تجاوز إلى المحتوى
لورد غوامض2 حلقة الحتمية

الفصل 19 التأمل

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل التاسع عشر: التأمل

لم تطل المحادثة بين مدام بوليس وأورور؛ فبعد عشر دقائق، خرجتا من المكتب. سار لوميان مع مدام بوليس إلى الباب برفقة أخته، ثم نظر إلى أخته وسأل: “ماذا أرادت منكِ؟”

قطبت أورور حاجبيها وأجابت: “أرادت مني أن أكون المغنية الرئيسية في احتفال المديح، لكني رفضت”.

كان لمهرجان الصوم في قرية كوردو ثلاثة أجزاء: موكب بركة جني الربيع، والطقوس المائية، واحتفال المديح الذي يُقام في الكاتدرائية. كان الجزء الأخير يتكون أساساً من العزف على الآلات الموسيقية والغناء الجماعي. في منطقة داريج، غالباً ما كان المغني الرئيسي يُختار من جوقة الكاتدرائية، لكن كوردو لم يكن أمامها سوى البحث عن مغنين جيدين من القرويين كبدائل.

أما بالنسبة للآلات الموسيقية، فلم يكن القرويون قلقين بشأنها؛ ففي القرى التي يقطنها الرعاة، كانت الموسيقى والآلات جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية. عاش الرعاة في البرية طوال العام، إما في أكواخ أو حفر، وبخلاف رفاقهم والأغنام، كان أكثر ما يتفاعلون معه هو الناي الذي يحملونه دوماً.

وبعيداً عن الرعي ولعب الورق والدردشة، كان العزف على الناي واستخدام الموسيقى لتهدئة النفس طقساً يمارسه كل راعٍ تقريباً. ولهذا السبب، كانت العبارة الشائعة لوصف الراعي الذي يمر بوضع صعب وفقير هي: “لا يملك حتى مزماراً”.

ومع وجود هذا العدد الكبير من الرعاة، كان من المحتوم أن يتأثر بقية القرويين في كوردو. فعندما كانوا يجتمعون للحديث في الساحة، كان هناك دائماً من يعزف على حاكم موسيقية، مما يجعل الألحان العذبة تتردد في الأرجاء.

شعر لوميان بالرضا لرؤية أخته ثابتة على موقفها، وقال: “حسناً، هذا أفضل”.

كان الانضمام إلى الاحتفالات كافياً؛ فالبقاء في مركز الاهتمام ليس سوى مضيعة للوقت وقد يجذب انتباهاً غير ضروري.

ومن أجل حماية بصره، قرأ لوميان لفترة وجيزة، ثم قرر الاغتسال والذهاب إلى الفراش مبكراً. فكر في كيفية اختبار “الشيء الخاص” به بأمان داخل الحلم. كانت اقتراحات السيدة قد أثبتت دقتها عدة مرات متتالية، مما جعل لوميان يصدقها بشكل لا واعٍ تماماً.

في هزيع الليل، دخل لوميان الحلم مرة أخرى واستيقظ هناك. تفقد جيوبه وتأكد من أن الـ 217 فيرل دور والـ 25 كوبت لا تزال هناك. تنفس لوميان الصعداء، ثم التقط فأسه وشوكته الحديدية وتوجه إلى الطابق السفلي نحو الموقد.

كانت النار قد خمدت بالفعل.

“لا تزال الساعة تدور حتى وأنا لا أحلم…” عبس لوميان قليلاً. كيف يمكن أن يكون هناك شيء خاص بشأنه في حلم “واقعي” كهذا؟

“لا تزال الساعة تدور” كانت عبارة شائعة في منطقة داريج، تعني أن الوقت لا ينتظر أحداً ولا يتوقف أبداً.

في غرفة النوم التي اعتبرها المكان الأكثر أماناً، وضع لوميان أدواته وخلع ملابسه. مشى نحو المرآة الطويلة المعلقة على الخزانة وتفحص جسده بوصة بوصة ليرى إن كان هناك أي شيء مختلف عن الواقع، لكنه لم يجد شيئاً غير عادي.

هل هو تميز عقلي؟ لم يستعجل لوميان في ارتداء ملابسه، بل عاد إلى السرير وجلس متربعاً، كما كانت تفعل شقيقته غالباً عند التأمل. كانت أورور قد علمته سابقاً بعض تقنيات التأمل السطحية التي لا تتضمن عناصر غامضة لتعزيز الأحلام الواضحة. والآن، أراد لوميان المحاولة ليرى إن كان بإمكانه الشعور بأي شيء خاص في عقله وجسده وسط هذا الهدوء التام.

كانت الخطوة الأولى هي تنظيم تنفسه. عمّق لوميان أنفاسه وأبطأ وتيرتها، وبينما كان يأخذ أنفاساً بطيئة وطويلة وإيقاعية، بدأ يفرغ ذهنه تدريجياً. في الوقت نفسه، تخيّل شمساً حمراء في ذهنه وركز كل انتباهه وأفكاره عليها للتخلص من الأفكار المشوشة الأخرى.

كانت أورور قد وجهته لاختيار أشياء تمثل الضوء أثناء التأمل، تحسباً لاستهدافه من قِبل أشياء شريرة وقبيحة. وبما أنه مؤمن بـ “الشمس المتألقة الأبدية”، كانت ردة فعله الأولى هي تصور الشمس.

تدريجياً، هدأ عقله، وفي إدراكه، بدا أن العالم بأسره لم يتبقَ فيه سوى تلك الشمس الحمراء المتألقة. وفجأة، سمع لوميان شيئاً؛ بدا وكأنه آتٍ من مسافة لا نهائية ولكنه كان يرن في أذنه بوضوح. كان الصوت غير مفهوم، لكنه يحمل أصداء رعد مدوٍّ.

وسط تلك الهمهمة التي لا توصف، بدأ قلب لوميان يتسارع، وشعر كما لو أن شخصاً قد غرس إزميلاً في رأسه وحركه بعنف. اجتاحه ألم حاد، وتحولت الشمس المتألقة إلى اللون الأحمر القاني كالدماء، وسرعان ما اصطبغت بالسواد.

تحطم مشهد التأمل، وانفتحت عينا لوميان فجأة وهو يلهث بصعوبة، شاعراً وكأنه على وشك الموت. وبعد حوالي عشرين ثانية، استعاد وعيه أخيراً من تلك التجربة المريرة.

خفض رأسه غريزياً وفحص جسده، فلاحظ شيئاً غريباً على الجانب الأيسر من صدره. كان هناك رمز يشبه الأشواك، أسود كالليل، يبدو وكأنه ينمو من قلبه ويمتد خارج جسده، متصلاً ببعضه كالسلاسل. وفوق هذه الأشواك كانت هناك أنماط تشبه العيون وخطوط مشوهة تشبه الديدان، وكلها بلون أزرق مائل للسواد.

في تلك اللحظة، بدأت الرموز التي تشبه الوشم تتلاشى ببطء. صُدم لوميان في البداية، ثم توالت الأفكار في رأسه. قفز من السرير وهرع إلى المرآة، موجهاً ظهره نحوها، ثم بذل قصارى جهده ليدير رأسه إلى اليسار ليتفحص ظهره.

بالكاد استطاع رؤية سلسلة الأشواك السوداء وهي تتوغل في جسده من جهة الظهر. بعبارة أخرى، كانت هذه السلسلة من الأشواك تختم قلبه وجسده المقابل في شكل حلقة.

حلل لوميان هذا “الشيء الخاص” الذي يختلف عن الواقع حتى تلاشت الرموز تماماً واختفت. الرموز السوداء والزرقاء المائلة للسواد كانت مختلفة، والرمز الأزرق بدا مألوفاً؛ نعم، إنه يشبه إلى حد كبير ذلك الرجل العجوز الذي ساعده أثناء تجواله، ومنذ ذلك الوقت بدأت تراوده تلك الأحلام المليئة بالضباب.

وجد لوميان أن الرموز مميزة لكنها بلا فائدة حالياً، مما أصابه بخيبة أمل. كانت عملية إظهارها مؤلمة للغاية، ودفعت به إلى حافة الموت. وفي حالة كادت تفقده الوعي، ما الفرق بين مواجهة الوحش بمسدس وبين أن يكون هو نفسه وجبة تُقدم إليه؟

وإذا انتظر حتى يستعيد قوته للقتال، فإن هذه السمة “الخاصة” ستكون قد اختفت تقريباً.

كان الجو بارداً في الحلم، يشبه أوائل الربيع في الجبال. شعر لوميان بعدم الارتياح وهو عارٍ، فارتدى ملابسه بسرعة. مجرد القيام بهذا الفعل البسيط جعله يشعر بتعب شديد وصداع حاد مرة أخرى. كان من الواضح أنه لن يتعافى من تأثير التأمل في وقت قصير، لذا قرر التخلي عن الاستكشاف لتلك الليلة. سيخلد لنوم جيد ويركز على التعافي.

كانت السماء لا تزال مظلمة عندما استيقظ لوميان. وبينما كان ينظر إلى الظلام في الغرفة والضوء الخافت المنبعث من خلف الستائر، استرجع بعناية ما حدث في الحلم.

“لقد تأملت عدة مرات في الواقع، لكني لم أسمع ذلك الصوت الغريب أو أشعر بأي ألم… هل هو شيء خاص لا يوجد إلا في ذلك الحلم؟”

جلس لوميان في حيرة، وقرر التأكد. اتبع الخطوات وحاول التأمل مرة أخرى. ظهرت الشمس الحمراء بسرعة في ذهنه، وبدأت الفوضى في عقله تهدأ تدريجياً. كانت هذه تجربة التأمل المألوفة لديه؛ لا أصوات غريبة، لا ألم حاد، ولا تجربة قريبة من الموت.

بعد فترة، أنهى تأمله، وفك أزرار قميصه ونظر إلى قلبه؛ لم يكن هناك أي رمز.

“في الواقع، هذه هي السمة الخاصة للحلم، ولا يمكنها التأثير على الواقع…” لم يعرف لوميان إن كان عليه أن يشعر بالسعادة أم بالإحباط.

رفع رأسه ونظر إلى الستارة التي تحجب النافذة، وتشتتت أفكاره وهو يتساءل إن كان بإمكانه استغلال تلك السمة “الخاصة” في الحلم وكيف. في تلك اللحظة، لمح ظلاً صغيراً خارج النافذة.

اتسعت حدقتا لوميان وتوترت أعصابه، وكانت ردة فعله الغريزية هي مناداة أخته، لكنه تذكر أنه في المنزل وأن أورور قالت إنها ستراقبه، لذا لا بد أنها شعرت بالأمر. اقترب من النافذة ببطء وحذر، منتظراً أن تتدخل أخته، لكن أورور لم تظهر.

وصل لوميان إلى النافذة، وأمسك بالستارة وسحبها بحذر ليفتح شقاً صغيراً. كان الليل في الخارج هادئاً ومظلماً، والقمر القرمزي معلق بعيداً في السماء. وعلى شجرة دردير قريبة، كانت هناك بومة أضخم من المعتاد، عيناها ليستا باهتتين ولا جامدتين، بل كانت تقف بهدوء مواجهةً نافذة لوميان، وتنظر إليه بنظرة متعالية لا توصف.

تلك البومة! لقد عادت مرة أخرى!

خفق قلب لوميان بشدة. وكما حدث في المرة السابقة، حدقت البومة فيه لعشر ثوانٍ قبل أن تبسط جناحيها وتحلق بعيداً في عتمة الليل.

“…” ظل لوميان صامتاً لبرهة، ثم سحب الستائر وتمتم غاضباً: “هل هناك خطب ما في رأسك؟ تأتين وتنظرين في كل مرة دون أن تنبسي بكلمة قبل أن تغادري!”

“هل أنتِ بكماء، أم أن هناك مشكلة في ذكائك؟ ألم تتعلمي لغة البشر بعد كل هذه السنوات؟”

في الحقيقة، كان لدى لوميان تخميناته الخاصة؛ فقد اعتقد أن وجود أخته جعل البومة تخشى القيام بأي فعل. فبعد كل شيء، أكدت أورور أنه طالما بقي داخل المنزل ليلاً، فهي تضمن سلامته. ولو كان قد أخرج رأسه من النافذة بتهور قبل قليل، فربما لم تكن البومة لترحل بهذا الهدوء.

بعد أن أفرغ غضبه بالشتائم، قرر إغلاق الستائر والعودة للنوم، لكنه ألقى نظرة أخيرة للخارج وتوقف فجأة.

على بعد أكثر من عشرة أمتار، عند حافة غابة صغيرة، كان هناك شخص يسير ببطء. كانت امرأة ترتدي فستاناً داكناً من قماش خشن، وشعرها يبدو رقيقاً وأبيض شاحباً.

“ناروك…” تعرف لوميان على القوام.

كانت ناروك، المرأة التي سألها عن أسطورة الساحر. كان وجهها غارقاً في الظلام، وعيناها تعكسان ضوءاً غريباً تحت ضوء القمر القرمزي الخافت، وكانت حركاتها غير طبيعية، تماماً كشبح يتجول في الليل.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
19/975 1.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.