الفصل 24 المكاسب
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 24: المكاسب
لم ينعم لوميان بترف الراحة طويلاً؛ إذ كان عليه مواصلة التحرك خوفاً من ظهور وحوش أخرى. وبعد أن التقط أنفاسه للحظة، تحامل على آلام رقبته وظهره واقترب ببطء من جثة الوحش.
قبض على الفأس بإحكام بيده اليمنى، مستعداً للضرب مجدداً إن لم يكن المخلوق قد فارق الحياة تماماً. وبعد أن فتش الجثة بحذر بيده اليسرى، وجد ثلاث عملات نحاسية تُسمى “ليك” وكيساً قماشياً فارغاً.
تمتم لوميان لنفسه بإحباط: “أهذا كل شيء؟”، فقد خاب أمله لعدم عثوره على أي شيء يتعلق بالقوى الخارقة. لولا رغبته في تلك القوى، هل كان سيخاطر بحياته في محاربة هذا الوحش؟ لو لم يكن لوميان يمتلك ميزة خاصة في الحلم، لكان الآن مجرد وجبة لذلك المخلوق.
تحامل على نفسه ونظر نحو رأس الوحش الذي كان يحمل البندقية، والذي تدحرج جانباً، داعياً أن يكون ما يبحث عنه موجوداً هناك. في تلك اللحظة، انبعث وهج قرمزي عميق فوق جثة الوحش، يشبه تجمع اليراعات التي تتحد تدريجياً نحو نقطة واحدة بثبات.
راقب لوميان المشهد بدهشة، بينما بدأت مشاعر الفرح تتصاعد في صدره؛ فلا بد أن هذه الظاهرة مرتبطة بالقوى الخارقة! ودون تأخير، تجسدت مادة لزجة حمراء داكنة على صدر الوحش، وتوقف ظهور نقاط الضوء.
انحنى لوميان بحذر وحاول الإمساك بتلك الكتلة، لكنها كانت زلقة للغاية، إذ انزلقت من يده مرتين قبل أن يتمكن أخيراً من قبضها في راحة يده. كانت خفيفة الوزن بشكل ملحوظ، لكنها تمتلك قواماً ومرونة معينة، وملمس سطحها ناعم كالزجاج.
تمتم لوميان لنفسه: “ما هذا بحق الجحيم؟”، مدركاً مرة أخرى أنه جاهل تماماً بكل ما يتعلق بالأمور الغامضة. وفي خضم الهمسات المكتومة، استنشق لوميان رائحة غريبة من تلك المادة الحمراء الداكنة، رائحة تشبه رائحة الدم، مما زاد من نفاذ صبره واستحوذ عليه شعور خبيث لا يوصف.
في تلك اللحظة، لم يرغب في شيء أكثر من رفع فأسه وتهشيم جثة الوحش حتى يفرغ مشاعره العنيفة. لكن تحذير أورور عن مخاطر السعي وراء القوى الخارقة تردد في ذهنه، فكبح جماح اندفاعاته بسرعة. لقد اتخذ احتياطاته لمراقبة نفسه والبقاء يقظاً في جميع الأوقات، ولن يسمح لنفسه بالتراخي الآن.
“هل تؤثر على عقلي؟” تساءل لوميان، ثم ألقى الكتلة الحمراء الداكنة في الحقيبة القماشية التي وجدها مع الوحش. وفي اللحظة التي فقد فيها الاتصال المباشر بها، غمرته موجة من الهدوء، بددت ما تبقى من إثارة معركة الموت تلك.
كان جسده لا يزال يرتعش قليلاً، لكنه استعاد السيطرة على نفسه. همس لوميان بسعادة وهو يعود إلى وعيه: “كما توقعت!”. ربط الحقيبة القماشية بإحكام وثبتها في مشبك حزامه، وبعد لحظة من التفكير، سحبها ثانية وخزنها بأمان في الجيب الداخلي لسترته الجلدية؛ فقد منحه ذلك شعوراً بالاطمئنان وقلل من فرص فقدانها.
بما أن أزرار ملابسه كانت مفتوحة، فقد الكتاب الذي كان مثبتاً على ظهره دعمه وسقط على الأرض. كان الكتاب مليئاً بالثقوب وممزقاً، بعيداً كل البعد عن حالته السابقة. عرفه لوميان فوراً؛ إنه دفتر “أوراق الامتحانات التجريبية للقبول في التعليم العالي” الذي أعدته له شقيقته أورور، وهو الكتاب نفسه الذي أنقذ حياته بصد رصاصة البندقية.
