الفصل 36 : فجر برائحة الموتى
لم يكد خيط الفجر الأول يلامس شرفة الجناح الملكي حتى انشق صمت الرواق بصرخة ذعر هزت أركان القصر. لم يكن الخبر بحاجة ليرتحل؛ فقد وقف الملك في نفس ذلك الصباح مذهولاً عند حافة السرير، يحدق في بقعة الدم التي لم تجف بعد على الحرير الأبيض. كانت صرخته التي تلت ذلك زئير وحش جريح أدرك أن الموت تخطى حراسه ونام في فراش وريثه. وفي غضون ساعات، أُعلنت حالة الطوارئ، وتحركت جيوش رودفال كطوفان أعمى، لا تبحث عن تسوية، بل عن انتقام يحرق الأرض.
كانت السماء فوق “رودفال” ملبدة بغيومٍ كئيبة، كأنها نسيجٌ من رماد. من فوق تلٍ صخري مُطل، كانت عينا “سهاد” تنقلان لآرِن مشهداً لا يخطئه إلا أعمى: معسكرٌ يتنفس حديداً. آلاف الرماح تلمع تحت ضوء الشمس الشاحب، وخمسون وحشاً – من الأسود النارية إلى الذئاب الجليدية – كانت تُساق كأدوات دمارٍ إلى مقدمة الصفوف. الملك لم يكتفِ بجيشه؛ لقد حشد كل قوته ليس فقط الجنود العاديين بل الجميع جنودا وفرسانا ليحطم اسماً واحداً: عين الفجر..
لم يندهش آرِن، بل أحس ببرودةٍ مألوفة تسري في عروقه الضيقة؛ برودة وعائه المصاب الذي يأبى الاستسلام.
خلفه، كان رجال “رماح الفجر” يترقبون، وجوههم محفورة بصلابة الصخر، يعلمون أنهم يقفون على حافة الهاوية بعد أن نفذ قائدهم بنجاح عملية اغتيال ولي العهد التي هزت أركان المملكة.
لم يكن آرِن ليترك مصير “رماح الفجر” لصدفة المعارك؛ فالملك الهائج مستعد لحرق الأرض بمن عليها. كان بحاجة إلى “مفتاح” يفتح أبواب القصر من الداخل، ولم يكن هناك أفضل من ألدريك، الأمير المهمش وابن اخو الملك، الذي كان يرى العرش يبتعد عنه مع كل نبضة في قلب ولي العهد أما الآن… رحل ولي العهد!
في الليلة السابقة، وتحديداً بعد ساعات من الاغتيال، تسللت “سهاد” عبر شرفة ألدريك الخاصة، تاركةً على مكتبه قطعة من الحرير الأبيض الملطخ بدم الأمير، ملفوفة حول ريشة رمادية داكنة. كانت الرسالة الصامتة واضحة ومخيفة: *من يملك القدرة على إنهاء الوريث في مخدعه، يملك القوة لتنصيب الملك الجديد.* لم يكن أمام ألدريك، وسط ذعره وطمعه الجارف، سوى الاستجابة؛ حيث وجد في انتظاره عند أسوار القصر الخلفية أحد رجال آرِن المخلصين، والذي انزلق به كطيفٍ صامت عبر ممراتٍ سرية التفت حول نقاط الحراسة، ليقوده تحت غطاء الليل مباشرة إلى تخوم معسكر المرتزقة.
في تلك الليلة، كان آرِن يجلس في خيمته، يحدق في شعلة شمعةٍ تترنح بفعل الريح، منتظراً الصيد الثمين الذي قادته خيوطه بدقة. انشق ستار الخيمة، ليدخل رجلٌ طويل القامة، عريض الكتفين، شعره الأسود المائل للرمادي يشي بوقارٍ ملكي، وعيناه تحملان صرامةً يغلفها حذر شديد. كان ألدريك قد وصل أخيراً، تملؤه ريبة رجل يدرك أنه يخطو فوق نصل حاد.
لم يلتفت آرِن، بل تابع تمرير إصبعه على حافة خنجره، وقال بصوتٍ هادئ: “صار الطريق ممهداً يا ألدريك. رحل ولي العهد، وبقية الورثة صغارٌ يتقاسمون تيجاناً خشبية في غرف اللعب، غافلين عن أمور الحكم ومتطلباته. لم يبقَ في طريقك سوى عجوزٍ يمسك بصولجانٍ أثقل من كفيه المرتجفتين.”
