الفصل 332 : استجداء الحكام، معبد سينسو-جي، إيزانامي
الفصل 332: استجداء الحكام، معبد سينسو-جي، إيزانامي
كان سو لون قد قرأ سابقا في الحوليات بعض الأساطير التي تقول إن العالم السفلي هو المأوى الأخير للموتى
لذلك فإن الأشباح في الظروف العادية لا “تموت”
حتى لو قُتلت فإنها لن تفقد إلا جزءا من زراعتها الروحية، ثم تولد من جديد، وتُعاد تكثيف أجسادها تحت قوانين خاصة
لكن سو لون شعر أيضا أن هذا هو الوضع العام فقط
عند التعامل مع أنواع مختلفة من الأشباح الماهرة في الإحياء، كانت قدراته هي الترياق المناسب تماما
إذا انتُزع جزء من شظايا الروح فهناك احتمال كبير ألا يحدث أي بعث
نزع سو لون ضباب الروح من شوتين دوجي بمهارة
“لقد نزعت روح ملك الأشباح للمئة شيطان، شوتين دوجي”
“لقد استوعبت تقنية سرية خاصة لحماية الجسد بتشي العصبة: جسد التدفق الإمبراطوري المتسلط”
“لقد حصلت على معلومة: سيد بلاد يومي إيزانامي هو الكائن الأعلى…”
“أنت الآن على علم بـ: بعض تاريخ العالم السفلي…”
“الطاقة الروحية +…”
“…”
وبما أن الخيمياء والشياطين ليسا من نظام واحد، لم يختر أن ينزع بعض بصائر الزراعة الروحية، لكنه أراد أن يفهم العالم السفلي عبر هذه القناة ليجد مخرجا
كانت المعلومات التي حصل عليها كبيرة فعلا
كلمات مفتاحية: سيد بلاد يومي، إيزانامي؟
شعر سو لون بشكل غامض أنه ربما عثر على مفتاح كسر المأزق
تجلّى كثير من “الحكام” في هذا الفضاء الملعون، لكن في قلب شوتين دوجي، وهو شيطان عظيم بهذا المستوى، لم يكن هناك إلا كائن أعلى واحد فوق الجميع، وذلك هو إيزانامي
لم يعرف سو لون هل هي نفسها المذكورة في الأساطير
ففي النهاية تلك “السيدة الأم العظمى” أقدم حتى من أماتيراسو أومي كامي
سيد حقيقي بالفعل
لا يستطيع أي فاني أن يصف الحكام، لذلك سُمّوا “غير قابلين للوصف”
لذلك شعر سو لون أيضا أنها لن تظهر في هذا الفضاء الملعون
إن نزع الذكريات يبعثر جزءا صغيرا من الروح، وكان سو لون في الأصل فضوليا بشأن سبب عدم قطع منجله الأسود للهدف بسلاسة من المرة الأولى، فانتزع بلا اكتراث تقنية تدريب أفقية أخرى، جسد التدفق الإمبراطوري المتسلط، من الطفل الشبح
وعند الفحص عرف أنه إلى جانب قوة جسد الكائن الفطرية، فإن العامل الأهم كان تقنية دقيقة لاستخدام “التشي” لحماية الجسد
عند النزع كان الأمر مفاجأة سارة
كانت مهارة متقدمة جدا وعميقة الفهم، وما تزال خارج نطاق معرفة سو لون المتاحة
في الظروف العادية هذا مجال لا يستكشفه إلا محترف من الرتبة السادسة
لم يستطع سو لون استخدامها
لأن “تشيه” لم يصل بعد إلى المستوى اللازم لتفعيل هذه التقنية السرية
تكثيف تشي شيطاني يقارب تشي العصبة يقارب تشي متسلط؟
ولأن السيد جينغ كان يقول دائما إن “التشي” مفتاح للتقدم إلى مستويات أعلى في المسارات المهنية، استطاع سو لون أن يفهم جزءا منه بشكل غامض
رغم اختلاف الحوامل، بدا أن الجوهر واحد
لكن الآن كان “تشيه” مثل ضباب رقيق يتبدد عند أقل لمسة
وفي تلك التقنية السرية يجب أن يكون “التشي” صلبا كالفولاذ ولا يتبعثر مطلقا، كأنه إتقان كامل للتحكم في انتقالات الحالات الثلاث للمعدن: صلب، سائل، وغاز
صعب للغاية
وفي المستقبل، حالما يتقن “التشي المتسلط”، بدت التقنية السرية قابلة للاستخدام
وعندها ستصبح “جسد فاجرا الطاغية الروني”، وتبدو كقدرة بقاء جيدة جدا؟
مرّت أفكار كثيرة في ذهن سو لون، لكنه لم يتوقف عندها
لأن شيئا أغرب حدث أمام عينيه في تلك اللحظة
تحول جسد شوتين دوجي فجأة إلى خيوط بعد خيوط من تشي أسود، وامتصه جسده
لا
بل أدق من ذلك
لقد امتصه ظل الموت خلف سو لون
….