بالطبع، لم يكن الكتاب وحده صاحب الفضل في نجاته. التقط لوميان دفتر التمارين وعاد إلى جثة الوحش الهامدة، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. قال وهو يهم برمي الكتاب في وجه الوحش: “انظر، المعرفة قوة حقاً!”. لكنه تردد فجأة، متذكراً الساعات الطويلة التي قضتها أورور في كتابته، فلم يطاوعه قلبه على التخلص منه.
بدلاً من ذلك، غرز دفتر التمارين في حزامه، وسحب جثة الوحش إلى الحفرة ورماها في الداخل، ثم ركل رأس الوحش خلفها للتأكيد. ومع تطهير ساحة المعركة، جمع لوميان أدواته، بما في ذلك بندقية الصيد الفارغة، والشوكة، والمعول، وتراجع نحو البرية.
كان ينظر خلفه وهو يمشي، محافظاً على يقظته التامة، حتى عاد أخيراً إلى منزله، فصعد السلم ودخل غرفة نومه. عندها فقط استرخى حقاً، فانفجر الألم الذي كان ينخر جسده، مع شعور بالانزعاج الشديد وإرهاق ساحق، ليرتمي على السرير محاولاً التعافي.
لكنه لم يرغب في النوم بعد، إذ كان بحاجة لتقييم أضراره. خلع لوميان ملابسه وتوجه إلى الخزانة، متفحصاً نفسه في المرآة الطويلة. كانت رقبته متورمة، وآثار الأصابع الخمسة الدموية عليها قد تحولت إلى لون أزرق داكن ينذر بالسوء. كان ظهره متورماً أيضاً، مع وجود العديد من الخدوش والجروح في أنحاء جسده.
فكر لوميان: “حتى بعض إصاباتي داخلية، تماماً كما حذرتني أورور. أتساءل إن كنت سأتعافى بحلول المرة القادمة التي آتي فيها؟”. لم يسعه إلا التأمل في المعركة؛ لقد كانت فشلاً، لكنه لم يكن فشلاً تاماً.
في النصف الأول من المعركة، كان راضياً عن أدائه؛ إذ لم يستغل فقط انخفاض ذكاء الوحش ليقوده إلى الفخ الثاني، بل اتبع خطته الأصلية بدقة. كانت لعبة قط وفأر أدارها بإتقان، مستنزفاً الوحش حتى أوشك على الاستسلام لإصاباته. ومع ذلك، كانت قلة خبرته هي سبب تعثره؛ فبدلاً من رمي الصخور الثقيلة، اختار طعن الوحش بالشوكة وهو في قاع الحفرة.
أما في النصف الثاني، فقد كان واثقاً أكثر من اللازم وقلل من ذكاء الوحش، كما أن خبرته القتالية غير الكافية جعلته يقع في فخ المخلوق، مما كاد يودي بحياته. كان ذلك الأداء كارثياً، ولحسن الحظ أن نجاحاته السابقة كانت قد أنهكت الوحش تماماً، فلم يقتله بسرعة كافية، مما منحه فرصة لإكمال تأملاته واستدعاء “ميزته الخاصة”.
تنويه: الشخصيات هنا وهمية، مَــجـ.رّة الرِّواي.ات تذكركم بأن الواقع أجمل بذكر الله.
قبل هذه المعركة، لم يتوقع لوميان أن يكون لـ “الميزة الخاصة” تأثير قوي كهذا؛ فقد جعلت الوحش يغرق في خوف لا يمكن السيطرة عليه، خوف لم ينكسر رغم تعرضه للهجمات. كان قلقاً من أن حالة الموت الوشيك الناتجة عن استدعاء تلك الميزة ستجعله عرضة للهجوم، لكن تبين أنها قوية وفريدة جداً.
بينما كان يتنهد، طرأت له فكرة؛ الوحوش في الأنقاض كانت تتجنب منزله وتعتبره “منطقة آمنة” لأن هناك شيئاً أكثر رعباً في الداخل، وقد يكون هو صاحب الصوت الغامض الذي سمعه عند استدعاء “الميزة الخاصة”!
تنهد لوميان عند هذه الفكرة، وحثه عقله الباطن على البحث في كل زاوية من المنزل عن ذلك الشيء المرعب، لكنه سرعان ما استبعد الفكرة؛ فليس من الحكمة إثارة كائن عجز حتى الوحش المسلح أمامه. في الوقت الحالي، كان كل شيء هادئاً، ومن الأفضل الحفاظ على هذا الوضع وعلى حالة “المنزل الآمن” دون كشف المستور. سيتعامل مع المخاطر المستقبلية عندما يحين وقتها، وتحديداً عندما يصبح “بيوندير” ويكتسب قوة كبيرة.
ألقى لوميان نظرة على الحقيبة القماشية، وحتى وهو يفحص إصاباته عاري الصدر أمام المرآة، رفض التخلي عن مصدر القوى الخارقة الذي كدح للحصول عليه. تساءل: “كيف يجب أن أستخدم هذا الشيء؟”، وهو يفتح الحقيبة ويحدق في الكتلة الحمراء الداكنة التي استقرت في القاع بشكل غير مستقر ولكن دون حراك.
فكر لوميان، الذي يجهل أسرار الغموض، إن كان عليه أكلها، أو أداء طقوس للاندماج معها، أو تقديمها لكيان سري ما. لم يكن يعرف عن الخيارين الأخيرين إلا من قراءته لرواية “الستار المخفي”، وفي السابق، لم يكن ليفكر إلا في خيار واحد: “الأكل!”.
لم يتعجل لوميان في قراره، بل نوى طلب المشورة من السيدة الغامضة في “الحانة القديمة” أولاً، مقتنعاً بأنها ستزوده بأدلة حول كيفية استغلال قوة هذه الكرة الحمراء واكتساب قدرات خارقة. شعر لوميان أن لدى تلك المرأة سبباً لمساعدته، رغم جهله بدوافعها. وإن لم تسر الأمور كما يشتهي، فما زال بإمكانه الاعتماد على مساعدة أخته.
بعد أن ارتدى ملابسه، وضع الكتلة القرمزية في جيب معطفه مع النقود التي غنمها، ثم انهار على السرير منهكاً. ورغم الآلام التي تنهش جسده، غط في نوم عميق تحت وطأة التعب الشديد.
عندما فتح لوميان عينيه، كانت أشعة الشمس قد اخترقت الستائر لتضيء الغرفة بأكملها. جلس ببطء وهو يشعر بألم يكتسح جسده، وكأنه تعرض للضرب المبرح في حلمه. فكر: “لقد تعرضت لضرب قسري… الإصابات في الحلم تنعكس حقاً في الواقع، لكن بحدة أقل…”. حاول التحرك، فشعر بألم خفيف في عضلاته، لكنه ارتاح لأن حركته لم تتأثر كثيراً.
ومع ذلك، عندما مد يده إلى جيوبه… “لا شيء… لا شيء على الإطلاق!”. لم تخرج الكتلة القرمزية معه إلى الواقع. تجهم وجهه وعقد حاجبيه بشدة، ولم يدرِ ماذا يفعل؛ فالكتلة التي تعده بالقوى الخارقة لم تتبعه من الحلم، وهذا تناقض مع ما قالته المرأة الغامضة في الحانة.
تمالك لوميان نفسه، وغير ملابسه بسرعة ثم غادر الغرفة. وبينما كان يسير في الممر، لاحظ أن باب الحمام مفتوح، وكانت أورور تقف أمام المرآة تنظف أسنانها بجدية.
قال لوميان: “صباح الخير”.
ردت أورور بصوت غير مفهوم بسبب الفرشاة: “لم يعد الوقت مبكراً، لقد استيقظت متأخراً…”. ثم بصقت ما في فمها والتفتت إليه قائلة: “ماذا فعلت ليلة أمس؟”.
رد لوميان بهدوء: “تلك البومة في الخارج، كيف أجرؤ على الخروج؟”.
قالت أورور: “هذا صحيح. تذكر أن تأخذ خمسة ‘فريدور’ للمسؤول لإرسال البرقية لاحقاً”.
أومأ لوميان موافقاً؛ فهذه البرقية كانت مفتاح هروبهما من “كوردو”، وهو أمر لن ينساه أبداً. بعد الإفطار، توجه مباشرة إلى ساحة القرية حيث يقع مكتب المسؤول في مبنى من طابقين. هناك، وجد أن المدير “بيوست” لم يصل بعد، لكن الموظفين باشروا عملهم.
دفع لوميان الرسوم وأرسل البرقية فوراً، ثم استدار متوجهاً نحو “الحانة القديمة”. ورغم استبعاده أن تكون المرأة الغامضة قد استيقظت بعد، إلا أنه كان مستعداً للانتظار؛ فبعد رحلة بحثه الطويلة عن القوى الخارقة، لن تضيره بضع ساعات إضافية.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل