تجاوز إلى المحتوى
نقاط فنون القتال: الكمال في ثانية واحدة

الفصل 56 : قلق تشانغ مِنغ

الفصل 56: قلق تشانغ مِنغ

في تلك اللحظة، جلس تشانغ مِنغ وحيدًا في غرفة مظلمة، بالكاد استقرّت قوته بعد اختراقه إلى مرحلة تقوية العظام (البداية)، وهو يتنهد بعمق.

“آه… صحيح أن النقاط العسكرية هنا تُكسب بسرعة، لكن هذا المكان الملعون في النهاية أرض قاحلة، معزولة، لا اتصال فيها ولا أخبار.”

ارتسمت على وجهه ملامح كآبة وهو يتمتم:”أتساءل… كيف حال ذلك الصعلوك دونغفانغ يويمنغ الآن؟ إن حسبت الوقت، فحتى لو كان موهوبًا بشدة، فلن يكون قد تجاوز سوى مرحلة صقل اللحم بالكاد، أليس كذلك؟”

وبمجرد أن خطر اسم “دونغفانغ” في ذهنه، تلألأت في عينيه شرارة حقد دفين!

زمجر في نفسه:”همف! عندما يكدّ ويتعب ليصل إلى مرحلة صقل اللحم، سيأتي حتمًا إلى جبهة صدّ الوحوش، مثل سائر المبتدئين، طالبًا خرق الحدود. وحينها… ما إن يجرؤ على القدوم، سأجعله يعرف ثمن معارضتي! سأجعله يركع أمامي متوسلًا كالكلب!”

كان يتلذذ في خياله بمشهد الانتقام.

لكن فجأة اهتزّت أداة الاتصال المعلّقة على خصره.فتحها، فإذا برسالة من قائده شي لانغ تأمره بالعثور على وافد جديد يُدعى “دونغفانغ ري” ومحاولة اختبار خلفيته.

في اللحظة ذاتها، خفق قلبه بعنف، وانعكس الخوف جليًا على وجهه.

“دونغفانغ ري… أليس هو الوافد الجديد الذي يتحدث عنه الجميع؟! والقائد يريدني أنا أن أستقصي أمره؟”

تلعثم في داخله:”لقد اخترقت بالكاد إلى بداية مرحلة العظام، وقاعدتي ما زالت مهزوزة! ماذا لو كان ذلك الفتى فعلًا قويًا كما يقولون؟ ألن يكون ذهابي لمواجهته مجرد انتحار؟!”

ومع ذلك، لم يجرؤ على العصيان.فـ شي لانغ يتمتع بنفوذ واسع في أطراف حصن الحجر الأسود، وأساليبه قاسية بلا رحمة. بل إن تشانغ مِنغ قد سمع تلميحات عن وجود جنرال مرعب في مرحلة تبادل الدم يحمل اسم “شي”، قيل إنه ذو صلة ما بالقائد. مجرد هذا الاحتمال كان كافيًا ليخمد أي فكرة للتمرّد في صدره.

شتم بين أسنانه:”اللعنة! يا لها من حظ عاثر!”

لكنه في النهاية لم يجد بدًّا من الانصياع.

غير أنه سرعان ما هدّأ نفسه بفكرة:”لا بأس… سأذهب. لكن ليس عليّ أن أقاتله فعلًا! بإمكاني أن أتصرف وكأنها مصادفة، أتقرب منه بلطف، أتبادل معه الحديث، وأستكشف نواياه عرضًا. في النهاية، كلنا نسعى للعيش… ولن يهاجمني من فراغ ما دمت لطيفًا معه، صحيح؟”

ومع هذا التبرير هدأ خوفه قليلًا. رتّب ملابسه، أخذ نفسًا عميقًا، ثم دفع باب الغرفة متجهًا حيث يُحتمل أن يلتقي الهدف.

في غرفة تدريب هادئة، فتحت هونغ شيو عينيها ببطء.

فورًا انبثق من جسدها هالة واسعة وعميقة، أعظم بكثير مما كانت عليه سابقًا. بشرتها ازدادت صفاءً، تكاد تشعّ بضياء باهت ثمين!

ابتسمت بفرح وهي تهمس:”أخيرًا… لقد اخترقت!”

لقد بلغت قوة الفيل التنين!المرحلة الثانية من إتقان صقل اللحم!

بفضل الموارد التي زوّدها بها والدها سرًا، ومعونة طريقة صقل الجسد، تمكنت أخيرًا من اجتياز هذه العقبة المصيرية. قوّتها الآن تضاعفت مرات عديدة عمّا كانت عليه!

لكن فرحتها لم تلبث أن امتزجت بصورة ما ظهرت في ذهنها دون استئذان… صورة شاب بملامح هادئة، يفاجئ الجميع دائمًا بما لا يُتوقع.

تمتمت في قلبها:”لا أدري… كيف حال السيد الشاب دونغفانغ الآن؟”

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تحمل قلقًا خفيًا.

وفجأة، اهتزّ العقد الرقيق المعلّق في عنقها، يتوسطه جوهرة شفافة، متلألئة بوميض خافت يكاد لا يُرى.

مدّت يدها تتحسسه بعاطفة، وملامحها يغشاها حزن شفيف:”أمي…”

ذلك العقد هو الإرث الوحيد الباقي من والدتها الراحلة منذ زمن بعيد. ذكرياتها عنها مشوشة وباهتة؛ كل ما بقي في ذهنها أن أمها كانت فاتنة الجمال، رقيقة الحنان… لكن الحزن كان دائمًا يخيم على ملامحها.

حدّقت طويلاً في الجوهرة، كأن بداخلها مجرّة متلألئة، ما أوحى لها أنها ليست عادية أبدًا.

“لطالما شعرت أن هذه الجوهرة غريبة…” فكّرت.”لكنني ارتديتها سنوات طويلة، ولم أرَ لها أثرًا سوى أنها تهتز أحيانًا حين تعصف بي مشاعر قوية…”

زفرت بعمق، وأخفت العقد مجددًا داخل ثوبها، محاولة كبح خواطرها.

في تلك اللحظة، دوّى وقع خطوات ثابتة خلف باب الحجر.

وما لبث أن انفتح، ليظهر رجل ضخم عريض المنكبين، يرتدي درعًا قانيًا، وجهه مهيب تعلوه لحية حمراء كثيفة. في عينيه اختلط القلق بالطمأنينة، وتسلل إليهما أيضًا شيء من الذنب.

إنه والدها، الجنرال لي يو، أحد أعمدة حصن الحجر الأسود الثلاثة، المشهور بـ الجنرال ذو اللحية القرمزية.

لكن ما إن رأته، حتى انطفأت فرحة هونغ شيو، وحلّت مكانها نظرة جفاء ونفور، وأدارت وجهها بعيدًا عنه بلا اكتراث.

ارتجف قلب لي يو، وغصّ حلقه بكلمات لم تخرج. لم يملك سوى أن يزفر بحسرة، مدركًا أن جدار الجفاء بينه وبين ابنته لا يمكن أن ينهار بيوم وليلة.

رمق ظهرها نظرة أخيرة، ثم استدار وغادر بصمت.

في قلبه، تسلّل مرارة عميقة:”هل أخبرها بالحقيقة؟ هل أقول لها… أن والدتها ما زالت حيّة؟”

لقد راودته هذه الفكرة مرارًا، لكنه لم يجرؤ يومًا على البوح بها.”حتى لو علمت… ماذا بعد؟ لن تجني سوى ألم الاشتياق…”

قبض قبضته، متأملًا قوته في مرحلة تبادل الدم.قوة يراها الآخرون عظمةً تكفي لحراسة الحدود… لكنها أمام القوى العظمى في هذا العالم، ليست إلا ضآلة كذرة!

وبينما هو غارق في أفكاره، صادفه رجل آخر، مهيب الطلعة بدروع لامعة، غير أن وجهه متجهم قاتم. كان هو الجنرال شي جينيويه، أحد قادة الحصن الثلاثة أيضًا، وعمّ القائد شي لانغ بالاسم. ورغم بُعد القرابة، لطالما اتخذ شي لانغ هذه الصلة ذريعة للنفوذ.

حيّاه بابتسامة متكلّفة:”الجنرال لي، لعلّك بخير.”

لكن لي يو لم يبادله سوى إيماءة باردة، وواصل طريقه دون أن يتوقف.

تصلّبت ابتسامة شي جينيويه على وجهه، وتحوّلت إلى ظلّ غيظٍ دفين.فطالما كان لي يو أرفع مقامًا وأقوى بأسًا، الأمر الذي ترك في قلبه غصّة لا تهدأ، مع علمه أنه لا يملك القدرة على تغيير هذه الحقيقة.

التالي
56/710 7.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.