الفصل 84 ديرك
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 84: ديرك
قسّم لوميان الوحوش في أطلال الحلم إلى ثلاثة مستويات، بناءً على ردود فعل الوحش الناري والوحش ذي الوجوه الثلاثة عند مواجهته.
كانت وحوش المستوى الأدنى تتصرف بدافع الغريزة المحضة؛ فبمجرد رؤيته تهاجم فورًا، لكن حين يُفعّل رمز الشوكة السوداء على صدره -ولو جزئيًا- كانت تتراجع على الفور وتستسلم تمامًا لرحمته.
أما وحوش المستوى الأعلى، فكانت تطارده قبل تفعيل الرمز، لكنها تختار الهروب بذكاء بعد إنهائه لرقصة التضحية. ومع ذلك، لم تكن قادرة على استشعار وجود رمز الشوكة السوداء إذا زادت المسافة عن خمسة أمتار؛ ومن المحتمل أن الوحش الناري ظل خائفًا فقط لأنه ربط بين الهالة الفاسدة المنبعثة من الختم وبين لوميان.
وعند مستوى معين، لم يكن لوميان بحاجة حتى لتفعيل الرمز أو تفعيله جزئيًا، ولم يكن على تلك الوحوش الاقتراب لمسافة خمسة أمتار لتشعر بوضوح بـ “خصوصيته” وتُظهر خوفًا جليًا.
هل كانت هناك مستويات أخرى فوق هذه الثلاثة؟ شعر لوميان بضرورة وجود مستوى واحد على الأقل، وربما ثلاثة كحد أقصى. على سبيل المثال، النوع الذي لن يرتعب من رمز الشوكة السوداء المفعّل جزئيًا لدرجة الفرار الفوري، بل قد يستمر في الهجوم رغم ضعفه الكبير. أو نوع آخر بلغ من الرفعة مستوىً يجعله لا يتفاعل مع رمز الشوكة السوداء على الإطلاق…
لذلك، وبينما كان لوميان سعيدًا بقدرته على طرد الوحش ذي الوجوه الثلاثة وبدا كأنه قادر على فعل ما يشاء في أطلال الحلم، لم يجرؤ على التهاون. فبغض النظر عن الكائنات المرعبة التي قد تفوق الوحش ذي الوجوه الثلاثة قوة، يمكن للوحش الناري وحده أن يحرقه ويحيله إلى رماد بهجومه القوي بعيد المدى، دون أن يتأثر برمز الشوكة السوداء المفعّل جزئيًا.
ومع وضع ذلك في الاعتبار، تردد لوميان للحظة قبل أن يتسلل ببطء نحو عمق أطلال الحلم، متبعًا مسار هروب الوحش ذي الوجوه الثلاثة. كان يخطط لاستكشاف “القمة” الملطخة بالدماء والمنطقة المحيطة بها اليوم، لجمع المعلومات اللازمة لفك أسرار الحلم لاحقًا.
تقدم عبر منطقة مخفية نسبيًا يصعب اكتشافها، متأهبًا ضد أي وحوش قد تندفع فجأة. وربما لأن الوحش ذي الوجوه الثلاثة قد مر من هنا للتو وأخاف البقية، لم يرَ لوميان “شخصًا” واحدًا. نجح في تجاوز المباني المنهارة والحصى الرمادي المنتشر في كل مكان، حتى وصل إلى قاعدة “القمة” الملطخة بالدماء. كانت هناك دائرة من الأنقاض، ولكن على عكس الطبقات الخارجية، لم تكن المباني هنا منهارة، بل بدت وكأنها أعادت تجميع نفسها بشكل مشوه كما لو كانت تدب فيها حياة خاصة؛ كانت مترابطة كأنها جدار مدينة شائك وغريب.
صُبغ هذا “الجدار” بلون رمادي داكن خفيف، وكانت نوافذ وأبواب المباني الأصلية مدمجة بشكل فوضوي على سطحه؛ بعضها كان مفتوحًا، مما سمح برؤية الطاولات والكراسي المحطمة في الداخل، وبعضها كان مغلقًا بإحكام كأن من المستحيل فتحه.
قام لوميان بمسح المنطقة ونظر إلى الجبل الملطخ بالدماء خلف جدار المدينة. من هذه المسافة، ورغم الضباب الكثيف الذي يغطي السماء والضوء الخافت المتسلل إلى هذا العالم، كان بإمكان لوميان رؤية تفاصيل قمة الجبل بوضوح.
كان الجبل مكونًا من الصخور والتربة، ولا يزيد ارتفاعه عن 30 مترًا، لكنه كان يبعث تهديدًا هائلًا. كان اللون على سطحه غير طبيعي، فلا هو بالبني المحمر للصخور ولا للتربة، بل بدا وكأنه صُبغ لاحقًا، مما منحه مظهرًا شريرًا.
“وفقًا لروايات أوروور ومجلات الخوارق، ربما صُبغ بالأحمر بدم البشر…” فكر لوميان وهو يرفع نظره أعلى فأعلى، متطلعًا نحو القمة المغطاة بالضباب الكثيف.
فجأة، هبت ريح غير مرئية أزاحت بعض الضباب، فظهرت القمة في الأفق.
كان هناك عملاق يجلس متربعًا، يبلغ ارتفاعه أربعة إلى خمسة أمتار، وله ثلاثة رؤوس. كان “هو” عاريًا، وتبرز الرؤوس الثلاثة من “عنقه”؛ أحدها يلتفت يسارًا، مجسدًا الغضب والجشع والكراهية في مظهر شرير للغاية، والآخر يتطلع للأمام بتعبير مشوه من الألم والندم، بينما يلتفت الثالث يمينًا بمظهر مقدس وعينين تملؤهما الشفقة.
كان للعملاق ستة أذرع تمتد بزوايا غريبة، وكان جسده بالكامل، بما في ذلك الرؤوس الثلاثة، مكونًا من قطع لحم وأعضاء خُيطت معًا والقيح يتدفق منها في كل مكان. وبشكل خاص، كانت دموع شفافة تشبه الدم تتساقط من الرأس الذي يواجه لوميان.
عند رؤية العملاق، تضاربت أفكار لوميان وسمع صوتًا مرعبًا بدا بعيدًا بلا حدود ولكنه بجانبه تمامًا. شعر وكأن رأسه قد شُق بفأس، واجتاح ألم مبرح عقله، سارقًا منه كل قدرة على التفكير. برزت الأوعية الدموية السميكة والرقيقة على سطح جسده، محمرة لدرجة أنها بدت على وشك الاشتعال.
عندما “استفاق” لوميان من حالته القريبة من الموت، أدرك أنه كان منكمشًا على الأرض، يتدحرج ذهابًا وإيابًا، وكأن ذلك لم يكن كافيًا لتخفيف الألم في جسده. كانت رؤيته ضبابية وملطخة بالدم، وكل ما يراه مشوشًا.
في هذه الحالة، شعر لوميان أن حتى الوحش عديم الجلد يمكنه قتله بسهولة. ومع ذلك، ربما لأن رمز الشوكة السوداء قد تفعّل بالكامل، لم يجرؤ أي “شخص” على دخول هذه المنطقة. أما بالنسبة للعملاق الرابض فوق قمة الجبل الملطخ بالدم، فلم يُعرف إن كان عاجزًا عن المغادرة، أم أنه تأثر برمز الشوكة السوداء فلم يهاجم لوميان الذي كاد يفقد السيطرة.
بعد أن استعاد رباطة جأشه، نهض لوميان ولاحظ أن القميص الكتاني تحت سترته الداكنة قد تلطخ بالدم والعرق. ما الذي كان ذلك بحق الجحيم؟ كلما فكر في الأمر، زاد شعوره بالرعب. بنظرة واحدة فقط، أضاء رمز الشوكة السوداء وكاد يسيطر عليه؛ لقد شكل ذلك تهديدًا أكبر من استخدام قوة “الراقصة”.
لم يجرؤ على تذكر وجه العملاق، بل حاول استنتاج ما يمكنه من الانطباعات المشتتة. هل هو نوع متطور من الوحش ذي الوجوه الثلاثة؟ أم تأثير فاسد محض؟
كانت أوروور محقة، هناك مشاهد لا ينبغي رؤيتها… إنه يحتل قمة الجبل القرمزي، قلب هذا الحلم الخرب… فهل يعني ذلك أنه جزء لا يتجزأ من أسرار الحلم؟
بينما كانت أفكاره تتسابق، أجبر لوميان نفسه على كبح الرغبة في النظر إلى قمة الجبل؛ فلو نظر مرة أخرى، سيكون ذلك بمثابة الموت المؤكد! قرر الانسحاب حاليًا والعودة إلى العالم الحقيقي للتعافي، على أن يستأنف استكشافه في الليل.
عدم قراءة الفصل في مَجَرّة الرِّوايات يحرم المترجم من حقه وتعبه. galaxynovels.com
استدار لوميان مستعدًا للتراجع، عندما لفت انتباهه صوت رنين مفاجئ. ما هذا؟ استحوذ عليه الفضول، فوضع خطة للتسلل للحصول على لمحة. وبالطبع، سيتقدم بحذر شديد دون تهور. انزوى في مبنى نصف منهار يواجه جدار المدينة ليستجمع قواه.
بعد فترة، أدى لوميان مجددًا رقصة التضحية الغامضة. بدا وكأنه يتحول إلى كاهن عظيم لوجود خفي، يرضي ذلك الوجود بحركات تستدعي القوى الطبيعية المحيطة. وعندما شعر بإحساس حارق في صدره، توقف وركز على الصوت المتقطع للطرق.
متجنبًا قمة الجبل وسور المدينة المتهدم، رقص من جديد، فرأى بريقًا برتقاليًا ينبعث من خلال باب خشبي بني محمر نصف مفتوح في “السور”. كان لهب برتقالي متلألئ يضيء خلف ذلك الباب.
“طرق! طرق! طرق!”
كان ظل الشكل الموجود في الغرفة ينعكس على نافذة زجاجية مائلة ومتسخة في الأعلى. بدا بشريًا، لكنه كان نحيفًا جدًا في الضوء الخافت. في تلك اللحظة، رفع الشكل شيئًا يشبه المطرقة وضربه بقوة هائلة.
“دنغ!”
انطلق صدى آخر لاصطدام معدني، واضح ومشؤوم.
حداد؟ هل يوجد حداد في هذه الأطلال؟ هكذا خمن لوميان بناءً على ما رآه. وبثقة في أن رمز الشوكة على صدره لم يختفِ بعد، انحنى وسارع نحو الزجاج، ثم استدار وتطلع إلى الداخل.
رغم أن عيني لوميان لم تلتئما تمامًا ورؤيته لا تزال مشوشة، إلا أنه استطاع تمييز المشهد خلف جدار المدينة. كان الأثاث المحطم والحطام متناثرين في المكان، وفي المنتصف كان هناك موقد مفقود النصف العلوي يحتوي على نار، وفوقه لوحة حديدية جُمعت بشكل غير متناسق.
كان هناك خنجر أسود من القصدير ملقى على اللوحة، طوله ضعف طول الخنجر العادي، وتغطي سطحه نقوش غريبة؛ مجرد النظر إليه جعل لوميان يشعر بالدوار.
“دنغ!”
كان الشكل يطرق الخنجر كحداد ماهر، وأصوات المطرقة تتردد بإيقاع ثابت. كان “هو” يرتدي رداءً أسود، والفساد يغطي جانب وجهه المرئي للوميان، حتى أنه كشف عن العظم في بعض الأماكن.
وحش آخر؟ هل يستكمل ما بدأه عندما كان إنسانًا؟ ذلك الخنجر ليس عاديًا، إنه يحمل شيئًا شريرًا. “أتساءل إن كان قطعة أثرية مختومة أم سلاحًا خارقًا”، فكر لوميان.
كان على بعد أقل من ثلاثة أمتار من “الحداد” المتعفن، لكن الطرف الآخر لم يبدُ أنه اكتشف رمز الشوكة السوداء على صدره، واستمر في طرق الخنجر بصمت. ونظرًا لأن مفعول الرمز كان على وشك الانتهاء، تراجع لوميان وابتعد على أطراف أصابعه عن النافذة. لم يكد يقطع بضع خطوات حتى اختفى الإحساس الحارق في صدره.
في اللحظة التالية، جاء صوت صرير من خلفه. التفت لوميان ورأى الباب المصنوع من الماهوجني يفتح، ليظهر منه “الحداد” ذو العباءة السوداء. كانت هناك أربعة أو خمسة جروح متعفنة على “وجهه” كشفت عن عظامه، ونصف مقلة عينه اليسرى تتدلى من تجويفها؛ بدا وكأنه جثة فارقت الحياة منذ زمن.
كان “هو” يمسك بالمطرقة في يده اليمنى والخنجر الأسود في يده اليسرى، وانعكس ظل لوميان في عينيه الخاليتين من الحياة.
“تبًا!”
لم يستطع لوميان منع نفسه من الشتم، فقد أدرك الموقف على الفور. كان من الواضح أن وحش “الحداد” قد تأثر برمز الشوكة السوداء، لذا استمر في “عمله” بهدوء وهو يطرق الخنجر الخبيث، متظاهرًا بعدم الاكتراث، وعندما اختفى الرمز، أمسك بسلاحه فورًا وخرج ليصطاده.
يا له من وحش ذكي!
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل