الفصل 34 : صباح عين الفجر
دفع آرِن شراع خيمته الخشن، وتوقف للحظة؛ انقبضت عضلات وجهه حين احتكت ضماداته الملطخة بآثار دماء جافة بقميصه، لكنه لم يلتفت للجرح الذي بدأ يندمل في جنبه. خطا خطواتٍ بطيئة ومحسوبة، كأن الأرض تحت قدميه لم تعد صلبة تمامًا، لكن نظراته التي مسحت المعسكر كانت ثابتة، حادة كشفرة باردة، تحمل في طياتها بريقًا لم يعتده الرجال من قبل؛ بريقًا يسبق بزوغ الشمس حين تمزق خيوطها عتمة الأفق.
توقف صخب المعسكر تدريجيًا. توقفت سيوف المرتزقة عن صقل النصال، وخمدت جلبة الطهاة، حتى الكلاب التي كانت تنبح في الزاوية تراجعت بذيلٍ مطوي، لاهثةً في صمتٍ مريب. وقف آرِن في مركز الساحة، يراقب الوجوه التي كانت بالأمس ترقب موته في الظل، واليوم ترقبه في ضوء الشمس. لم يبتسم، ولم يترنح. تنفس بعمق، وخرج صوته من صدره هادئًا، مسموعًا، ومستقرًا في أرجاء المكان كأنه صدى لقدرٍ محتوم:
“من كان في حماية عين الفجر… حلّ عليه الصباح. ومن كان ضده… فلا صباح له.”
استقرت كلماته في الهواء كأنها حُكمٌ نُقش على حجر. لم تكن مجرد وعيد، بل إعلاناً قاطعاً بنهاية عهد داريوس وإلينا. في تلك اللحظة، تلاشت صورة الفتى الذي كان يواريه الظل عن الأنظار، ليحلَّ محله القائد الذي لا يملك المرتزقة أمامه سوى الانحناء له.
مع بزوغ شمس ذلك اليوم، لم تعد أوامر آرن مجرد همسات، بل تحولت إلى قراراتٍ نافذة في معسكرات قطاع الطرق التي أصبحت تدين له بالولاء. لم يعد يرضى بالمناوشات العابرة أو السهام التي لا تُسمن ولا تُغني؛ فقد أطلق العنان لهجماتٍ منظمة، وضرباتٍ جراحية جعلت قوافل التاج تصل إلى رودفال ناقصةً أو لا تصل على الإطلاق. ما كان بالأمس مجرد إزعاجٍ عابر، استحال اليوم كابوساً يطارد أروقة القصر، وذعراً بدأ يتسرب ببطءٍ إلى شوارع المدينة نفسها.
لكن آرِن كان يعلم أن مواجهة القصر لم تعد مسألة وقت بعيد، بل أمرًا محتومًا يقترب كل يوم. لذلك لم يكتفِ بقطاع الطرق ولا بهيبته بين التجار. أعاد بناء رماح الفجر من الداخل، صاغها من جديد كسيف مستعد للمعركة الكبرى.
اختار آرِن بعناية خمسة عشر رجلاً، هم الأكثر شراسة وولاءً في معسكره. وضع يده على كتف رودريك، وبنبرةٍ لا تقبل الجدل قال: “أنتَ تقودُ الوحوش. خمسة عشر ظلاً، بخمسة عشر وحشا، ستكونون جدارنا الذي نحتمي به.”
لم تكن الصفقة يسيرة؛ فقد أفرغت أكوام الذهب لشراء تلك الوحوش وعمل طقوسٍ لم يجرؤ أحدٌ على النظر إليها. في وسط الساحة، رُسمت دوائر سحرية معقدة بدمٍ اختلط فيه دم الرجال بدماء الوحوش. كان كل رجلٍ يمد يده في مركز الدائرة، بينما يغرس الوحش مخلبه في ذات البقعة، لتنصهر الدماء في وميضٍ أزرقٍ خاطف. تعالت صرخات الرجال المكتومة؛ ألمٌ حادٌ كأن نصلًا يمزق أرواحهم ليخيطها بأرواح الوحوش، وتشنجت عضلاتهم تحت وطأة هذا الرباط القسري.
