تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 37 : بداية الزحف

تعاقب شتاءان قاسيان على أسوار رودفال الصخرية منذ تلك الليلة التي سال فيها دم الملك القديم في معسكره لتنتقل السلطة إلى ألدريك. عامان غابت فيهما فوضى النزاعات العشوائية، لكن حضور “عين الفجر” كان يزداد رسوخاً مع كل يوم.

لقد نحت الزمن ملامحه بدقة على جسد آرِن الذي غدا في الثامنة عشرة من عمره؛ فتلاشى آخر أثر لِلين الطفولة عن فكه الذي تصلب بزوايا حادة، واتسع منبت كتفيه تحت عباءته الجلدية الداكنة. أما عيناه، اللتان اعتادتا مراقبة العالم بصمت ونفاذ خلف خصلات شعره، فقد ازدادتا عمقاً وبروداً، كأنهما بئران من السكون تكشفان أدق تفاصيل الغدر قبل وقوعه.

لم تعد ساحة رماح الفجر تتسع لتدريباتهم؛ فكل صباح، كانت أرض معسكرهم ترتجّ تحت وطأة خمسمائة زوج من الأحذية العسكرية الثقيلة التي تتحرك كجسد واحد. وفي الوديان المجاورة، لم يعد عواء الذئاب الجليدية أو زئير أسود اللهب همجياً؛ بل غدا نداءً منظماً لثلاثين وحشاً متعاقداً يقودها رودريك بحزم، تهتز الأرض تحت حوافرها كلما خرجت في دورية لتأمين الحدود، باثة الرهبة في قلوب القرى المجاورة.

وعلى الطاولات الخشبية الطويلة داخل المقر، لم تعد الخرائط العسكرية وحدها ما يشغل الحيز، بل صناديق الحديد التي تُفتح لتكشف عن سبائك الذهب وجزية القصر التي تبلغ عشرين بالمئة، تحمل ختم الملك الجديد ألدريك. وفي الأسواق، باتت القوافل التجارية تعلق على مقدمة عرباتها شارة برونزية صغيرة نُقش عليها “رمح الفجر”؛ تميمة نحاسية بسيطة تضمن سلامة البضائع من أي غارة، حتى بات التجار يتهامسون في الحانات: “السيوف تحمي رقابكم، لكن شارة عين الفجر تحمي تجارتكم”.

لكن خلف تلك النظرات الحادة، كانت رؤية آرِن تتجاوز حدود رودفال الآمنة…

ذات ليلة، جلس هو ورودريك في خيمته. كانت خريطة ضخمة، مطوية بعناية، تفترش الطاولة الخشبية. خطوط حمراء جريئة، بعضها غامق وبعضها خفيف كخيوط العنكبوت، تتشابك فوقها، ترسم مسارات تجارية محتملة وأخرى محفوفة بالمخاطر. أشار آرِن إلى خط يمر شمالًا، ثم ينحرف شرقًا نحو أرض جديدة.

“الخطوة القادمة هي غاروس،” نطق آرِن بالكلمة كأنها حقيقة لا جدال فيها، صوته يحمل هدوءاً يسبق العاصفة.

مرر رودريك إصبعه الخشن فوق الخريطة، متجاوزاً المساحات الشاسعة الملونة التي تقسم أرض لينتارا الكبرى. توقف إصبعه عند نقطة باهتة وصغيرة للغاية تكاد لا تُرى على أطراف الخريطة.

“هذه هي رودفال يا آرِن،” قال رودريك، وصوته يتهدج بوقارٍ حذر وهو يضغط بظفره على تلك النقطة. “مجرد بلدة حدودية منسية، ثغرة مهملة في أطراف العالم. الملك الذي أطحنا به لم يكن سوى حاكم محلي ضعيف، يحتمي بخمسين وحشاً رديئاً وألف جندي من الرعاة والفلاحين. لقد كنا نمرح في بركة مياه راكدة… ولهذا نجحنا.”

ثم اتسعت حركة يده لتشمل قلب القارة، مردفاً بنبرة خفيضة كمن يفشي سراً مقدساً: “لينتارا ليست مجرد أرض؛ إنها مفرمة تحكمها خمس عائلات كبرى تقاسمت الجغرافيا والعرش كخمس ممالك إقليمية مرئية. الدوقات الخمسة يملكون اللحم والصخر والماء والسموم والوهم… لكن الخطر الحقيقي ليس في هؤلاء فقط.”

اقترب رودريك خطوة، وانخفض صوته أكثر ليصبح كفحيح الريح: “هناك عائلتان من السبع الكبرى لا تملكان تيجاناً معلنة ولا ممالك جغرافية على الخريطة؛ عائلة نيرال بأسياف أرواحهم الطيفية، وعائلة كريزا التي تتلاعب بخيوط الوقت في العتمة. إنهما عائلتا الظل اللتان تراقبان الممالك الخمس من وراء الستار. السير في هذا العالم يعني أنك لا تواجه الجيوش فحسب، بل قد تصطدم بظلالٍ لا تراها العين.”

انزلق إصبعه فجأة نحو الشمال الشرقي، حيث تمددت مساحة ضخمة مطلة على البحر، متوقفة عند نقطة تتقاطع فيها حدود عائلتين من الدوقات الخمسة. “وهنا تكمن الكارثة… غاروس. إنها تقع مباشرة على خط التماس الساخن بين أراضي عائلة فلدار، وأراضي خصومهم اللدودين، عائلة إلزار. الجانب الساحلي للمدينة بأكمله يخضع لسيطرة إلزار المطلقة ووحوشهم المائية، بينما يحيط بها نفوذ فلدار البري من الجهة الأخرى. الدخول إلى هناك يعني السير في حقل ألغام بين عملاقين من الدوقات الخمسة، تحت أعين عائلات الظل.”

ارتسمت على شفتي آرِن ابتسامة باردة، خالية من أي توتر، بينما لمعت عيناه ببريقٍ حاد كشفرةٍ مصقولة: “وما المشكلة في ذلك؟”

ضرب رودريك بيده على الخريطة بقوة، اهتزت معها الطاولة الخشبية. ارتفعت نبرته، ممزوجة بمرارةٍ لا تخطئها الأذن: “المشكلة أننا كدنا نفنى في رودفال لمواجهة بضعة جنود! دماء رجالنا لم تجف بعد، وأنت تريد إلقاءنا في فم التنين مباشرة؟ نحن نتحدث عن الدوقات الخمسة، أسياد الممالك الإقليمية الذين يملكون مزارع وحوش خاصة وقوات لا قبل لنا بها!”

خيم صمتٌ ثقيل على الخيمة، لم يقطعه سوى صوت الريح تهب على الأقمشة. رفع آرِن رأسه ببطء، التقت عيناه الباردتان بعيني رودريك المشتتتين، ثم انسكبت كلماته كقطرات جليد: “الأسد يملك الهيبة ويظن أنه يحكم… لكن الذئاب في الظل هي من تقتسم الغنائم والغابة.”

لم يجد رودريك كلمةً يواجه بها تلك الحقيقة القاسية. ظلت عيناه تحدقان في آرِن، تتأملان تلك النظرة التي لا تلين، ثم انحنى رأسه ببطء، كأن ثقل الممالك الخمس قد هبط على كتفيه. نطق كلماته بصوتٍ خافت، يحمل طاعةً ممزوجة بمرارةٍ لا تخطئها الأذن: “يكفي أن تأمر… وكلنا طوع أمرك.”

حين جاء الفجر، اجتمع رجال رماح الفجر في وسط المعسكر. أعلن آرِن أنه سيترك رودفال بالكامل في أيدي رودريك، ومعه الجيش والوحوش الثلاثون لحماية نفوذهم هناك وتأمين تدفق الذهب. أما هو، فسيأخذ ثلاثة فقط من جنوده؛ أولئك الذين اختبر ولاءهم مراراً تحت ظلال السيوف، ولم تكن لديهم وحوش سحرية تربطهم صدمات ارتدادية بالمعركة. مجرد رجال مخلصين بالسيوف والدماء، يعرف أنهم سيقاتلون معه حتى آخر قطرة دم.

ارتفعت الهمهمات المذعورة بين الجنود من فكرة رحيل قائدهم نحو الممالك الكبرى، لكن رودريك تقدم خطوة، وصوته يجلجل ليقطع الشك: “القائد أمر، ونحن ننفذ! أنتم تعرفون أن عين الفجر يرى أبعد مما تراه عيوننا مجتمعة، فلا تتهامسوا فيما بينكم!”

وقبل أن يرحل، صعد آرِن إلى قمة هضبة مجاورة للمعسكر. هناك، كانت “سهاد” تنتظره بصمت، عيناها الواسعتان تلمعان بزُرقة غامضة في ضوء الشروق. مد يده، فاستقرت البومة الضخمة على كتفه بثقل مألوف. همس لها بنبرة خافتة: “ابقِ هنا… راقبي رودفال، وكوني عيني التي لا تنام.”

ثم نظر إلى المعسكر الممتد أمامه، وإلى رودريك الذي يقف بين الرجال يوجههم. قال في نفسه ببرود: “عين واحدة تكفي للأعداء… أما عينان، فربما لا تكفيان الحلفاء.”

هبط آرِن من الهضبة، وركب جواده، يرافقه رجاله الثلاثة. انطلقوا شمالاً، ثم انحرفوا شرقاً عبر الممرات الجبلية الوعرة، نحو مدينة غاروس الساحلية. نحو حدود الممالك الخمس الكبرى… نحو زحف جديد قد يقوده إلى مواجهة أحد الدوقات الخمسة… وربما والده، الدوق أليستر فلدار، نفسه..

التالي
37/39 94.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.