كيانتياو التي كانت قريبة شهدت هذا الحدث الغريب أيضا، وقبل أن تعالج فوران تشيها الخاص صاحت بحدة: “سو لون، هل أنت بخير؟”
عرف سو لون أنها قلقة عليه، فهز رأسه نافيا
لأنه هو أيضا شعر بوضوح أن ظل الموت يمتص نوعا من الطاقة جعله يشعر بنشوة شديدة جدا جدا
حددت العين البصيرة في لمحة واحدة أن التشي الأسود المنبعث من الجثة هو “تشي شيطاني ممزوج بقوة الإيمان”
“هذا التشي الأسود يستطيع فعلا أن يثبّت ظل الموت؟”
شعر سو لون بالصدمة والفرح معا في قلبه
كان قد خمن سابقا أن كائنات أمة ناسك الجبل هي أجساد من الإيمان الجماعي، واتضح أن الأمر كذلك فعلا
لكن ما لم يتوقعه هو أن التشي الشيطاني المشبع بالإيمان هو في جوهره من نفس طبيعة ظل الموت
وفي لحظة حديثهما شاهدا جثة شوتين دوجي المقطوعة الرأس تُمتص بالكامل وتختفي عن الأنظار
وفي تلك اللحظة أو اللحظتين شعر سو لون أيضا بتغير هائل بوضوح
أصبح ظل الموت أكثر صلابة بشكل مرئي
كان الوجه تحت عباءة الموت ضبابيا تماما من قبل، أما الآن فصارت ملامح الوجه تُرى بخفوت، وعند التدقيق، رغم أن التفاصيل غير واضحة، كان المخطط العام يشبه سو لون نفسه بشكل غامض
وفوق ذلك كانت التغيرات الخارجية أمرا ثانويا
شعر سو لون بقوة أن فهمه لقوانين الموت وبعض القدرات غير القابلة للوصف قد ازداد بشكل هائل
قدّر أنه لو حاول أن يستوعب قوانين الموت بنفسه بشكل طبيعي، فلن يرى هذا القدر من التقدم في خمس سنوات، أو حتى عشر سنوات
“قوي جدا!”
لمع بريق في عيني سو لون ولم يستطع إخفاء دهشته: “مثل هذه الشياطين المشبعة بالإيمان… يمكنها أن تعزز مباشرة فهم ظل الموت!”
القدرات الفطرية غالبا لا تقوى إلا عبر الاستيعاب الذاتي، لكن لأنه سُحب إلى هذا الفضاء الملعون، اكتشف طريقا مختصرا
أن تستيقظ موهبة بتصنيف فائق أمر نادر أصلا، أما التقدم أكثر وتطوير القدرات فيحتاج إلى الزمن وحسن الحظ معا، مثلما اضطر سو لون أن يموت مرة ليوقظ المرحلة الثانية من موهبته، والآن كان تطور قدرته يزحف كحلزون، بزيادات مثل 0.001%، 0.002%، 0.003%…
لكن الآن حدثت قفزة كاملة بمقدار 1%
أظهر ذلك لسو لون أن نافذة قد فُتحت، وأن عالما جديدا بالكامل يقف أمامه
“إذا استمر هذا النمو، فبعد استيقاظ المرحلة الثانية من الموهبة، هل يمكن أن تكون هناك مرحلة ثالثة؟”
ومع ذلك شعر سو لون بوضوح أن الطاقة الشيطانية الممتصة غير نقية، وفيها خيط من طاقة سلبية
كانت تلك قوة شيطانية
لم يكن تأثيرها السلبي على الجسد ولا على الطاقة الروحية، لكنها جعلت هيبته كلها موحشة قليلا
لكن مقارنة بالمكاسب، كان هذا الأثر الجانبي البسيط لا يُذكر
….
بعد قتل شوتين دوجي، اكتشف سو لون فرصة كبيرة مخبأة داخل هذا الموقف البائس، وكأنها نعمة جاءت في ثوب محنة
لكن الآن ليس وقت التفكير في تلك المكاسب
لأن أزمتهم لم تنته، بل صار وضعهم أكثر خطورة
الأرواح الشريرة المحيطة، بعد أن رأت شوتين دوجي يُقتل، تجمدت في أماكنها، وخاصة حين رأت ظل الموت خلف سو لون، كأن الزمن توقف، وتبادل الأشباح النظرات في حيرة، ثم انطلقت صرخة حادة تمزق الأذن، كأنها موجة مد وجزر من العويل، انفجرت من الشوارع القريبة
من دون ردع ملك الأشباح، جنّت تلك الأرواح الصغيرة واندفعت كالسيل
“اهربوا!”
صاح تشيان تياو بحدة، وسحب نصله واندفع للأمام
“نعم!”
لم يجرؤ سو لون على التأخير واستدار ليهرب
لكنه لم يتوقع أنه ما إن تحرك حتى انتشر لهيب لاذع في عضلاته، فتعثّر وكاد يسقط
فهم فورا ما يحدث
إن تفعيل المرحلة الرابعة من حمل الهرمونات الزائد جعل جسده يقاتل وهو مثقل فوق طاقته، فنتجت أضرار هائلة
تمزقات عضلية، كسور عظمية، ورغم أنه لم يمت في مكانه، فإنه كان يحتاج وقتا ليتعافى
لكن هذه الأشباح بالتأكيد لن تمنحه وقتا ليستعيد عافيته
“الجسد وصل إلى حده، أليس كذلك…”
اسودّ وجه سو لون
كانت هذه أول مرة يواجه عدوا مجهولا بهذا العيار، وحتى مع حذره الشديد، كان من المستحيل حساب ضرر الخصم بالكامل
القدرة على قتله كانت مجرد نتيجة مقامرة الاثنين بحياتهما، مع أن الحظ لم يخذلهما
وخاصة ضربة النصل باليد إلى البطن، ورغم أنه حاول تجنب النقاط القاتلة، فإن اندفاع طاقة اللوتس الأحمر الشيطانية جعل دمه وتشيه عنيفين وفوضويين
كان سو لون واعيا جدا أن جسده صار على حافة الانهيار، وعاجزا تماما عن تحمل قتال عنيف أطول
لم يعد الهروب خيارا
بعد أن حلل بسرعة الإيجابيات والسلبيات، كان سو لون حاسما
رأى أشباحا تتدفق من كل الجهات، فبردت نظرته، وأخرج اللفافة لفك ختم بدلة القتال الميكانيكية، واستعد لتمزيقها مفتوحا: “هوف… إنها الوقفة الأخيرة”
كانت بدلة القتال الميكانيكية ذات دفاعات قوية، وتشغيلها في القتال لا يعتمد كثيرا على حالة المستخدم الجسدية، وقد تصمد لبعض الوقت
لكن سو لون كان يعرف أيضا أنه ما إن يدخل البدلة، فلن تكون هناك فرصة للهروب تقريبا
فالبدلة لا تملك قدرة الإزاحة المكانية، وسرعتها ثقيلة بعض الشيء، ومن المستحيل الهروب من المدينة وسط حصار مئات الآلاف من الأشباح
أخرجها فقط لأنه ظن أنه في قتال حتى الموت، ربما يستطيع تشتيت بعض الوحوش ومنح تشيان تياو فرصة ضئيلة للبقاء
لكن في اللحظة التي أخرج فيها اللفافة
التقطت تشيان تياو ذلك بطرف عينها، وبدا أنها خمنت شيئا فورا، فاستدارت بلا تردد لتشق طريقها عائدة بالقتل
كانت سرعة المبارزة بالسيف أسرع حتى من سحب سو لون للّفافة، ومع وميض جسدها، حملت سو لون بسرعة وانفجرت خارجة وهو معها
ورغم أنه كان محمولا، فإن سو لون بصق فمًا من الدم، وهو يتحمل الألم في جسده كله قال بجدية: “الأخت تشيان تياو، لا أستطيع المتابعة، اذهبي أنت أولا!” “…”
حين رأت حالته، ضاقت حدقتا تشيان تياو، وفهمت بوضوح ما يريد قوله
كانت هي أيضا عند حدها، وحمل شخص آخر يعني موتا شبه مؤكد لهما معا
لذلك كان القرار الأكثر عقلانية أن يهرب من يستطيع الهرب
لكنها لم تفكر حتى في ذلك، وصاحت بشراسة: “همف! كلام فارغ!”
عبس سو لون حين سمع هذا
كانا قد وصلا إلى درجة من الألفة تجعلهما يقرآن أفكار بعضهما، وكان يعرف جيدا أن هذه المرأة المقامرة تقودها عواطفها دائما، ولن تهرب وحدها حتى لو كان ذلك يعني الموت
تماما كما اختار هو أن يبقى قبل لحظات
لم يقل سو لون المزيد، واكتفى بأن يستلقي بصمت على كتفها، ويرمي بين حين وآخر بعض القنابل لتخفيف الضغط قليلا
“بوم”، “بوم”، “بوم”…
انفجرت ألعاب القنابل النارية ببريق مبهر في أرجاء المدينة
بل إن سو لون أخرج قنابله الشديدة الانفجار المخفية
للأسف، رغم قوتها، فإن كثيرا من الكائنات الشبحية لم تتأثر بالأسلحة النارية
كانت تشيان تياو تلهث وهي تحرّك سيفها أبطأ فأبطأ، وصارت طاقة السيف أضعف فأضعف…
ازداد وضعهما خطرا مع كل لحظة
….
في الحقيقة، منذ أن اكتشفهما شوتين دوجي كانا في موقف ميؤوس منه
سواء ربحا القتال أم لا، فإن الوقت الذي ضاع، وإغلاق الأشباح المحيطة لكل المخارج، جعلا احتمال الهرب ينهار
حتى في ذروة قوتهما كان الخروج مسألة حظ، أما الآن وهما مصابان، ففكرة الاختراق كانت مجرد خيال
واصلت تشيان تياو قطعها بالسيف الطويل حتى امتلأت رؤيتها بالدم
وعلى كتفها، كان سو لون يحرّك الأصابع الوحيدة التي ما تزال قادرة على الحركة ليصنع بعض الفوضى بقليل من قنابل الدمى
لم يعد أي منهما قادرا حتى على الحفاظ على حالات الموهبة من المستوى الثاني
وفي النهاية واجها وحشا آخر مرعبا بمستوى ملك الشياطين
كان تنغو عظيما بقوة قتال عند قمة المرحلة الخامسة
كان الوحش ذا جناحين على ظهره، وبنية مهيبة مثل ثور إنسان، ووجهه محمر، وكان مبارزا بالسيف أيضا، مزودا بسيوف مشهورة ودرع
حتى في أفضل حالاتها لم تكن تشيان تياو متأكدة أنها ستفوز بسهولة، وفي المواجهة، بعد أن صمدت بصعوبة بضع جولات، قُطعت وأُرسلت طائرة عشرات الأمتار، واصطدمت بكومة من الأنقاض، ولولا حماية الدرع المشهور “حزام الصفائح الخمس المرسوم بحراشف حمراء حديدية”، لكان من المحتمل أن تُشق هي وسو لون نصفين بتلك الضربة
….
وسط الأنقاض، كان خوذتها قد سقطت بتلك الضربة، وتبعثر شعرها الأزرق، وسال الدم من جبينها، فبدت شرسة ومبعثرة
أسندت سيفها إلى الأرض وركعت على ركبة واحدة، وعندها فقط تمكنت من ألا تسقط
كان سو لون بجانبها في حال لا تقل سوءا، وخلال القتال الوحشي تركت تلك الكائنات الشبحية جروحا مختلفة على جسده، ولولا الرونات التي رُسمت سابقا على عظامه وجلده والتي عززت بنيته كثيرا، لكان قد تمزق إلى أشلاء منذ زمن
صار الهرب من بوابة المدينة الجنوبية بلا أمل
وفي هذه اللحظة، ما دخل عيونهما كان أشباحا ووحوشا، مع طاقة روحية سوداء شاهقة تندفع نحو السماء كأنها موجة عاتية، ولو اجتاحتْهما لسُحقا إلى قطع في لحظة
حاولت تشيان تياو أن تنهض للحظة وتندفع، لكن فمًا من الدم اندفع منها
ألقى سو لون نظرة جانبية عليها
قبل لحظات فقط كان يظن أن هناك فرصة، وكانت أعصابه مشدودة جدا
الآن، بعدما استُنفدت كل الخيارات ولم تبقَ فرصة، بدا أنه وصل إلى حالة من التسليم
شعرت تشيان تياو بتلك النظرة أيضا
التقت أعينهما، ولم يكن فيهما يأس ولا حزن، بل ابتسامة فقط
“تشيان تياو، هناك فرصة ضئيلة أن نقتل ذلك”
“أوه؟ فلنجرب إذن”
“نعم”
بعد ذلك الحديث القصير، انهارا كلاهما حيث هما
كان جانب وجه تشيان تياو جميلا، وإن كان حادا قليلا، لكن ذلك مجرد تدقيق زائد
تنهدت وسألت: “سو لون، كان لديك قبل قليل فرصة ضئيلة للهرب، لماذا بقيت؟”
في الحقيقة، أفضل فرصة لنجاة سو لون كانت حين كانت تشيان تياو تصد شوتين دوجي
كان سو لون يلهث بشدة، وأجاب بجدية: “تشيان تياو، لطالما أردت أن أقول إن القتال جنبًا إلى جنب معك شيء كنت أتطلع إليه”
لأول مرة شعر أن الموت ليس… منفرا إلى هذا الحد
حين سمعت ذلك، ارتفعت حاجبا تشيان تياو: “أوه…”
بدت أفكار كثيرة وكأنها اتضحت
كانت أضواء المدينة مثل احمرار شمس تغيب، تجعل وجهيهما يتوهجان بالأحمر، وظهرت على وجهها ابتسامة جميلة جدا أيضا
للأسف، لم يبقَ لهما وقت كثير في الحياة
شعر تنغو العظيم بالخطر، فلم يندفع فورا، بل كان يقترب ببطء
كان سو لون يجمع قوته لضربة أخيرة يائسة، لكن التأخير الحذر جعله يختنق في أنفاسه، فاندفع فم آخر من الدم الطازج
مسح الدم من زاوية فمه، وكشفت شفتاه عن ابتسامة مرة
هذا أقصى ما يستطيع فعله
انتهى الأمر
وفجأة خطرت له فكرة، فاستدار برأسه فجأة: “تشيان تياو، هل يمكنني أن أسألك شيئا؟”
“ماذا؟”
أجابت تشيان تياو دون تفكير
لكنها رأت عيني سو لون تتغيران وفهمت فجأة، ومرّ بريق إدراك في عينيها
خمنت ما سيسأله سو لون، وظهر احمرار خفيف غير مألوف على وجهها المهيب لأول مرة
كانت عينا سو لون ممتلئتين بالمشاكسة وهو يسأل مباشرة: “تشيان تياو، هل أنت حقا عذراء؟”
في نهاية الحياة كان عليهما أن يعثرا على شيء يفرحان به
وبالنسبة له لم يكن هناك سؤال أكثر إضحاكا من هذا
“…”
كما توقعت، كان ذلك السؤال، رمقته تشيان تياو بنظرة لكنها لم تجب
“هاهاها…”
عند رؤية رد فعلها انفجر سو لون ضاحكا
حتى إن شوتين دوجي، رغم كونه شيطانا أسطوريا، كان ذا أنف حاد
فكر سو لون…
إذن الأمر صحيح
وهو يستمع إلى ذلك الضحك المزعج، فقدت تشيان تياو رباطة جأشها أخيرا وحدقت فيه وهي تتذمر: “هيه هيه هيه… أنت فعلا تبحث عن ضربة، هل يبدو هذا غريبا عليك؟”
“أهاهاها…”
ضحك سو لون بلا توقف، بينما كان الدم ما يزال يتجمع في فمه
نظرت تشيان تياو إليه، كانت عيناها تلمعان بمشاعر، لكنها في النهاية تركته على حاله
وفي تلك اللحظة، هبط ضغط تنغو العظيم الكاسح، ووقف جسده الذي يبلغ نحو خمسة أمتار أمامهما
لوّح بنصله وضرب للأمام
…
اقتربت طاقة السيف، تثير الغبار والحصى في طريقها
كانت عينا تشيان تياو مشتعلة بالغضب وهي تسحب نصل الشيطان ببطء، وكانت مستعدة لتنفيذ قطعها الأخير بوضعية المبارز بالسيف
لم يكن جسد سو لون قد تعافى بما يكفي ليراوغ فجأة، وكان متيقنا أن هذا القطع سيحسم مصيره
لكن فجأة لمعت فكرة في ذهنه: “تلك النبوءة من سيد تشين ذو العين السماوية…”
المرأة العمياء رأت في رؤياها أن تشيان تياو ستضحك وسط لهب مشتعل…
هذه النتيجة غير صحيحة
وفوق ذلك، طائر التنبؤ بالموت على كتفه كان قد توقف عن الصياح
هل يمكن أن تكون هناك فرصة لانقلاب؟
رغم أن سو لون تمنى انقلابا، فإنه لم يستطع التفكير بأي وسيلة لتغيير الوضع
كانت الأختام واللعنات المختلفة على جسده قوية، لكنها لا تفعل سوى تأخير الموت، لا إنقاذ الحياة
هل يمكن أن تكون قوة خارجية؟
مثلا، أميرة تهبط من العالم السماوي؟
فكر سو لون في كل الاحتمالات
رفع بصره إلى السماء، وبالفعل، في تلك اللحظة، انكشف حدث غامض
لكن ما رآه سو لون لم يكن شينفوكو ميتسوكو تهبط من السماء، بل كان وعاء خزف مهشما ظهر فجأة هناك
“???”
وجد سو لون أن الوعاء المكسور مألوف بشكل غامض
لكن قبل أن يواصل التفكير، كان وعاء الخزف قد صار يصد طاقة السيف بالفعل
“كلانغ”، “كلانغ”، “كلانغ”… اشتعلت شرارات وأصوات متتابعة
كان مذهلا أن وعاء متسول، يبدو هشا كأنه سينكسر عند أول صدمة، استطاع أن يصد طاقة السيف
أمام المشهد، تجمد كل من سو لون وشيتوسي من الذهول
رغم أن “العالم السفلي” مليء بالوحوش، فإن قلة قليلة تستطيع صد ضربة من تنغو العظيم
هل يمكن أن يكون شيطان قوي آخر جاء ليختطف “طعامهما”؟
كانت تلك أول فكرة خطرت لسو لون
قبل أن يتسع الوقت للتفكير، هبّت رياح عاتية فجأة من حولهما، وتشكلت المباني المتداعية في دوامة هائلة، وعزلت الرياح العاوية والحطام الطائر كل الوحوش من حولهما
ثم سقطت حبتان من الطين من السماء، وهبطتا أمام سو لون وشيتوسي
[حبوب طين سيد المتسولين]
تفسير: دواء روحي مشبع بجوهر العالم السفلي، نادر للغاية، بعد تناوله يمكن لأثر الدواء أن يخفي طاقة اليانغ لدى الشخص الحي باستمرار، فلا يبرز كمنارة في الليل تجذب الأشباح، لكنه لا يسمح لك أن تندمج مع جوهر العالم السفلي، ويستمر الأثر لمدة 30 يوما
شعر سو لون بالحيرة قليلا، لكنه بعدما عرف أثر حبوب الطين ارتفعت معنوياته فورا
تذكر أخيرا لماذا بدا الوعاء المكسور ذو الزخرفة الزرقاء والبيضاء مألوفا جدا
أليس هو الوعاء الذي يخص طفلي المتسولين المتجمدين اللذين قابلهما في الشارع عندما وصل لأول مرة إلى أمة ناسك الجبل؟
في ذلك الوقت تذكر أنه رمى فيه بعض العملات النحاسية
كان فعلا بلا تفكير، لكنه بدا أنه تلقى شيئا في المقابل؟
شعر سو لون بعدم تصديق
وفي لحظة فهم أخيرا كلمات ذلك “الشيطان” آبي ياسوكازو التي قالها له: “في أمة ناسك الجبل لدينا مثل قديم: النية الطيبة قد لا تُكافأ فورا، لكنها تُراقَب من الحكام”
….
حين ارتطمت حبوب الطين بالأرض، جاء صوت عبر الإعصار: “لا أستطيع الصمود أكثر… ارحلا بسرعة”
تجسد شخص بثياب ممزقة
“شكرا لك، سيد المتسولين، على مساعدتك!”
انحنى سو لون باحترام وفق إيماءة الشكر المعتادة في أمة ناسك الجبل تجاه الطيف، ثم التقط حبوب الطين من الأرض دون تردد وقال لشيتوسي: “سريعا، كليها!”
إن سيد المتسولين واحد من كثير من الحكام في أمة ناسك الجبل، لكن تسميته حاكما قد تعني فقط شيطانا أقوى قليلا، وتدخله الآن وسط آلاف الأشباح لإنقاذهما يجعل فرصة صموده غير مؤكدة
شيتوسي أيضا، دون تردد، نظرت إلى حبة الطين المتسخة التي ناولها لها سو لون وابتلعتها دفعة واحدة
كان الأمر كابتلاع الطين، والحبة تخدش حلقها وهي تهبط، ورغم صعوبة بلعها، ما إن انتشرت القوة الدوائية حتى اجتاح رئتيها برد منعش مع لمحة عطر زهور، وتغلغل في أطرافها وعروقها
لم يلاحظ سو لون أي تغير في جسده، لكنه فورا لم يعد يشعر بالنفور من البرودة المحيطة به
وفي تلك اللحظة رأى أخيرا بصيص أمل لكسر الجمود
السبب الأساسي لمطاردة الأشباح لهما بلا توقف هو “طاقة اليانغ” التي لا يستطيعان إخفاءها، فمهما هربا كانا يلمعان كالمصابيح الساطعة، ويسهل اكتشافهما
لكن الآن، حبة الطين عالجت أصل المشكلة
شعرت شيتوسي أيضا بالتغيرات في جسدها، لكنها لم تفهم إطلاقا ما الذي حدث
لماذا سيساعدهما شيطان؟
وبعد أن نظرت إلى سو لون خمنت أنه لا بد أنه هو من صنع هذه المعجزة
ظهر بريق حاد على وجهيهما، فقد أفلتَا للتو من موقف ميؤوس منه
وفي تلك اللحظة استعاد سو لون بعض القدرة على الحركة، وشكل بأصابعه أختام الساحر، وتحت قدميه ظهرت نجمة سداسية أرجوانية سوداء، فتحت شقا مكانيا أمامه
“لنذهب!”
أمسك يد شيتوسي وخطى عبره
….
سو لون المصاب بجروح خطيرة لم ينقل شيتوسي بعيدا
لكن ذلك كان كافيا
حين خرجا من الشق المكاني، كانا داخل مسكن فارغ
وبقدرته على استشعار نيران الأرواح، تجنب سو لون كل الأشباح بدقة
ومع ذلك كان يشعر بوضوح أنه خلف الباب مباشرة تتسكع عشرات الأشباح
في اللحظة التي ظهرا فيها بدا أن بعض الأشباح استشعرت شيئا، لكن دون اكتشاف “طاقة اليانغ” لم يدخل أي منها للتحقق
لقد أفلتَا فعلا من الرصد
نظر كل منهما إلى الآخر، وتشاركا الفهم نفسه: لقد نُقذا
بعد وقت قصير، خمدت الرياح العاتية في الخارج
الوحوش، بعدما عجزت عن العثور على فريستها، بدأت تلعن وتتذمر
“اللعنة! أيها السيد الجشع، إلى أين أخذت هذين البشريين!”
“ذلك المتسول الملعون، لا تظن أنك تستطيع احتكارهما لنفسك…”
“اهربا، اهربا، كيكيكي… لا يمكن لأي شخص حي أن يهرب من العالم السفلي، لنرَ كم ستستطيعان الاختباء…”
“…”
خارج المنزل كان الهواء مثقلا بالطاقة الشبحية، وكانت الكائنات الشبحية تمر عبر الجدران، تلقي نظرة خاطفة على الاثنين المختبئين في الداخل ثم تنجرف مبتعدة
لحسن الحظ، بدا أن “الجنرال العظيم الشره” بيون ما يزال صامدا، ولم تنته المعركة بعد في الجهة الغربية عند سوق ليلة فانوس الأشباح، كما أن الأشباح المتفرجة انجذبت إلى هناك
بقي سو لون وشيتوسي مختبئين، وانتظرا حتى تلاشت أصوات الوحوش المحيطة إلى مسافة بعيدة، ثم تجرآ على أخذ نفس عميق
وبما أن الأشباح لا تشعر بوجودهما، فلم تكن هناك حاجة ملحة لمحاولة الهرب من المدينة
سألت شيتوسي: “إلى أين نذهب الآن؟”
بعد تفكير قال سو لون: “لنتعافَ قليلا أولا ثم نذهب إلى معبد سينسو-جي لنتحقق من الوضع”
كان قد نزع بعض الأرواح من الأشباح، وصار لديه هدف الآن
إذا سار كل شيء كما توقع، فقد يكون سيد بلاد يومي، “إيزانامي”، هو المفتاح للهروب من الفضاء الملعون
لكن بالنظر إلى الوضع الحالي، حيث كاد سو لون وشيتوسي يهلكان أمام شوتين دوجي، فإن السعي وراء “الملك” على الأرجح مهمة بلا عودة
كان عليهما أن يجدا فرصة أخرى
كما أن سو لون علم أن الأرواح الشريرة تتردد في الاقتراب من أطراف المدينة قرب “معبد سينسو-جي”، لأنه مشبع بقوة عظمى وسيكون أكثر أمانا
وفوق ذلك، كانت حدسه يخبره أن معبد سينسو-جي سيكون مكانا حاسما
ففي النهاية، كان الأديب العظيم فوجيوارا هاياتو قد أكمل [رواية الموت] هناك تماما في معبد سينسو-جي

تعليقات الفصل