفية لفتى لم يكتمل نموه بعد.

لم تكن محاولاتهم لإسقاطه خفية إلا في ظاهرها. فقد بدأت الأوامر تتداخل، والمعلومات تضيع في زحمة الرحلات، وكثيرًا ما وجد آرِن نفسه يقود رجاله عبر مسالك وعرة لم يُذكر عنها شيء في الخرائط. لكن في كل مرة، كان يعود منتصرًا، وجهه يكتسي بغبار المعارك، وعيناه تلمعان بانتصار صامت يُثير غيظهما. ومع كل نجاح، كانت نظرات رودريك، النائب الثاني، تزداد حدة، يراقب داريوس وإلينا بعناية، متأكدًا أن النوايا الخبيثة تكمن وراء كل عقبة. لذا، بات لا يفارق آرِن، يضع نفسه دومًا في موضع يحمي فيه ظهره.

وحين وصل الذهب من القصر، ملفوفًا في أقمشة حريرية ومخبأً بعناية بين المؤن، لم يعد هناك مجال للمناورات الخفية. أدرك داريوس أن الحيلة لم تجدِ نفعًا، وأن الوقت قد حان للدم. اجتمعوا تحت ضوء خافت، خططوا لقتل آرِن بدقة شيطانية. اختاروا واديًا صخريًا خانقًا، جدرانه المرتفعة تسد كل طريق للفرار، ومداخله الضيقة تعد فخًا محكمًا للوحوش التي ستُطلق فيه، لتضمن نهاية لا مفر منها..

في صباحٍ لفّه الضباب، انطلق آرِن، يتبعه رجال معدودون، خطواته الواثقة تخفي قلق ركان الذي حلق فوقه كظلٍّ مضطرب. لم تكد أقدامهم تطأ أرض الوادي الصخري حتى مزقت صفارة حادة سكون الهواء. اهتزت الأرض بعنف، واندفع من الظلال الملتفة الماموث الصخري، جسده الشبيه بالجبل يلمع بالرماد الداكن، وعيونه تتوهج كجمرتين حمراوين، بينما أنيابه المعدنية تصدر صريرًا مخيفًا مع كل حركة. خلفه، وقف داريوس، ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه، عيناه تلمعان بانتصارٍ لم يكتمل بعد.

من الجانب الآخر، زحفت الأفعى القرمزية، جلدها يتلألأ بلون الدم تحت الضوء الخافت، أنفاسها السامة تنشر ضبابًا كثيفًا خانقًا، يلتف حول الحناجر ويشعل الرئتين بحرقة. ظهرت إلينا بجانبها، رمحها يرتعش في قبضتها، وقالت ببرودٍ يقطع الأمل: “انتهى وقت لعب الأطفال يا آرِن.”

أحكم آرِن قبضتيه على مقبضي سيفيه التوأم، يشعر ببرودة الحديد تنتقل إلى كفيه المرتجفتين من فرط الأدرينالين. لم يكن يملك وحشاً يستدعيه، بل كان يملك جسداً ضئيلاً أمام عمالقة، وعقلاً يزن الحركات بالمليمتر.

اندفع الماموث الصخري كصخرة تنحدر من قمة جبل، ترافقه زلزلة تحت الأقدام كادت تفقد آرِن توازنه. انتظر الفتى حتى اللحظة الأخيرة، حين صار هدير أنفاس الوحش يلفح وجهه، ثم ارتمى أرضاً وانزلق تحت بطن الماموث الضخم. وبحركة خاطفة، شقّ بسيفه الأيمن الشرايين الرخوة في باطن قدم الوحش الخلفية. صرخ الماموث بهديرٍ يصم الآذان، واختل توازنه ليرتطم بالجدار الصخري، لتتساقط الصخور الضخمة كالمطر وتصنع حاجزاً مؤقتاً بينهما.

لكن الأرض لم تهدأ؛ انشق الضباب عن فك الأفعى القرمزية المفتوح على وسعه. قذفت كتلة من السائل الأسود الحارق، تفاداها آرِن بجسده، لكن قطرات منها أصابت ذراعه فالتهمت القماش وحرقت جلده كالنار. انقضت الأفعى بجسدها اللولبي لتطوقه، فغرس آرِن سيفه الأيسر بكل قوته بين حراشف عنقها. ارتدت الأفعى بعنف، ونفضت رأسها لتلقي بآرِن بعيداً، ليرتطم بجدار الوادي الصخري، سامعاً طقطقة مكتومة في أضلاعه.

في تلك اللحظة، انشق السحاب عن ركان. انقض الصقر كالسهم المستدق، مغرزاً مخالبه في العين اليسرى للأفعى. تعالت صرخات الأفعى الحادة، وتلوى جسدها الهائل بضربات عشوائية حطمت الصخور المحيطة. وبذيلها الثقيل كجذع شجرة، ضربت ركان في صدره ضربة خاطفة أطاحت به أرضاً، ليتدحرج ريشه المغطى بالدماء على التراب.

“أتظن أن طيراً هزيلاً سيصنع فارقاً؟” دوى صوت داريوس وهو يتقدم، شفرته الثقيلة ترسم خطوطاً فضية في الهواء المعتم.

تداخلت الأصوات في أذن آرِن: صهيل الخيل المذعورة، صرخات رجاله وهم يُسحقون تحت أقدام الماموث الذي استعاد توازنه، وفحيح الأفعى التي كانت تنفث ضباباً بنفسجياً لزجاً بدأ يضيق الخناق على أنفاسه. تراجع آرِن، يجر ساقه المصابة التي خدشتها مخالب الماموث. سهمٌ طائش شق كتفه الأيسر، ففقدت يده القدرة على إمساك السيف الثاني وسقط منه وأصدر رنيناً على الحصى.

أصبح محاصراً. جدار الصخر خلفه، والأفعى تلتف من اليمين، وداريوس يتقدم من الأمام بابتسامة المنتصر.

حاول آرِن رفع سيفه الوحيد المتبقي، لكن رئتيه كانت تشهدان حريقاً داخلياً بفعل سم الأفعى. غامت الرؤية أمام عينيه، وبدا كل شيء يتحرك ببطء قاتل. في هذه الأجزاء من الثانية، قفز الماموث الصخري بكل ثقله، ضارباً الأرض بقدميه الأماميتين على مقربة من آرِن. عصف الانفجار بآرِن طائراً في الهواء، وقبل أن يسقط، تلقى جسده النحيل ضربة جانبية من ناب الماموث المعدني، شقت جنبه الأيمن بالكامل.

ارتطم بالأرض، والدماء الدافئة تتدفق بغزارة لتملأ الفجوات بين الحصى الرمادي. حاول النهوض، لكن ذراعيه خانتاه، ليتهاوى وجهه على التراب. وقف داريوس فوق رأسه، رافعاً سيفه بكلتا يديه، وعيناه تعكسان بريق الموت الأخير، بينما كانت سحابة السم البنفسجية تهبط لتخنق ما تبقى من حياة في أجساد رجاله المتساقطين من حوله..

لكن صوتًا آخر دوى، اخترق ضجيج المعركة ويأس اللحظة، جاء من أعلى الوادي كهدير الرعد: “كفى!”

كان رودريك، يندفع كالأسد، يتبعه رجالٌ أوفياء لآرِن. اندلعت معركة ثانية، سيوف ضد سيوف، ودماءٌ جديدةٌ تسيل فوق الدماء القديمة. الأفعى القرمزية التفّت حول أحد المهاجمين، سحقته حتى تحطم عظمه، لكن بقية الرجال اندفعوا بشجاعة يائسة، صارخين بأسماء رفاقهم، سيوفهم تتوهج في الضباب السام. عاد ركان، رغم إصابته، ليضرب عيون الماموث الصخري بمخالبه الحادة، مما أجبره على التراجع للحظات، يطلق صيحات غضب مكتومة اهتزت لها جدران الوادي.

رغم الفوضى العارمة، بدأت الكفة تميل. أدرك داريوس أن اللحظة ضاعت، وأن الفخ لم يعد مضمونًا. صرخ بغضبٍ وهو يتراجع، صوته يملؤه الحقد: “انسحبوا! لن نموت من أجل هذا الصبي!”

هرب هو وإلينا، وحوشهما تحجب انسحابهما بدخانٍ ودماءٍ، تاركين الوادي مليئًا بالجثث الممددة والأنين الخافت. أما آرِن، فقد بقي ملقى على الأرض، جسده غارقٌ في جراحه، ودماؤه تصبغ الصخور بلون داكن.

ركع رودريك بجانبه، يضغط على الجرح الغائر بيديه المرتعشتين، صوته بالكاد يخرج: “تماسك يا آرِن… لقد انتهى الأمر.”

لكن الفتى كان على شفا الموت، أنفاسه واهنة بالكاد تحرك صدره، وعيه يتلاشى في غياهب الألم والظلام..

مرت أربعة أسابيع، كل يوم فيها كان جحيمًا. جسده، بقايا من لحم وعظم، ظل يتأرجح على حافة الهاوية، محاصرًا بين نداء الموت العنيد ورفض الحياة القاسي لهذا النداء. الحمى كانت تنهش روحه، تلهب جلده، وتحول كل قطرة دم في عروقه إلى نار. الألم، حادٌ كشفرة، كان يكسر وعيه إلى شذرات، يرميه بين هلوسات المعركة وواقع الجراح المتقيحة. كان يرى ظلال داريوس وإلينا تتمايل في غرف الظلام، ويسمع صرخات رفاقه تختلط بأنينه الخافت.

الغريب، أن السم الأسود الذي كاد يفتك به، كان هو ذاته الخيط الرفيع الذي يربطه بالحياة. كتيارٍ مظلم، كان يتدفق في عروقه، يمنعه من الاستسلام التام، يدفعه للتشبث بوعيٍ خافت، كأنه يرفض أن يتركه ليموت بهذه السهولة. كل مرة كان يظن أن الهاوية ابتلعته، كان لسعة السم تعيده، تذكّره بوجوده، وبأن المعركة لم تنتهِ بعد.

حين فتح عينيه أخيرًا، بعد أن طردت الحمى بقاياها الأخيرة، كان الليل ساكنًا، بردُه يلسع جسده النحيل. أول ما رأته عيناه كان ركان، جالسًا على مقربة منه، جناحاه مطويان بعناية، وعيناه تلمعان كجمرتين متقدتين في العتمة، حذرتين، تنتظران. حاول أن يجلس، فصرخ كل عصب في جسده، وتمزقت الجروح التي بدأت تلتئم، لكنه فعلها. جلس ببطء مؤلم، يضغط على أسنانه، وكل حركة كانت كأنها تمزق لحمه. الألم كان يسري في كل زاوية من جسده، لكن عقله كان حاضرًا، حادًا، كشفرة صقلتها المعاناة. لم يتحدث أحد، حتى رودريك، الذي كان يجلس على الأرض، ظهره مستندًا إلى الجدار، ظل صامتًا، عيناه تراقبان آرِن بعمق، ينتظران أولى كلماته..

غرق آرِن في صمتٍ ثقيل، لم يقطعه سوى أنين الخشب في الغرفة المظلمة. مر شريط الذكريات أمام عينيه كجمرٍ متقد؛ بريق عين داريوس حين رآه يسقط، برود إلينا وهي تشهد موته المحتمل، وصرير أنياب الماموث المعدنية وهي تمزق جسده. قبض آرِن على غطاء فراشه بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وارتجفت عضلات فكه السفلي قبل أن يطبقها بصرامة.

حوّل آرِن نظره نحو ركان بجانبه؛ كان الصقر قد استعاد شيئاً من عافيته، لكن ندبةً غائرة فوق عينه اليمنى ظلت تذكاراً دائماً لتلك الليلة. مدّ آرِن يده ليمسح على ريش رفيقه الذي كان يراقبه بعينٍ واحدة يقظة، ثم نطق بصوتٍ جاف، كأنه الحديد حين يحتك بالصخر، دون أن يلتفت نحو رودريك الجالس في الزاوية:

“قد تكفيك عين واحدة للأعداء… لكن عينان لا تكفيان الحلفاء.”

ساد صمتٌ خانق؛ لم تكن الكلمات موجهة لرودريك، بل كانت إعلاناً لمبدأٍ جديدٍ وُلد من رحم الخيانة. شعر رودريك ببرودةٍ تسري في الغرفة، وكأن الثقة التي كانت تجمع بينهما قد تبخرت، وحل محلها حذرٌ أبدي. ظل آرِن مثبتاً عينيه على طائره، وتوسعت حدقتاه ببريقٍ باردٍ وخالٍ من أي تردد، وكأن الغرفة لم تعد تتسع إلا لخططه القادمة التي لن يُترك فيها شيء للصدفة..

لم يلتفت إلى رودريك، بل ظلت عيناه مثبتتين على طائره، وتوسع حدقتاهما ببريقٍ جديد، بارد، وخالٍ من أي تردد. في تلك اللحظة، لم تعد جراحه مجرد ندوب تذكر بالألم، بل أصبحت خارطة طريق لمستقبلٍ لن يُترك فيه شيء للصدفة. لقد مات الصبي الذي يثق، وولد القائد الذي لا يرى في الناس سوى أدواتٍ للعبةٍ أقسم أن يربحها، مهما كان الثمن..

التالي
33/39 84.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.