ومع بزوغ الفجر، كان المعسكر قد تغير تماماً؛ لم يعد يعجُّ بأصوات المرتزقة فحسب، بل بأصواتٍ وحشيةٍ تزمجرُ وتتأهب، في مزيجٍ من القوة الخام والفوضى المنضبطة. لقد خُتمت العهود، وأصبح كل رجلٍ منهم يرى بعيني وحشه، ويشعر بنبضه، ويحمل في عروقه شيئاً من غريزته القاتلة.
لكنّ عيني آرِن لم تكن تلتفت لهذه القوة المادية، فقد كان قلبه يغلي بذكرى طعناتٍ غادرة في وادٍ منسيّ. وفي ليلةٍ سكن فيها الضجيج، حطّ “ركان” فوق جذع شجرةٍ عتيقة، لا ليقترب، بل ليحلق في أفق الغابة داعياً إياه للحاق به.
وجودك هنا يعني أنك تقدر مجهود مَجَرّة الرِّوَايَات، شكراً لدعمكم المتواصل.
تتبع آرِن أثر طائره حتى استقرّ تحت شجرةٍ شاهقة، حيث كانت بومةٌ تقبعُ في الأعلى، ريشها ابيض يمتزج بظلال الرمادي كأنها قطعةٌ من ثلجٍ غسله القمر. عيناها، زرقاوان ببرودةٍ لم يعرفها من قبل، كانت ترصد حركته بدقةٍ تخترق الحنايا.
لم يندفع، بل جلس بصمت، وأغمض عينيه، مستحضراً طاقته لا كفيضانٍ جارف كما كان في صباه، بل كخيطٍ حريريٍ دقيق يمتدُ نحو الطائر. شعر ببرودة الطاقة تنساب في عروقه، محكمةً، منضبطةً، ومطيعةً لإرادته. حين فتح عينيه، كانت البومة قد حطت على ذراعه في سكونٍ تام، تحدق في عمق روحه.
همس آرِن بابتسامةٍ باردة: “أنتِ سهاد… عين الليل التي لا تنام.”.”
منذ تلك الليلة، صار لآرن جناحان في الظلام. كان ركان يعلو في السماء ماسحاً الطرقات، بينما تعتمد شبكة رجاله على الأرض في جمع الشائعات وتتبع الأثر. لكن آرن لم يكن ممن يضعون ثقتهم في تقارير المرتزقة المتقلبة؛ فكانت “سهاد” هي الكلمة الفصل.
كانت مهمة الرجال البحث والتقصي، وحين تضطرب الأخبار أو تتقاطع الخيوط، كان آرن يطلق سهاد في عتمة الليل، لتخترق أسوار القصور وتقتفي أثر الهالات التي لا تخطئها عيناها. لم تكن تبحث في البرية، بل كانت تذهب لتؤكد ما أخفاه البشر.
وفي تلك الليلة، أطلقها في الأفق، هامساً في عقلها باسمين حفرهما الزمن في ذاكرته: “تأكدي من مكانهما… داريوس وإلينا.”
كان الرجال نائمين حين عاد إلى المعسكر، لكن الوحوش الجديدة التي استقرّت فيه جعلت الأرض تبدو مختلفة. رماح الفجر لم تعد مجرد فرقة مرتزقة تبحث عن عقود، بل صارت كيانًا يملك العيون في السماء، الأنياب في الأرض، والأظافر في الظلام.
وفي قلب هذا الكيان، وقف فتى يبلغ السادسة عشرة، لكن عينيه تشعان ببرودة قائد يتهيأ لمواجهة ملك، وجيش، وتاج كامل. لم يعد الصباح يخص أحدًا سواه.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل