تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 300 : الكاتب العظيم

الفصل 300: الكاتب العظيم

كان تنفيذ عملية اغتيال في مدينة القراصنة، وخصوصا ضد مالك منزل الغيشا ناغانو-يا، كفيلا بجلب متاعب خطيرة

ففي النهاية، كان ذلك أحد القوى المحلية في مدينة القراصنة

وذلك الذي يلقب بـ “سيف الشيطان” ياتشي لم يكن ضعيفا، ناهيك عن أنه كان يمثل أمة ناسك الجبل

كما خمن سو لون أن هذا هو على الأرجح سبب عدم رغبة كيانتياو في التورط بنفسها

ومع ذلك، قد تكون هناك أوضاع أكثر تعقيدا متداخلة في الأمر

كان سو لون قد عرف سرا بعد انتزاع روح “السايكلوبس” سوك، وهو أن “العجوز الروني” لم يكن من أبناء أمة ناسك الجبل، بل كان منشقا من روينغ

كانت تلك هي المشكلة

لماذا يصبح غريبا شخصا أقوى من الدايميو في أمة ناسك الجبل؟

إن شيئا مثل منزل الغيشا، وهو أحد أهم قنوات تدفق المال، كان في يد ابن العجوز، وهذا أمر محير جدا، ولعل القصة الخفية وراء ذلك هي سبب تردد الغيشا كويكي الشديد في الحديث عنه

اندلعت معركة مفاجئة داخل منزل الغيشا، واندفع عدد كبير من ساموراي أمة ناسك الجبل إلى المبنى

لكن للأسف، قبل أن يتمكنوا من الاقتحام، كان ميدان القتال قد انتقل إلى مكان آخر

وبعد أن فتشوا في كل اتجاه ولم يجدوا أحدا، لم يجد الساموراي أمامهم إلا أن يتركوا الأمر دون نتيجة

ومع هذه الضجة، صار من الطبيعي ألا تستمر مراسم الشاي ورقصات السيوف

كما فهمت مدام بيت اللهو مشاعر الناس وأعفت جميع الضيوف من المصاريف

لكن سو لون ما زال يدفع الإكرامية التي اعتاد أن يقدمها إلى كويكي

قد تبدو غيشا أمة ناسك الجبل براقة من الخارج، لكن حياتهن ليست بالضرورة جيدة

وبعد وقت قصير، كانت كويكي، وهي ترتدي حذاءها الخشبي التقليدي، ترافق سو لون إلى خارج منزل الغيشا

وعند بستان أزهار الكرز قالا وداعا أخيرا

نظرت إلى سو لون وملامحها مليئة بابتسامات رقيقة، وسألت بأدب: “سيدي، هل ستأتي مرة أخرى في المرة القادمة؟”

ومع صدق طريقتها، بدا من الصعب على أي شخص أن يحتمل قول كلمة واحدة هي “لا”

ابتسم سو لون وفكر أن العودة ستكون جميلة عندما تتاح له الفرصة، فأجاب: “سأعود إن سنحت الفرصة”

“ممم”

أومأت كويكي ولم تقل شيئا بعد ذلك

الإلحاح هدفه أن يترك شوقا لا عبئا، والقدر المناسب هو الأفضل

خطر ببالها شيء، فابتسمت ابتسامة حلوة وقالت: “لم تقابل كويكي من قبل شخصا استثنائيا مثلك يا سيدي…”

لم يستطع سو لون أن يلتقط أي تصنع في نبرتها، فرد بابتسامة مهذبة: “وأنا أيضا استمتعت بصحبة الآنسة كويكي كثيرا”

وعند سماع ذلك، انتشرت ابتسامة فرح على وجه كويكي وهي تنحني بانسياب: “سيدي، هذا أروع مديح تلقيته في حياتي…”

وعندما كان سو لون على وشك المغادرة، ترددت كويكي لحظة، وصارت أكثر خجلا قليلا، ولأول مرة هذا المساء لم يكن صوتها بالنعومة المعتادة: “إذا… أراد سيدي أن يبقى الليلة… فهذا ممكن أيضا”

“سأعتذر اليوم”

رفع سو لون حاجبيه مبتسما، ولم يدرك إلا حينها أنها لاحظت حقا شيئا مختلفا فيه

لم يكن شديد الانضباط، لكنه لم يرد أن يجعل الأمر شيئا استثنائيا

فقرصان عادي لا يحق له المبيت في منزل غيشا

الحذر دائما هو القرار الصائب

وعند سماع رده، لم تلح كويكي، وظهر في عينيها وميض ندم وهي تنحني مودعة: “اعتن بنفسك يا سيدي”

وهو يشعر بالانتعاش، خرج سو لون من منزل الغيشا كأن روحه قد تطهرت، فغسلت عنه ضيق أيامه الطويلة وهو تائه في البحر

كان يسير مرة أخرى في شوارع مدينة القراصنة

كانت القلعة شاسعة، وشوارعها متعرجة وعميقة، وأماكن الترفيه فيها كثيرة إلى حد أن زيارتها كلها قد تحتاج أسابيع، ناهيك عن الجزر المحيطة والمباني العائمة، ولكل منها طابعها الخاص، لقد طورت هذه المدينة صناعة الترفيه إلى أقصى حد

ولولا منظر الأطفال الذين ينقبون في صناديق القمامة بحثا عن طعام، والمتسولين الهزال الذين بالكاد يرتدون شيئا، وجثث القراصنة النتنة في الأزقة… لكانت ضجة مدينة القراصنة تضاهي أكثر المناطق ازدهارا في روينغ

كان سو لون يتجول بهدوء، قاصدا أن يتعرف على مسارات المدينة

مفكرا أنه إن وقع طارئ، فسيكون مستعدا جيدا

كان قد انتزع بعض الذكريات من قبل وسلك الطرق نفسها مرة أخرى، لذا صار يعرف المنطقة معرفة لا بأس بها

وبعد نحو ساعة، تلقى أخيرا اتصالا من كيانتياو

كانت تلك المرأة المهووسة بالمقامرة ما تزال غامضة بشأن ما تفعله، لكنها كشفت عن خططها للذهاب إلى أمة ناسك الجبل

كان لدى سو لون بعض التخمينات، لكنه ما دام لم يقل شيئا، فلم يسأل أكثر

ما دامت بخير، فهذا هو المهم

وبما أنه قضى وقتا طويلا على السفينة ولم يكن يشعر بتعب كبير، واصل سو لون التجول في المدينة لبعض الوقت

وعندما وصل إلى شارع المقامرة، صادف أيضا بعض رفاقه القراصنة من السفينة نفسها في الطريق

كان أولئك قد خرجوا للتو من أحياء اللهو وما زال معهم بعض المال، فقرروا أن يقامروا قليلا

قالوا إنهم ذاهبون إلى حلبة القتال، فاتبعهم سو لون

لكل من دول القارة الشمالية الأربع خصائصها

فكما أن منازل الغيشا سمة من سمات أمة ناسك الجبل، فإن المصارعين تخصص مشهور في الإمبراطورية الرومانية

أهل الإمبراطورية الرومانية مولعون بالقتال، رجالا ونساء

إنهم يوقرون “سيد الحرب” وعددا من الحكام القدماء الذين يمثلون القوة والشجاعة، ولدى الجميع طباع تميل إلى الروح القتالية والتنافس، ويعد الموت في حلبة القتال شرفا، ويقال إن البلاد تملك كثيرا من نقوش تقنيات الحرب القديمة، حتى إن قردا لو شاهدها طويلا لأتقن مهارات قتال متعددة

وبسبب هذا التقليد، تعد الإمبراطورية الرومانية أقوى قاعدة تدريب للمصارعين، وتصدر أعدادا كبيرة منهم، وحتى كثير من تجار العبيد من الإمبراطوريتين العظيمتين يرسلون الناس إلى هنا للتدريب

كان بعض من حول أليك باريت، مثل لولوتا وغيرهما، قد تدربوا سابقا في حلبة الإمبراطورية الرومانية ثم أرسلوا إلى لينغتون ليؤدوا للنبلاء بوصفهم مصارعين عبيدا

وبعد مشاهدة عدة نزالات، رأى سو لون مصارعين حقيقيين

ورغم أن الحكام الذين كان يوقرهم أهل الإمبراطورية الرومانية يبدو أنهم سقطوا، فقد توارثوا بعض أنظمة القوة الغامضة، وهذا منح المصارعين، حتى دون اتباع نظام الخيمياء، قوة قتالية مرهوبة تقارب قوة الوحوش السحرية

مكثت المجموعة في حلبة القتال حتى وقت متأخر من الليل، بعضهم خسر وبعضهم ربح

الذين ربحوا المال ذهبوا إلى الحمامات ليستمتعوا ببقية الليل، أما الذين خسروا كل مالهم فعادوا إلى السفينة عند الرصيف، محبطين، وناموا في المقصورة

لم يكن سو لون محظوظا جدا ولا سيئ الحظ، فلم يخسر كثيرا ولم يربح كثيرا

وبعد قضاء ما يقارب نصف شهر على سفينة، لم يكن ينوي قضاء الليل في المقصورات الضيقة ذات الرائحة الكريهة

لذا وجد فندقا في المدينة لينام نوما جيدا

في اليوم التالي كان الطقس جميلا

فتح سو لون عينيه بعد التأمل

خارج نافذة الفندق كان منظر مدينة القراصنة واضحا بلا عائق، ونسيم البحر يلامس وجهه برفق، ومشهد الجزيرة جميل مع تموجات متلألئة، إنه منظر يخطف الأنفاس حقا

لكن المدينة الذهبية في النهار كانت كجمال بلا لمسة تجميل، ما زالت جذابة، لكنها تفتقر إلى السحر اللامع

وبالنسبة لقرصان تابع، كان يوما عاديا لا يلفت الانتباه

القراصنة الأثرياء ينامون نهارا في أحضان اللهو، أو يذهبون إلى الحانات وصالات المقامرة للتسلية

ومن لا يملك المال ينام نهارا في مقصورة السفينة

لم يكن سو لون متفرغا للكسل، غادر الفندق، وبدل ثيابه، وواصل التجول في المدينة

في مدينة القراصنة كانت هناك متاجر كثيرة لا تفتح إلا نهارا

كان سو لون يعرف أن مدينة القراصنة شهدت تدفقا كبيرا لمعدات مافا الميكانيكية وأشياء من لينغتون القديمة، لذا خطط لتفقد متاجر التحف الراقية ليرى إن كان يستطيع العثور على كنوز

وليرى أيضا إن كانت هناك اكتشافات أخرى جيدة

مدينة القراصنة لا تفتقر أبدا إلى الأشياء الممتازة

وباتباع الاتجاه الذي يتذكره، عبر سو لون عدة جسور مغطاة، ثم ركب ممرا حباليا متهالكا إلى سوق قراصنة صخري بجانب المدينة الذهبية

كان يسمى “سوق صدفة قوس قزح”

كان هذا المكان يشبه إلى حد ما السوق السوداء تحت الأرض في لينغتون القديمة، حيث ترتكز المباني على أعمدة خشبية ملاصقة للجروف الصخرية فتبدو كمنازل مرتفعة على ركائز، وكانت الأسطح ملونة كأنها فطريات متعددة الألوان تنبت على الصخور

كانت السوق السوداء التي زارها سو لون بالأمس سوق تجارة بالجملة، أما هذا المكان فكان أقرب إلى سوق خردة

كانت هناك أكشاك ومحلات تبيع كل أنواع الأشياء الغريبة والعجيبة

وكانت هناك متاجر راقية تبيع أدوات خيمياء عالية المستوى

كانت الكنوز التي انتشلت من قاع البحر، أو استخرجت من الأطلال، أو سلبت، تتجمع في الغالب في هذا السوق

ما دام المرء يملك المال، فيمكنه دائما أن يعود محملا بالبضائع

الذين يتجولون في سوق القراصنة نهارا كانوا في الغالب تجارا محترفين بين القراصنة

حتى غير القراصنة، مثل الوسطاء من بعض المناطق الرمادية في لينغتون، كانوا حاضرين أيضا

يبدو القراصنة كعصابة لصوص فوضوية، لكن في الحقيقة كانت بعض جماعات القراصنة تمول سرا من قوى كبيرة في لينغتون، شبكات تجسس ملكية، وجماعات قراصنة تجارية تقمع المنافسين، وحتى جماعات مغامرين يمولها النبلاء…

كان الجميع يفهم ذلك من دون كلام، ولهذا لم تمح هذه الفصائل عبر السنين بل كبرت أكثر

كانت الأشياء المسلوبة تعاد إلى لينغتون عبر هذه القنوات الرمادية

وبينما كان سو لون ينتقل من متجر إلى آخر، وجد مفاجآت جميلة

لم يكتف بالعثور على بعض المنتجات الميكانيكية الجاهزة، بل وجد أيضا كثيرا من أدوات بحث بمستوى المختبر، القراصنة يتبنون الأشياء ولا يكادون يملكون قدرات بحث وتطوير، ولهذا كانت تلك الأجهزة الدقيقة بالنسبة لهم شبه خردة تجمع الغبار في المتاجر، وتمكن سو لون من شراء هذه الكنوز الحقيقية بأسعار مناسبة جدا، وهي أشياء لا يمكن شراؤها حتى بالمال

ومن حسن حظه أيضا أنه لم يصل متأخرا إلى مدينة القراصنة، فلو تأخر سنة أخرى أو نحو ذلك لربما تدفقت تلك الأشياء كلها إلى الإمبراطوريتين العظيمتين

لكن ما إن بدأ يشتري حتى صار المال ينقص قليلا

باع سو لون غنائم الحرب التي جمعها سابقا، ورغم أن السعر كان منخفضا قليلا، فإن مبادلتها بأشياء يحتاجها عاجلا كانت تستحق

واصل سو لون التجول حتى وصل إلى متجر اسمه “مسكن الطيور الثلاث”

لا تنسَ ذكر الله وأنت تنتقل بين الصفحات galaxynovels.com

كان متجرا متخصصا من أمة ناسك الجبل يبيع السيوف ودروع الساموراي وأنواعا من الأشياء غير المألوفة

كانت دمية الطقس المعلقة عند المدخل تتأرجح برفق، وبعد أن ألقى سو لون نظرة عليها دخل

كان صاحب المتجر رجلا في منتصف العمر يرتدي كيمونو ويتحلى بأدب نمطي لأهل أمة ناسك الجبل، وما إن رأى زبونا حتى انحنى باحترام وقال: “مرحبا بك في متجري المتواضع”

أومأ سو لون ونظر إلى البضائع المعروضة في الواجهة الزجاجية

تصنع السيوف الشهيرة في أمة ناسك الجبل، وكان كثير منها معروضا بوضوح في أنحاء المتجر

كان المالك متوسط العمر يمسك بسيف طويل ويعرف به قائلا: “هل ترغب في شراء سيف يا سيدي؟ هذا هو ’وادي الجيل الثالث’ من صنع سيد الصياغة كوروساوا، إنه نصل نادر ورائع حقا…”

كان النصل يلمع ببرودة، وحِدته واضحة للعين، وهو بالفعل قطعة ممتازة

لكن سو لون لم يكن مبارزا بالسيف، لذا لم يكن لهذا السيف فائدة كبيرة لديه

إن استخدمه على الدمى فالجودة الضعيفة لا تكفي، والجودة العالية تبذير مبالغ فيه

تذكر “حارس المزار ذو نقش الأقحوان” الذي رآه في اليوم السابق وسأل عرضا: “هل لديكم سيوف من الحرفيين الاثني عشر؟”

ضحك المالك متوسط العمر وقال: “لا بد أنك تمزح يا سيدي، تلك سيوف مشهورة، وبطبيعة الحال لا يملكها متجر صغير مثل متجرنا، بل يمكن القول إن أي متجر لا يملكها”

ثم نظر إلى سو لون الذي لم يبد أنه يمزح، فضحك مرة أخرى: “يبدو أن لديك معايير عالية جدا للسلاح، لكن للأسف، بحسب علمي، لا تبقى سوى أربعة سيوف من الحرفيين الاثني عشر، وكلها في أيدي مبارزين شديدي القوة…”

هز سو لون كتفيه بلا حماس، وفكر أنه إن استطاع شراء واحد فلن تكون فكرة سيئة أن يهديه إلى سينجو

لقد اعتنت به تلك المرأة المهووسة بالمقامرة جيدا، ومن اللائق أن يقدم لها هدية

ثم بدأ المالك يقدم سائر بضائع المتجر: “سيدي، هل تود النظر إلى أشياء أخرى؟”

كان المتجر أقرب إلى متجر تحف، وفي الواجهة الزجاجية كانت هناك أشياء قديمة وكثيرة العتق

الدرع الذي ارتداه هاتوري، الجنرال الأكبر في أمة ناسك الجبل، عندما مات في المعركة، وجرّة سوداء بغطاء مختوم يزعم أنها “ساكي ممضوغ بالفم” صنعته خادمات المزار، و”قناع التنغو العظيم” الذي يقال إنه يستدعي وحوشا ويجعل كل الأرواح الشريرة تهرب، وتعويذات…

كانت الأشياء جميلة، وقد قدرها سو لون فوجد أن معظمها يحمل بالفعل تأثيرات خاصة

لكنها لم تكن نافعة كثيرا لسو لون

في تلك اللحظة، لاحظ سو لون بعض المخطوطات القديمة في زاوية المتجر وسأل: “هل لديكم وثائق عن أساطير الوحوش؟”

أجاب صاحب المتجر: “نعم لدينا، أما قصص الوحوش، ففي المئة سنة الأخيرة لا أحد أفضل من الكاتب العظيم فوجيوارا هاياتو وكتابه ’حكاية خرافية’، وبالصدفة جمعت عددا من مخطوطاته، هل أعرضها عليك؟”

أومأ سو لون

كانت الوحوش منتشرة في أمة ناسك الجبل، وهي ليست مثل الوحوش السحرية أو الوحوش المتحولة، بل وجود خاص جدا

وكان مهتما حقا بمعرفة المزيد

وبينما كان صاحب المتجر يبحث على الرفوف، رن جرس الريح عند الباب فجأة، معلنا وصول زبائن آخرين

كان من الطبيعي أن يدخل زبائن ما دام المتجر مفتوحا

لكن سو لون أحس بشيء في هؤلاء الناس فعقد حاجبيه قليلا

كانت مجموعة من سبعة أشخاص، بقي خمسة عند الباب ودخل اثنان إلى المتجر، وكلهم يرتدون عباءات خيميائية تخفي وجوههم

كان هذا الترتيب يبدو كأنه حاشية شخصية كبيرة

وفوق ذلك، وفي إدراك سو لون، كانت أرواحهم مراوغة وصعبة الفهم

إن لم يكن ذلك بسبب تشويش أدوات ملعونة من رتبة عالية، فلابد أنهم محترفون أقوياء من رتبة عالية جدا

وفي الحالتين، لم يبد أنهم من النوع الذي تريد استفزازه

“ما خلفية هؤلاء؟ لو كانوا قراصنة كبارا لما احتاجوا لإخفاء هوياتهم بهذه الدرجة”

تمتم سو لون، ولم يظهر أي علامة شك، متصرفا كزبون عادي يتفحص الأشياء في الواجهة

“يا صاحب المتجر، هل لديك مخطوطات لغوستاف؟”

كان صوت المتكلم يبدو كصوت امرأة عجوز، ونبرتها لطيفة جدا

بدت الحيرة على صاحب المتجر: “غوستاف؟”

قالت العجوز: “ربما هو اسم آخر، ويعرف باسم ’فوجيوارا هاياتو’”

وبفهم مفاجئ ولمحة سرور، أجاب صاحب المتجر: “آه، بالطبع لدينا، كنت على وشك عرضها على ذلك الزبون، ربما يملك متجري أشمل مجموعة من مخطوطات السيد فوجيوارا”

وعندما رأت العجوز المخطوطات لم تسأل حتى عن السعر وقالت: “إن لم تمانع، أود شراءها كلها”

بدا صاحب المتجر مترددا بعض الشيء، ونظر إلى سو لون ثم سأل: “سيدي، ما رأيك؟ فأنت أول من طلب رؤيتها”

ألقى سو لون نظرة عليها وأظهر عدم اهتمام: “بالطبع لا أمانع”

كانت المخطوطات مصنفة كـ “مخطوطات عادية” بلا أي تأثيرات خاصة، ولم يكن ضروريا شراء الأصول

بالنسبة إلى سو لون الذي يريد فقط فهم عادات أمة ناسك الجبل، كانت نسخة منسوخة تكفي

وفوق ذلك، كانت أعمال الكاتب العظيم باهظة بشكل مبالغ فيه، تكاد تساوي سعر “مخطوطة خيمياء إسحاق”

وبعد أن سمع السعر، تأكد سو لون أنه لن يهدر ماله على نفقة لا معنى لها

لكن العجوز لم تساوم أبدا، وأنفقت قرابة 10,000,000 ليراث لشراء تلك المخطوطات

غادرت المجموعة بعد الشراء وطرح بضعة أسئلة لا تتعلق إلا بالكاتب العظيم “فوجيوارا هاياتو”، ثم لم تجد شيئا آخر ورحلت

عاد المتجر إلى الهدوء مرة أخرى

كان الزوار القلائل قد دخلوا فجأة وغادروا بالسرعة نفسها

بقي سو لون عند المنضدة يهمس: “جاؤوا من أجل الجمع ربما؟ تبدو كعائلة نبيلة كبيرة…”

بعض الناس يمكن تمييز رقيهم فورا من نبرة صوتهم وحدها

لم تتحدث العجوز كثيرا، لكن سو لون استطاع أن يدرك أن خلفيتها ليست بسيطة أبدا، ثم إن القرصان لا يرمي هذا المبلغ على بضعة مخطوطات من باب المباهاة

وفوق ذلك، لم يستطع سو لون أن يجزم إن كان هذا مجرد وهم، لكن عندما غادروا، هل ألقى مرافق العجوز نظرة إضافية عليه؟

قضى سو لون معظم اليوم يتجول في مدينة الأصداف وجمع حصيلة جيدة

ثم عاد إلى المدينة الذهبية، وبنفس حسن الحظ المعتاد، كانت المواد التي حجزها في الليلة السابقة لدى “متجر مواد السحر للأخت أتانغ” قد جرى تجهيزها مسبقا

وبعد أن دفع المبلغ المتبقي، حصل على المواد التي ملأت أكثر من عشرة خواتم تخزين

كان سو لون ينوي أخذ المواد إلى الفندق لصنع دمى جديدة مثيرة للاهتمام، لكنه رأى أن الوقت ما زال مبكرا، فمر بالصدفة قرب متجر عرفه

كان كوخا صغيرا وعليه لافتة تقول “عرافة سيد البحر”

كانت تعيش هناك ساحرة قادرة على العرافة، وكانت أيضا واحدة من أكثر تجار المعلومات اطلاعا في مدينة القراصنة

رفع سو لون الستارة المختومة بالسحر ودخل

كان المصباح السحري خافتا ورماديا، ورأى امرأة سمراء تعبث بأوراق التاروت وتستخدمها للعرافة، وعلى وجهها بعض قشور السمك، ويقال إنها مزيج بين البشر وقوم السمك

كان القراصنة يطلقون عليها “الجمال الأسود” أماليس

وما إن دخل سو لون حتى بدأت تتمتم: “تخبرني العرافة أن زائرا مميزا جدا سيأتي اليوم”

لم يأخذ سو لون الأمر بجدية، فهذه مجرد عبارات مهنية تقال لكل من يدخل

دخل في الموضوع مباشرة: “أريد الاستفسار عن بعض الأخبار”

عند سماع ذلك، عرفت أماليس أنها أمام شخص يفهم، فتركت أسلوبها المعتاد المخصص للخداع

“هل سمعت عن ’السايكلوبس’؟”

“أبحث عن معلومات حول كأس مكرم، يقال إنه جاء من قبيلة غير بشرية…”

“هل سمعت عن ’عملات سام الأسود الذهبية الملعونة’؟”

“أبحث عن مواد مكانية متقدمة، هل لديك توصيات؟”

“…”

عرض سو لون كل ما يريد الاستفسار عنه، ولم يكن أي منها شديد الحساسية

كان يظن أنه سيلقي شبكة واسعة، غير مبال إن حصل على خيط أم لا

لكن على نحو غير متوقع، كانت هذه الجمال الأسود تعرف الكثير فعلا

قالت أماليس مباشرة: “السايكلوبس، في أساطير قومنا البحري، يسكنون جزيرة في أعماق البحر الغربي، لكن ذلك المكان ليس للبشر أن يطؤوه، وحدهم المغامرون العظام الذين لا يخافون الريح والأمواج قد يلمحون الشكل الحقيقي لتلك السلالة الأسطورية، أما ’عملات سام الأسود الذهبية الملعونة’ فأظن أنك تحتاج أن تسأل شخصا يملك واحدة منها، وبخصوص المواد المكانية، سمعت أن هناك شخصا في السوق السوداء يملكها، إن احتجت يمكنني أن أستفسر لك، لكن السعر قد يكون مرتفعا بعض الشيء…”

وبينما كان سو لون يستمع، ازداد فرحه أكثر فأكثر

حقا، الأمور المتخصصة تحتاج إلى أهلها

هؤلاء تجار المعلومات يملكون كثيرا من الأخبار المدهشة

حتى مسؤولي روآن كانت لديهم صفقات سرية لإمدادات عسكرية، فماذا عن القراصنة؟ ما دامت هناك أرباح، فأي “معدات مكانية” مهما كانت سرية ستجد طريقها إلى البيع حتما

قبل أن يأتي إلى مدينة القراصنة، كان سو لون يتوقع أن يجد معلومات عن “معدات الفراغ”

وعندما سأل، اتضح أن ذلك موجود بالفعل

وبعد نقاش قصير، أنفق سو لون 200,000 لينتزع ما يريد من معلومات من فم الجمال الأسود

أما معدات الفراغ، فبعد أن سمع السعر المبالغ فيه، لم يسأل أكثر

إذا تسربت الأخبار فستقل قيمتها تدريجيا

والآن بعد أن انضم إلى أسطول بحر الشمال، فلا عجلة لديه أبدا

مدينة القراصنة كبيرة إن قلت إنها كبيرة

وهي أيضا صغيرة إن قلت إنها صغيرة

فعلى سبيل المثال، عندما يتعلق الأمر ببيع المواد، لا يوجد إلا عدد محدود من الأسواق الكبرى

وبالصدفة، بينما كان سو لون يستفسر في متجر العرافة، اندلعت ضجة في السوق السوداء مع أصوات قتال

عادة، شجار أو تبادل نار بين القراصنة ليس شيئا غريبا، لكن عندما خرج سو لون ليرى ما يحدث، لفت نظره أحد المتقاتلين، شخص رآه من قبل

كان الرجل الذي فقد ذراعا هو نفسه قائد جيش حكم روآن المكرم الذي رآه في الوادي الملعون، “الوحش الشرس” أليك باريت

“كيف جاء هذا الرجل إلى مدينة القراصنة؟”

وعندما رأى سو لون الخدوش على رتبة باريت العسكرية، تفاجأ أيضا

كانت علامة الفرار من الخدمة

التالي
300/596 50.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.