الفصل 7 : على هامش القوة
تحت غبش الفجر الصامت، كان آرن ينهي تدريبه قبل أن يستيقظ بقية الحراس. لم ينطق بكلمة واحدة منذ أيام؛ كان يتحرك كظلٍ غريب في ردهات القلعة. وحين كان الجنود يمرون به، كانوا يشيحون بوجوههم عنه، مستهزئين بكتفين منكسفتين، هامسين بكلمة واحدة اختصرت مصيره عندهم: “المنتهي”. لقد ظنوا أن مخالب “كلابريكس” لم تمزق جسده فحسب، بل سحقت روحه أيضاً.
لكن غرفته المهجورة في القبو كانت تروي قصة أخرى. تحت ضوء شمعة شحيحة تكاد تذوب، كانت أصابعه الملطخة بالحبر الرمادي تقلب لفافات قديمة متآكلة الحواف، يخطّ على هوامشها ملاحظات دقيقة برموز لم يعهدها سحرة العائلة.
وفي طريق عودته ذات مساء، عبر الممر المحاذي لحظائر التدريب المهجورة حيث تعصف الريح الباردة، استوقفه صوتٌ لم يكن سوى حشرجة خافتة.
تتبع الصوت خلف سياج خشبي متآكل، لينحني فوق جروٍ ضئيل الحجم، أشعث الفراء، ملقى على الطين البارد. لم تكن تحيط بالجسد الصغير تلك الهالة المتوهجة التي تميز الوحوش السحرية النبيلة؛ كان مجرد حيوان هجين، عادي ومبتذل. ضلعان مكسوران يرتفعان ويهبطان بصعوبة، وخدشٌ قرمزيّ داكن يسيل من عينه اليمنى المغلقة. كان هديّة بائسة استُخدمت كهدف حي لتدريب الصبية على الطعن، ثم رُميت لتموت ببطء.ٍ.
لم يكن من المفترض أن يثير ذلك اهتمام أحد؛ فالحيوانات الهجينة مثل هذا الجرو تُعتبر مجرد إزعاج في القصر. ربما تسلل إلى ساحة التدريب بحثاً عن دفء أو كسر خبز، فتعرّض لضربة طائشة بسيف خشبي، أو ركله أحد الحراس الغلاظ ليُبعده عن طريقه، ثم تُرِك هنا ليموت في صمت.
توقفت خطوات آرن. غاصت حذاءه في الطين البارد وهو ينحني ببطء، غير مبالٍ باتساخ ثيابه.
مدّ كفه الخشنة والمملوءة بالندوب، ووضعها برفق على الفراء المبلل والمغطى بالتراب. لم يكن هناك ذلك الرنين المألوف الذي يهتز في الهواء حول الوحوش السحرية، ولا وميض مانا يجري في العروق؛ فقط نبضٌ ضئيل، متسارع وخائف، يكاد يتلاشى تحت قفصه الصدري الصغير.
همس آرن، وصوته يمتزج بصفير الريح:
“ما الذي أبقاك حياً في عالمٍ يكره الضعفاء؟”
أغمض عينيه، مستدعياً تلك الكسرة المتشظية من المانا الراقدة في صدره. تطلب الأمر جهداً كبيراً لتجميعها، وشعر بوخزٍ حاد كالإبر في أطراف أصابعه وهو يمرر خيطاً باهتاً، رفيعاً كنسيج العنكبوت، نحو جسد الجرو. لم يحدث انفجار طاقة، ولم تشتعل هالة.
لكن الجرو لم يرتجف خوفاً من السحر البارد. بل على العكس، أطلق حشرجة خفيفة، ومال برأسه الأشعث مستنداً إلى دفء كف آرن، كمن وجد أخيراً مرفأً آمناً.
***
في وقت متأخر من تلك الليلة، كان صرير الريشة على الورق الخشن هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت القبو. وتحت الضوء الأصفر الراقص للشمعة، خطّت يد آرن كلماتٍ بدت كأنها تشق طريقاً وسط الظلام:
“تجمع المجلدات القديمة على عبثية ربط المانا بجسد الحيوان العادي؛ فالأوعية الفانية لا تتحمل تدفق السحر وتنفجر. لكنهم جميعاً يبحثون عن الإخضاع والسيطرة.. يفرضون طاقتهم بقوة، فلا يتركوا للوعاء فرصة للتنفس.”
توقف، ونظر إلى الحبر الرمادي وهو يجف على الورق، ثم غمس ريشته مجدداً وكتب في سطر منفصل، ضاغطاً على السن بعزم:
“ربما لا يجب على الجسد الفاني أن يتسع للمانا.. بل على المانا أن تتقلص، وتتلوى، وتغير طبيعتها لتلائمه. السحر ليس سوى لغة، وعلينا أن نتعلم كيف نهمس بها، لا أن نصرخ.”
—
علت صيحات المجندين المبتدئين واصطكاك سيوفهم الخشبية في ساحة التدريب الواسعة، لكن الركن الخلفي المعتاد لآرن ظلّ شاغراً. أشار أحد الجنود بذبابة سيفه نحو الفراغ، متسائلاً بنبرة متهكمة: “أين تراجع ‘الصامت’ اليوم؟ هل يداوي جراحه؟”
بصق المدرب على التراب دون أن يلتفت، وهو يمسح عرقه بخرقة متسخة: “دعوه وشأنه، وركزوا على سيوفكم. القصر لا يتسع للموتى.”
وفي تلك الأثناء، في قبوٍ رطب تفوح منه رائحة الرطوبة والحديد الصدئ، كان آرن يجثو على ركبتيه. بأطراف أصابعه، حفر دائرة صغيرة في التراب الداكن، ثم وضع الجرو في مركزها. كان الصغير يرتجف، لكن عينيه الذابلتين تتابعانه بهدوء غريب.
بسط آرن اللفافة القديمة أمامه. تراقصت عيناه فوق الرموز المعقدة لـ “طقوس التعاقد الإمبراطوري”؛ كلماتٍ صُممت لتُملي الإرادة وتُخضع الروح بفرض السيطرة. لكنه لم ينطق بها. بدلاً من ذلك، أغمض عينيه وتنفس ببطء، مفرغاً صدره من كبرياء السحرة.
مد يده المفتوحة نحو الجرو. هذه المرة، لم يحشد طاقته كقبضة حديدية، بل سمح لماناه المتكسرة بأن تتدفق كنسيمٍ خافت، رقيق ولطيف، ينساب بحذر ويتحسس طريقاً بين شعيرات الفراء الخشن دون إجبار.
لم تشتعل الدائرة بلهبٍ أزرق، ولم تهتز جدران القبو بصوت الرعد المألوف في التعاقدات النبيلة. ساد صمتٌ مطبق.
لكن، في تلك اللحظة بالذات، تزامنت دقات قلب الجرو المتسارعة مع نبضات صدر آرن. تنهد الصغير بعمق، وتلاشت الرعشة من جسده الضئيل، بينما شعر آرن بخيطٍ خفي، دافئ وناعم، يلتف حول وعيه.
لم يكن قيداً يُربط بسلاسل السحر… بل كان أول جسرٍ يُبنى في الظلام.

تعليقات الفصل