الفصل 35 : ظل الفجر فوق العرش
كان قصر رودفال يغلي؛ وقعت أصابع الملك على مقبض صولجانه الذهبي بقوة جعلت مفاصله تشحب، بينما كان تقرير “القوافل المنهوبة” يرتجف بين يديه. ألقى الورقة على الطاولة الرخامية، فتناثرت فوقها بقع من نبيذٍ مسكوب، وقال بصوتٍ مبحوح: “التاج ليس ممسحةً لأقدام المرتزقة. إن لم نكسر عظام هذا الفتى، فسنفقد عرشنا قبل أن ندري.”
كانت الخطة أكبر من مجرد حملة؛ لقد استأجر الملك “سحرة الختم” لتغطية أثر الفرسان بهالة من الصمت السحري، مما جعل الوادي يبدو خالياً تماماً لأعين البشر والوحوش على حد سواء. حتى ركان، حين حلق فوق المنطقة، لم يرَ سوى صخورٍ ساكنة وأشجار ذابلة، فقد كان السحر يمتص الأصوات والحركة ويحولها إلى فراغٍ بصري.
وعندما وصل “العقد الوهمي” لآرن، بدا مغرياً ومحكماً لدرجة لا تقبل الشك؛ فقد حمل العقد أختام “بيت أستور للتجارة”، وتضمن تفويضاً رسمياً لنقل شحنات من الذهب والحرير عبر وادي “البلوط” مقابل حماية مسلحة بمبالغ خيالية. لم يكن الطمع هو ما دفع آرن، بل دقة التفاصيل اللوجستية التي بدت وكأنها فرصة لا تتكرر لتوسيع نفوذه الاقتصادي. انطلق آرن ورجاله، يحدوهم يقينٌ بصفقة العمر. وما إن توسطوا قلب الوادي، حتى تلاشت “هالة الصمت” فجأة، وانفجرت الأرض تحت أقدامهم كأنها فوهة بركان، فيما أُغلقت مداخل الوادي ومخارجه في لحظة واحدة بصفوفٍ من الدروع الثقيلة والوحوش الضارية، حتى صار الوادي قفصاً حديدياً يضيق عليهم، وأمطرهم الأعداء بوابلٍ من السهام التي حجبت ضوء الشمس.
في قلب المعركة، كان جيدن يرتكز بظهره إلى آرن، سيفه يقطع الهواء في أقواسٍ دموية تصد نيران الوحوش. حين انهمرت السهام كالمطر، لم يتردد جيدن؛ اندفع خطوة للأمام، جاعلاً من صدره درعاً بشرياً لآرن، ليتحمل هو وابل السهام الموجهة لقلب قائده. ارتجف جسده تحت وطأة الاختراق، لكنه لم يسقط إلا بعد أن أزاح آرن عن مسار الضربة التالية.
تلاشت صيحة آرن في صخب المعدن المرتطم، لكنه لم يلتفت. بلمحة عين، أدرك أن الحصار يعتمد على تزامن صفوف الوحوش؛ فأطلق صافرة حادة وجهت “ركان” و”سهاد” للانقضاض على الوحوش الضخمة التي تسد الممر، مما أحدث اضطراباً في التشكيل الدفاعي. استغل آرن تلك الفوضى، لا بالتسلق، بل بالاندفاع نحو “الخندق الجاف” الذي حفره الأعداء لتطويقهم؛ قفز ورجاله فوق الأجساد المتساقطة، متخذين من ثغرةٍ أحدثها تضارب الوحوش ممرًا للعبور نحو الغابات الكثيفة المحيطة بالوادي، حيث تبتلع الأشجارُ أثرهم وتُحيدُ مدى سهام الأعداء.
بعد ساعات، تحت سماءٍ ملبدة بالرماد، وقف آرن فوق جثة جيدن. لم تكن هناك دموع، بل برودة جليدية في عينيه وهو يغمد سيفه ببطء، وكأنه يغمد معه آخر ذرة من إنسانيته. لم يلتفت خلفه، بل ظل يحدق في جسد رفيقه الساكن، حتى تحول الحزن في أعماقه إلى حقدٍ صامتٍ لا يهدأ. في تلك اللحظة، مات “المرتزق” الذي يقاتل من أجل الذهب، ووُلد “الظل” الذي سيطارد العرش حتى يجعله رماداً.
لم يدفن آرن رفيقه فحسب، بل دفن معه تردده. غادر الوادي دون أن ينطق بكلمة، ومنذ تلك اللحظة، تحولت طيوره إلى شبكةٍ من العيون التي لا تنام، تمشط الغابات وتحدد مسارات الخونة بدقة متناهية. قضى آرن أسبوعاً كاملاً في صمتٍ مطبق، يجمع المعلومات، حتى حدد مخبأهم في الغابة المظلمة. وفي ليلةٍ حجبت فيها الغيومُ ضوء القمر، تسلل آرن ورجاله ليطوقوا المكان في صمت مطبق.
بإشارةٍ من آرن، انفجر الصمت بالهجوم. انقضّت وحوش رجاله الخمسة عشر كالسيل الجارف، مسببةً دماراً هائلاً وفوضى عارمة شلت حركة حراس الخونة. ارتجت الأرض تحت أقدام الماموث الصخري الضخم الذي استحضره داريوس، لكن آرن استغل انشغال العملاق بمواجهة وحوش رجاله؛ انزلق ببراعة مستغلاً خفة حركته تحت ذراع الماموث الحجرية، وغرس نصله في قلب داريوس مباشرة. وبمجرد أن فارق داريوس الحياة، تحول الماموث من أداة مطيعة إلى وحشٍ هائج؛ فقد أطلق زئيراً هز أركان الغابة، وبدأ يتخبط بعشوائية مدمرة، يحطم الأشجار ويضرب الأرض بحوافر صخرية لا تميز بين صديقٍ أو عدو. لم يترك آرن للوحش فرصة الاستمرار في فوضاه؛ فأشار لرجاله، لتنقضّ وحوشهم الخمسة عشر عليه من كل جانب، تمزق جسده الصخري بضرباتٍ متلاحقة حتى تفتت الماموث أخيراً، تاركاً خلفه كومةً من الحجارة الميتة وسط غبار المعركة.
في الجانب الآخر، كانت إلينا تحاول يائسةً استجماع قواها لاستدعاء أفعاها، لكن آرن كان قد استبقها؛ اندفع نحوها كطيفٍ مستغلاً غبار المعركة وفوضى انهيار الماموث، وقبل أن تكتمل تعويذتها، اخترق نصله عنقها بضربة صامتة أخرست أنفاسها. حين خمدت حركة الجسدين، لم يقل آرن شيئاً، بل ترك دماءهما شاهداً على الأرض، وأمر رجاله بترك الجثث مُعلقةً في الغابة تأكل منها النسور وتنهشها الغربان، كرسالةٍ دموية صامتة لكل من يظن أن “عين الفجر” قد غفل ولا يرد الدماء بالدماء.
بعد تلك الليلة، لم يعد آرن يطارد الخونة في الغابات، بل حوّل وجهته نحو “العرش”. استغل الفوضى التي عمت القصر بعد وصول أنباء مقتل داريوس وإلينا؛ فقد استنفر الملك حراسه لتأمين البوابات والحدود، تاركاً خاصرة القصر الداخلية عرضةً لمن يعرف خبايا البناء.
بخبرةٍ اكتسبها من سنواتِ نشأته في قصور النبلاء، تسلق آرن الجدار الخلفي للقصر عبر قنوات تصريف المياه القديمة، متفادياً دوريات الحراس التي كانت تتركز عند المداخل الرئيسية. كان يتحرك في الظلال، ويختار توقيت خطواته بدقة تزامناً مع دوران نوبات الحراسة. لم يكن طيفاً، بل كان بشراً يتقن فن الاختفاء في عتمة المكان.
وصل إلى الجناح الملكي، حيث كان الهواء ثقيلاً برائحة البخور والسكينة. بمهارةٍ صامتة، انزلق عبر نافذة الشرفة المواربة. اقترب من السرير، حيث كان ولي العهد يغط في نومٍ عميق، لا يدرك أن الموت قد تسلل عبر الجدران ليقف فوق رأسه. لم يرتجف نصل آرن؛ كان بارداً كقراره. بومضةٍ من فولاذ، انقطعت أنفاس الأمير قبل أن يرتد جفنه. لم يترك خلفه سوى بقعة دامية تتسع ببطء على الحرير الأبيض، ونافذة مفتوحة تهمس للريح بأن الحاكم الحقيقي قد زار وريث العرش الليلة..
انسلّ آرِن من النافذة كما دخل، تاركاً خلفه قصراً يغلي بالرعب. مع بزوغ الفجر، لم تكن الشائعات تتحدث عن قاتل بعينه، بل عن “لعنة” حلت بالقصر؛ صمتت الألسنة في الأسواق، وأغلقت المتاجر أبوابها خوفاً من بطشٍ غير مرئي اخترق أكثر الحصون تحصيناً.
لم يكن آرِن بحاجةٍ ليعلن عن اسمه؛ كان يكفي أن يشعر الملك بأن جدران قصره لم تعد تحميه، وأن ثمة قوةً ولدت في الظلال، لا تطلب عرشاً، بل تفرض سطوتها على كل من يجرؤ على الوقوف في طريقها. في تلك الليلة، لم يعد آرِن مجرد مرتزق، بل صار هو “الخوف” الذي يهمس في أروقة الحكم، والظل الذي يترقب سقوط العرش.. وبزوغ فجرٍ جديد لا يرحم على مدينة صغيرة بالأطراف اسمها رودفال.

تعليقات الفصل