تصلب جسد ألدريك، وضغط بيده على مقبض سيفه حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وسأل بصوتٍ متهدج: “أتظنني سألوث يدي بتحالفٍ مع قاتلٍ مأجور؟”
نهض آرِن ببطء، مخلفاً وراءه ظلاً طويلاً امتد على جدران الخيمة. اقترب من ألدريك حتى صار بإمكانه سماع نبضات قلبه المتسارعة، ثم همس وهو يغرس نظراته الداكنة التي تشبه ثقباً في عتمة الخيمة: “أنا لا أطلب تحالفاً، أنا أبيعك عرشاً. عشرون بالمئة من خزينة رودفال سنوياً، مقابل صمتي ودعمي. أنت تحكم، وأنا أحميك من طعنات الغدر التي ستنهال عليك من كل جانب.”.”
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى طنين حشرةٍ في الخارج. تنفس ألدريك بعمق، ثم سأل بصوتٍ خافت: “ولو رفضت؟”
لم يجب آرِن بالكلمات. رفع يده ببطء، وفجأة، هبطت “سهاد” من عتمة السقف، مخالبها تلمع ببريقٍ معدني، وعيناها الزرقاوتان تحيطان بوجه ألدريك كأنها تحصي أنفاسه. همس آرِن ببرودٍ جمّد الدماء في عروق ضيفه: “حينها… ستكون مجرد اسمٍ آخر على قائمتي.”
تراجعت قبضة ألدريك عن سيفه، وانحنى رأسه قليلاً في إيماءةٍ كانت بمثابة إعلان استسلام. “اتفقنا.”
***
مع أول لمعة لضوء الصباح الشاحب فوق الهضاب، ارتجت الأرض تحت وطأة زحف جيش رودفال. آلاف الدروع الفولاذية عكسَت ضوءاً بارداً، بينما تقاطعت زئيرات أسود اللهب الحارقة مع عواء ذئاب الجليد التي تجمد العشب تحت قوائمها. في المقابل، وقف رجال رودريك الخمسة عشر في صمتٍ مطبق، وحوشهم المتعاقدة تزمجر بوعيد خافت.
لا تقبل بالنسخ الرديئة المسروقة، النسخة الأصلية مكانها فقط في مَــجـرة الـرِّوايات.
التفت آرِن إلى رودريك، ولم يزد على إيماءةٍ حادة من رأسه، تحمل أمراً لا رجعة فيه: “حان وقت التضحية.”
التحم الجيشان، ولم تكن معركة بل مفرمة لحمٍ مروعة. حين انقضت وحوش الجيش الملكي الضخمة، تغرس أنيابها في أجساد وحوش المرتزقة، لم يتراجع رجال رودريك. بدلاً من الاستسلام لشلل الصدمة الارتدادية، أطبق أولئك الرجال أسنانهم حتى تحطمت، وحشدوا كل ذرة مانا في أجسادهم لـ “بتر” الرابطة الحية قسراً.
في تلك اللحظة، انطلقت صرخاتٌ بشرية وعوالم من الألم؛ انقطعت خيوط الطاقة الزرقاء حول معاصمهم كزجاجٍ يتشظى، وارتد الضغط العصبي فوراً ليحرق مسارات المانا في أجسادهم. نفث الرجال دماءً سوداء قانئة من أنوفهم وآذانهم وسقطوا على ركبهم، لكن النتيجة كانت مرعبة: الوحوش الخمسة عشر، بعد تحررها العنيف من قيود الرابطة، تحولت في ثانية واحدة إلى مسوخ هائجة فاقدة للعقل. تضخمت عضلاتها وسالت الدماء من عيونها المحتقنة، وراحت تنهش وتفتك بكل ما يتحرك أمامها؛ أطبقت أنيابها على أعناق فرسان التاج، وحطمت صفوف المشاة الملكيين الذين لم يعتادوا مواجهة وحوشٍ لا تشعر بالألم ولا تخضع لقانون. تحول قلب الجيش الملكي إلى فوضى عارمة ومجزرة ذاتية يأكل فيها الحليف حليفه.
وسط هذا الصخب الدموي، ذاب آرِن وألدريك بين صفوف الفارين بعد أن ارتديا دروعاً بسيطة من دروع مشاة التاج. ومستغلين سحب الغبار الكثيف والدخان المتصاعد من هياج الوحوش، تسللا بحذر عبر الثغرات الخلفية للمعسكر الملكي. كان آرِن يتحرك كذئبٍ يقتفي أثر فريسته بين الخيام، مستعيناً بحواسه الحادة لتفادي دوريات الفرسان المذعورة، حتى وصل إلى فسطاط الملك. وبخفةٍ وقوة عضلية صرفة صقلتها تدريبات عائلة فالدار الوحشية، انقض على الحارس الخلفي؛ أطبق كفه اليسرى على فمه كاتماً أنفاسه، وغرس نصله الحديدي بدقة في الفجوة بين الخوذة ودرع الكتف، ليسقط الجسد هامداً دون أن يصدر قعقعة..
ولج آرِن إلى داخل الخيمة الملكية الكبرى، حيث كان الملك العجوز يرتعش غضباً وذعراً وهو يراقب انكسار جيشه من شق الخيمة، حاملاً سيفه العريض بملامح يكسوها الجنون. التفت العجوز واندفع بضربة ثقيلة حركت الهواء، لكن آرِن، بمرونته العالية وتوقعه لبطء حركة الدروع الملكية الثقيلة، انزلق بخفة تحت حد النصل. وبحركة دائرية خاطفة، ركل خلف ركبة الملك اليمنى بقوة جعلت المفصل يرتج، ثم ضرب الجزء الخلفي للركبة بنصله، لينقطع الوتر بصوتٍ مكتوم..
سقط الملك على ركبتيه مجبراً، وقبل أن يرفع رأسه، غرس آرِن خنجره بكامل قوته تحت ترقوة الملك، متجهاً مباشرة إلى مركز قلبه. تيبس جسد الملك، وخرجت شهقته الأخيرة ممزوجة بالدم.
بضربة واحدة قوية ومحسوبة، فصل آرِن الرأس ذو الشعر الشائب، ثم التقطه من خصلاته وألقى به ببرود عند قدمي ألدريك المرتجفتين. تلطخ حذاء الأمير بالدماء الملكية، بينما همس آرِن بصوتٍ كفحيح الأفاعي: “الآن… اخرج إليهم. أعلن أن خائناً قد تسلل واغتال الملك، وادعهم للتراجع وتنظيم الصفوف تحت قيادتك قبل أن تلتهمهم الوحوش الهائجة.”
التقط ألدريك السيف الملكي الملطخ بدم عمه، وخرج مسرعاً من الفسطاط إلى قلب المعسكر الهائج حيث بلغت الفوضى ذروتها. رفع السيف عالياً، وصاح بصوتٍ جهوري يحمل ذعراً مصطنعاً تغلغل في قلوب الجنود المشتتين: “يا حماة التاج! ثمة خائنٌ غادر في صفوفنا تسلل واغتال الملك داخل خيمته! تراجعوا فوراً ونظموا صفوفكم خلفي، وإلا فنينا جميعاً ولا ندري ما قد يحل بنا في هذه المعركة!”
لم يكن ذلك مجرد تراجع؛ بل كان إنقاذاً تكتيكياً لجيشٍ صُعق بنبأ اغتيال قائده، فهرع الجنود والفرسان يلتفون حول الأمير الذي بدا كحبل النجاة الوحيد وسط مجزرة الوحوش ونيران الخيانة الغامضة..
***
بعد أيام، وفي قاعة العرش، جلس ألدريك متوجاً، بينما وقف رودريك –الذي نجا بأعجوبة وجراحه مضمدة بالكامل– ليملي شروط “عين الفجر”:
“تعهد تام بسلام لعشرة أعوام… مقابل عشرين بالمئة من خزينة القصر تدفع سنوياً… دون أي تدخل في شؤون الحكم.”
وقع الملك الجديد بختمه الذهبي، لتُكتب صفحة جديدة في تاريخ رودفال.
أما آرِن، فكان يجلس في زاوية مظلمة من الشرفة المطلة على الساحة، يراقب رايات رماح الفجر وهي ترتفع، ويهمس لنفسه وهو يغلق عينيه بتعب: “الفجر لا يحتاج إلى تاج… يكفيه أن يسمح بشروق الشمس.”
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل