تجاوز إلى المحتوى
سيد العيون

الفصل 5 : بين الظلال والمعرفة

كان النبض الحار في ذراعه المكسورة كافياً لطرده من الفراش.

تسلل “آرن” عبر عتمة الممرات السفلية لقصر “فلدار”، ضاغطاً بيده السليمة على الضمادات المشدودة حول صدره ليكتم حفيفها مع كل خطوة. في جيبه، كانت الرقاقة النحاسية الباردة تلسع فخذه بنبضات ضوئية متسارعة، تزداد توهجاً كلما توغل في الظلام، حتى قادته إلى حائط مسدود.

جدار صخري أملس بلا مقبض، غارت في منتصفه نقوش دائرية لطلاسم منسية تحيط بشعار العائلة.

أخرج الرقاقة ولامس بها قلب الشعار الحجري. سرت دبة مكتومة في الأرضية، واهتز الجدار قبل أن ينزلق إلى الخلف بصوت أشبه بزفير عميق.

اندفعت من الفجوة نسمة باردة، جافة، محملة برائحة الحبر الجاف والجلد المتآكل المحبوس منذ أجيال، لتلفح جروحه وتنعش وعيه.

دخل آرن بخطوات حذرة.

ساد صمت ثقيل في أرجاء المكتبة المحظورة، صمت يقطعه فقط حفيف خافت لصفحات قديمة تتحرك في الظلام كأجنحة الفراشات الليلية.

تجاوز “آرن” مرآة ضخمة مغطاة بوشاح أسود، تموجت أطرافه ببطء كأن نفساً خفياً يداعبه من الجانب الآخر. وعلى بعد خطوات، لمح قفصاً حديدياً التوت قضبانه بقوة وحشية، وتحته حُفرت على الحجر عبارة غائرة تآكلت أطرافها:

“الباحثون عن القوة… لا يعودون كما كانوا.”

توقفت الرقاقة في جيبه عن النبض، واستقرت برودتها فجأة.

أمام رفٍ خشبي نخره السوس وتراكم عليه رماد الزمن، استقرت ثلاثة مجلدات غريبة. الأول بلون الفحم، والثاني أبيض كعظمة جافة، أما الثالث فقد كُسي بجلد أزرق داكن يرتفع ويهبط ببطء، في إيقاع هادئ يحاكي النوم.

مدّ آرن يده السليمة نحو المجلد الفحمي. وقبل أن تلمسه أصابعه، انسلّ خيط رمادي دقيق من تحت أظافره، يلتف حول إبهامه كأفعى صغيرة تبحث عن دفء.

ما إن تلامست أنامله مع الغلاف الخشن حتى انطفأت المشاعل المعلقة على الجدران دفعة واحدة، وكأن كفاً عملاقة خنقت ألسنة اللهب.

طبق الظلام التام.

ومن قلب السكون، انبعث صوت تشقق كالحجر الجاف يتحدث من أعماق الأرض:

“من أنت… حتى تلمسني؟”

تراجع آرن خطوة، لكن الخيط الرمادي تمدد من يده والتصق بالغلاف بقوة أكبر، بينما غامت رؤيته بغشاوة من الدخان. شدّ قامته رغماً عن ألم صدره، وقال بصوت متحشرج مشحون بنبرة حادة كالشفرة:

“أنا من لا يملك شيئًا يخشى أن يخسره،

أنا من كُسِر… لكنه لم ينكسر،

أنا آرن فلدار… وإن أنكرتني الوحوش، والدم، والسماء.”

ساد صمت مطبق لثوانٍ، قبل أن تنبعث حرارة مفاجئة من الكتاب.

انفتح المجلد بعنف، وراحت صفحاته تتقلب بسرعة جنونية، محدثة صوتاً كصوت هبوب الرياح، وتطايرت منها طلاسم مضيئة انطبعت في حدقتيه قبل أن تختفي. وتوقف الكتاب فجأة عند صفحة في المنتصف.

رُسم عليها ختم أسود يتصاعد منه دخان يطابق تماماً ذلك الذي يخرج من عيني آرن، وتحته كُتب بمداد لامع:

“السيطرة لا تأتي بالقوة… بل بالفهم. من فهم ظله، فهم نفسه. ومن فهم نفسه… أخضع من يفوقه.”

مرر آرن أصابعه فوق الكلمات، ثم قلب الصفحة ليجد رسماً تخطيطياً لساحر يمد خيطاً سحرياً سميكاً إلى طائر صغير، لكن جسد الطائر كان يتفتت ويسقط محترقاً في الرسم. وتحته تفسير مقتضب:

“إذا فاقت طاقة الساحر قدرة الوعاء، انهار الوعاء. العقود السحرية مع الحيوانات العادية محرمة؛ لأنها لا تصمد، لا تنفع، لا تقاتل.”

تسمرّت عينا آرن على الرسم. لمس صورة الطائر المحترق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

“لا تصمد لأن طاقتكم تفيض كالسيل في وعاء من فخار…” همس لنفسه، وعقله يربط الخيوط بسرعة. “أنتم تبحثون عن وحوش تتحمل جبروتكم… لكن ماذا عن شخص تضررت طاقته مثلي؟ شخص يملك بالكاد ما يكفي لإبقاء الفتيل مشتعلاً؟”

نظر إلى الخيط الرمادي الهادئ الملتف حول إصبعه.

“الجميع يلهثون خلف الوحوش لترعب العالم…” همس وهو يغلق الكتاب بعناية، تاركاً الغبار يستقر مجدداً. “لكنهم ينسون أن المخلوقات التي لا يراها أحد… هي الوحيدة التي ترى كل شيء.”

نهض مستنداً إلى الجدار البارد، ولم يكن الألم في صدره قد زال، لكن عتمة عينيه كانت قد امتلأت بوضوح جديد..

التالي
5/10 50%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.