الفصل 8 : بين الشقوق يتسرب الضوء
الدفء الضئيل الذي استقر في صدر “آرن” ليلة أمس لم يتبدد مع برودة الفجر. ذلك الخيط الرفيع، الذي ربط نبضه بنبض الجرو الصغير في العتمة، كان لا يزال يرتعش في وعيه كجمرة تحت الرماد، تذكره بأن ما حدث لم يكن حكماً بالزوال، بل كان ولادة لشيء آخر.
في الزاوية البعيدة المهجورة من الممر الرمادي، حيث لا تصل سوى أصوات الجنود المتثاقلة وهم يتجهون لساحة التدريب، جلس آرن يسند ظهره إلى الحجر البارد. تجنب الضغط على كتفه المصاب، بينما كان الجرو شاحب الفراء يرقد في حجره، يئن بصوت خافت بالكاد يُسمع، وقدمه الخلفية تلتوي بزاوية غير طبيعية؛ أثرٌ منسيّ من تدريبات الأمس القاسية.
تحسست أصابع آرن الفراء الخشن برفق. لم يكن هناك لهب أزرق، ولا استعراض للقوة الإخضاعية التي تتبجح بها عائلته. كان هنا ليختبر حدود ذلك “الجسر” الهش الذي عبره بالأمس، ليرى إن كان هذا التوافق بين ضعفهما يمكن أن يتحول إلى لغة حقيقية..
**
رسم آرن بأطراف أصابعه دائرة في التراب، ووضع الجرو في مركزها برفق تفوق طاقته الجسدية المنهكة. غرز ركبتيه في الأرض الباردة، وأغلق عينيه.
في باطن صدره، لم يكن هناك ذلك المحيط الهادر الذي يتفاخر به إخوته؛ كانت عروق السحر لديه أشبه بقنوات طينية جافة. تلمس تلك “القطرة” الوحيدة المستقرة في أعماقه، الدخان البارد الذي اعتاد أن يتسرب مهدراً. لكن هذه المرة، لم يفتح له البوابات ليتدفق.
أطبق فكيه بقوة حتى رنت أسنانه، وضغط على تلك الطاقة في وعيه.
كان الأمر أشبه بمحاولة حصر الرياح داخل قبضة يد، أو عصر شفرة حادة براحة مكشوفة. عروقه نضحت ببرودة مفاجئة، وقطرة عرق باردة انحدرت من جبينه لتستقر على حاحبه. في كتب عائلته، كان السحر يُعامل كجيش يُساق بالصراخ والسياط لتطويع الوحوش؛ أما آرن، فكان يطحن طاقته ببطء، يجبرها على الانكماش حتى تحولت في باطنه من سحابة هائمة إلى إبرة دقيقة صلبة.
فتح عينيه. مد سبابته اليمنى نحو أنف الجرو.
لم يلمسه، ولم يسطع أي ضوء، لكن الهواء بينهما اهتز بتموج حراري طفيف، كسراب الصيف فوق الصخر.
آذان الجرو، التي كانت ملتصقة برأسه من الألم، ارتفعت فجأة.
اتسعت حدقتاه الشاحبتان، والتفت برأسه ببطء نحو إصبع آرن الممتدة. لم يتراجع، ولم يرتجف خوفاً من الهيمنة السحرية التي عادة ما تجعل الحيوانات تبول رعباً؛ بدلاً من ذلك، تمدد خطمه الصغير للأمام، يستنشق ذلك التموج الخفي كمن وجد نبع ماء في جفاف قاتل.
شعر آرن برعشة دافئة تسري في طرف إصبعه، كأن وعي الجرو التمسك بوعيه، خيط رفيع من الحرير يربط بين روحين مكسورتين.
“المزيد…” همس آرن لنفسه، وحرر جزءاً ضئيلاً آخر من طاقته المكبوحة.
في جزء من الثانية، تيبّس جسد الجرو. انفتحت عيناه على وسعهما تظهر بياضهما، وسقط على جنبه يضرب الأرض بقوائمه المتشنجة، وخرجت من حنجرته غصة مكتومة.
“تراجع!” صرخ آرن في عقله، وسحب الطاقة بعنف كمن يقبض على حبل جمر.
ارتد الضغط إلى صدره، مما جعله يسعل بقوة، واضعاً يده على فمه. وفي الدائرة الترابية، سكن الجرو تماماً لثوانٍ بدت كالأبد، قبل أن يطلق زفيراً طويلاً، ويبدأ صدره الصغير بالارتفاع والانخفاض بتسارع، حياً، لكنه يرتجف بعنف.
نظر آرن إلى كفه التي كانت ترتعش بشكل لا يمكن السيطرة عليه. كانت هناك ابتسامة قاسية، شبه جنونية، ترتسم على شفتيه الشاحبتين.
لا إله إلا الله محمد رسول الله. مَــجـرة الرِّوَايَات تذكركم بذكر الله. galaxynovels.com
“الأمر يحتاج إلى ميزان صائغ…” تمتم بصوت مبحوح، وهو يراقب الجرو الذي هدأ وبدأ يلعق التراب. “إنهم لا يفشلون في ترويض الحيوانات العادية لأن طاقة السحرة أقوى… بل لأنهم غلاظ، لا يملكون الصبر لتقسيم القطرة.”.”
في كتب العائلة، ولفافات الأكاديميات، يُقال إن الحيوان العادي لا يتحمّل الطاقة السحرية، لذلك لا يُستخدم في التعاقد. ولهذا لم يجرّب أحد تقليل الطاقة لتناسبه.
لأنهم لا يستطيعون ذلك أصلاً.
السحرة يُدرَّبون على تفجير طاقتهم، تسخيرها، توجيهها، فرضها… لا على تهذيبها، ولا على جعلها أضعف.
إنهم لا يعرفون كيف… لأنهم لا يحتاجون لذلك.
لكن “آرن” لم يكن مثلهم.
ضعفه… أصبح دليله.
**
تحامل آرن على ركبتيه ونهض ببطء، مفاصله تطلق طقطقة خافتة في سكون الممر. لم يركض الجرو مبتعداً؛ ظل رابضاً في دائرته الترابية، يتابع حركة آرن برأس مائل وعينين شاحبتين خلتَا من تلك النظرة الزجاجية المذعورة التي ترتسم عادة في عيون وحوش السحرة.
نظر آرن إلى كفه التي لا تزال تهتز من أثر كبح المانا، ثم إلى ساق الجرو الملتوية بزاوية مشوهة. انحناءة جسديهما، والارتعاش المشترك بينهما في برودة الممر، كانا يتحدثان بلغة واحدة؛ لم يكن هناك سيد وعبد، بل شظيتان مكسورتان وجدتا طريقة للالتصاق في الظلام.
مع هبوط الليل، كان آرن يجلس في زاوية غرفته الضيقة، مستنداً إلى طاولة خشبية متهالكة لا يضيئها سوى شمعة صغيرة تحتضر. غمس ريشته في محبرة داكنة، وضغط بسنها المعدني على صفحات دفتره الجلدي القديم. صرير الريشة كان الصوت الوحيد الذي يكسر صمت القلعة:
“ما يصفونه بالضعف، ليس سوى مساحة أضيق للدقة.
من لا يملك القدرة على خفض صوته إلى حد الهمس، لن يفهم أبداً لغة الأشياء الصغيرة. السحرة يعجزون عن تجزئة القطرة، لأن عقولهم اعتادت إحراق الغابات.”
توقف، وراقب بقعة حبر صغيرة بدأت تتشربها الورقة، ثم أتبعها بخط أكثر عمقاً وحسماً:
“القوة الغاشمة تصنع عبيداً مؤقتين. الفهم يصنع أسياداً أبديين.”
أغلق الدفتر بقوة، تاركاً غبار الورق يتطاير في الضوء الشاحب. تطلع إلى انعكاس وجهه الهزيل على زجاج النافذة المظلمة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة كشفرة سكين:
“الآخرون يسحقون كي يسيطروا… أما أنا، فسأسخر السيطرة… كي أسحق.”
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية من مجرة الروايات وهو عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّير من مجرة الروايات أنه لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مجرة الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل