الفصل 6 : بذور الشك
سلّط ضوء الصباح البارد خيوطه الشاحبة فوق الحجارة المتصدعة للساحة الخلفية المهجورة في قلعة “فلدار”. هناك، على عتبة حجرية رطبة، جلس “آرن” يشدّ طرف ضمادٍ خشن بأسنانه، لافّاً إياه بعنف حول ذراعه اليمنى. ومع كل شدّة، كان الدم القاني يرتشح ببطء عبر النسيج الأبيض، لكن ملامحه بقيت ساكنة، كأن الجسد الذي يتألم لا يخصّه.
رفع كفّه اليسرى أمام عينيه. كانت خطوط راحته وأسفل أظافره مكحّلة بسواد الرماد الذي تشربه جلده داخل المكتبة المحترقة. حاول ثني أصابعه المتصلبة، فقاومته بيبوسة جافة، وانبعثت منها رائحة الورق المتفحم مع كل حركة.
قبض كفّه الملوثة بالرماد بقوة حتى ابيضّت مفاصلها، وشخص ببصره نحو أبراج القلعة الشاهقة حيث ينعم بقية الورثة بالدفء. سحب نفساً عميقاً من الهواء البارد، وهمس بنبرة حادة كالنصل:
“لم يكن عجزاً يوماً… بل مضماراً أُغلقت أبوابه دوني.”
ارتسمت في ذهنه صورة شقيقه الأكبر وهو يخطو في الرواق الرئيسي قبل سنوات، يتبعه وحشه، يلتف حول عنقه طوق فضي منقوش برموز “ختم الانتظار”. كان الختم ينبض بضوء خافت، مخففاً تدفق طاقة الوحش ليجاري نمو جسد الصبي الصغير خطوة بخطوة، بلا ألم، وبلا مخاطرة.
تلك هي الرفاهية التي تشتريها دماء النبلاء؛ مسار ممهد، آمن، ومحسوم النتائج.
أما خارج أسوار القلعة، في الأزقة المتربة لعامة الشعب، فالأمر أشبه بالقمار بلعبة الموت. تذكر آرن همسات الحراس عن فتيان القرية المجاورة؛ أولئك الذين تسرعوا وعقدوا روابط هشة مع كائنات برية ضعيفة ليدافعوا عن أكواخهم، فانتهى بهم المطاف بقلوب منكسرة وهم يغرسون الخناجر في صدور تلك الحيوانات بعد أن ذبلت أرواحها المشتركة. أو أولئك الذين اختاروا الانتظار حتى سن العشرين لتكتمل قنواتهم السحرية، فوجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى حطابين ومزارعين تحت أقدام من سبقوهم بعقد من الزمن.
علقت في ذهن “آرن” همسات الحراس عن قطعٍ أثرية نادرة؛ أحجارٌ مشحونة بطاقةٍ بكر قادرة على إشعال قنوات الجسد وتجاوز سنوات الانتظار في ليلة واحدة. كنوزٌ يزعم المغامرون أنها تنبض في عتمة الكهوف الجبلية البعيدة، أو ترقد في غياهب القبور الملكية المنسية.
لكن تلك الهمسات كانت تنتهي دائماً بضحكات ساخرة على طاولات الحانات، كقصص خيالية تُروى لتبديد وحشة الليل.
تأمل ذرات الغبار وهي تسبح في خيط الضوء البارد أمامه، ثم قبض كفّه الملوثة ببطء، وهمس لنفسه:
“لكن ماذا لو لم تكن شائعات؟
ماذا لو أن هناك من يرى في الموت ثمناً بخساً ليحصل عليها؟
ماذا لو كنت أنا؟”؟”
هذا الفصل ترجم من مَجَرَّة الـرِّوَايات فقط، وأي ظهور له خارجه يعني أنه مسروق.
قطع حبل أفكاره صوت اصطكاك حديد وسياط قادم من الساحة المجاورة.
تحرك ببطء نحو السور الحجري المنخفض، متوارياً خلف ظلال شجرة صنوبر عجوز. في وسط الساحة الترابية، كان هناك جرو “كلب الرماد” الهزيل، يرتجف مقيداً بسلاسل حديدية ثابتة في الأرض. وقف أمامه مجند شاب، يرتدي درعاً جلدياً يحمل شعار عائلة “فلدار”.
“ركّز تدفقك السحري في طوق السيطرة،” هدر صوت المدرب الصارم. “أخضعه دفعة واحدة. لا تدع له مجالاً للمقاومة.”
تمتم المجند بتعويذة، فاندفعت هالة زرقاء شاحبة من كفه نحو طوق الكلب. تشنج جسد الحيوان الصغير فوراً، واتسعت عيناه اللامعتان برعب قاتم. أطلق عواءً مخنوقاً تحول إلى حشرجة مكتومة، بينما بدأت عروق جسده الصغير تنتفخ وتتوهج باللون الأزرق القاتل. تلوى الكلب بعنف، ثم انهار فجأة على جنبه، وتوقفت أنفاسه متصلباً.
“سحقاً،” بصق المجند على الأرض بتذمر. “مات سريعاً.”
“ضعيف آخر لا يستحق عناء المحاولة،” علّق المدرب ببرود وهو يدوّن شيئاً في لحيته. “اسحبوا الجثة، وأحضروا غيره.”
اقترب جندي، وأمسك بقدم الكلب الميت، جاداً إياه على التراب ليترك خلفه خطاً طويلاً من الغبار والدم المنسكب.
شعر آرن ببرودة غريبة تسري في أطراف أصابعه، ليس شفقة على الحيوان، بل إدراكاً لـحقيقة مشوهة تعيش عليها عائلته. نظر إلى الجثة الهامدة، ثم إلى يده الملوثة بالرماد.
هم لم يقتلوه لأنه ضعيف… بل لأنهم حاولوا صبّ نهر في كأس زجاجية صغيرة. أرادوا خضوعاً كاملاً بالحديد والنار، قبل أن يفهموا لغة النبض في عروقه.
انقبضت مفاصل كفه اليسرى ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، باردة كجليد الشمال.
“إن كانت قنواتي السحرية أضيق من أن تفرض السيطرة…” همس لنفسه، وعيناه تلاحقان الغبار المتطاير مكان الجثة، “… فسأصنع رابطاً لا يحتاج إلى قنوات. رابطاً يولد من القاع، حيث لا أسياد… ولا عبيد.”
التفت عائداً إلى ظلال الساحة المهجورة، ولم تكن خطواته هذه المرة تحمل ثقل الخيبة، بل إيقاع صياد وجد ضالته أخيراً..
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل