تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 363 : يد شبح الفراغ

الفصل 363: يد شبح الفراغ

وقعت باندورا اسمها ثم استدارت وقالت: “حسنا، لقد وقعت العقد أيضا، هل يمكنك أن تتركني الآن؟”

استمع سو لون، لكنه لم يكن مستعجلا

كان قد أغضبها بالفعل، ولم يمانع في إبقائها مقيدة قليلا أطول

ثم التقط قلما وبدأ يوقع اسمه هو أيضا

لكنه لم يوقع فورا

كان سو لون يدرك جيدا أن العقد تبادل بين طرفين

وفي مجال الخيمياء يوجد مفهوم أساسي، وهو أن التبادل المتوازن للطاقة هو ما يمنح الاستقرار

وهذا ينطبق على العقود أيضا

حتى في العقود المتكافئة، لا بد أن تكون قوة الطرفين متقاربة كي يتحقق التكافؤ

إذا كان الفرق في القوة كبيرا جدا، فلن يكون لمثل هذه العقود أي قوة إلزام

وخاصة أولئك “أشباه الحكام” الذين هم بطبيعتهم أعلى من البشر بدرجة في معنى الحياة، فلو كان الأمر مجرد توقيع، لكانت تلك الورقة مجرد ورق بلا قيمة

لكن إذا كان يفكر في استخدام عقد لتقييد باندورا، فكيف لا يضع هذه النقطة في الحسبان؟

في تلك اللحظة، أخرج سو لون لفافة من جلد وحش، وتمتم بكلمات، ثم أنشد: “باسم الحاكم الأعظم للطبيعة، سيد غابة الرياح والمطر، سيد القصائد والحرية، أتلو اسمك المكرم، وأطلب شهادتك على عقد متكافئ…”

وبما أنه لا يملك تلك القوة بنفسه، فلم لا يطلب من حاكم حقيقي أن يكون شاهدا موثقا؟

إن “حاكم الطبيعة” على مستوى القوانين ليس شيئا يستطيع أي حاكم عادي مجاراته

ومع هذه الشهادة، ربما لن يجرؤ أحد في هذا العالم على مخالفة العقد

كانت هذه اللفافة المكرمة التي جلبها من قبيلة دالو، هدية وداع من يوتا، وشيئا ثمينا بالفعل

استخدامها هنا لا يمكن اعتباره خسارة

ففي النهاية، كانت باندورا مميزة جدا، فهي ليست مجرد إنسان مصنوع، بل أيضا “قارئة القمر”، ومستقبلها لا يمكن قياسه

وعلى الأقل داخل هذا العالم، لم يكن سو لون يريد أن تصبح عدوا له

استمعت باندورا إلى الأسماء المكرمة التي كان سو لون يتلوها، فتجعدت ملامحها في الحال

وباعتبارها سالكة لمسار الحكام بنفسها، كيف لها ألا تعرف أن تلك الأسماء تشير في الحقيقة إلى القوانين التي يسيطر عليها ذلك الحاكم؟ هذه الألقاب المتتابعة جعلت عبوسها أشد

“هذا الرجل ليس خيميائيا فقط، هل يحاول فعلا استدعاء استجابة من حاكم أعلى؟”

كانت باندورا في حيرة شديدة

كان هذا التصرف بنفس القدر من الغموض كما كان حين عرف سو لون أنها “قارئة القمر”

وفوق ذلك، في هذا العالم المتشقق، لا يوجد حكام ظاهرون

وكان أتباع الحكام يعدون “المتروكين”، لذا جعلها هذا الفعل أكثر ارتباكا

لكن الحيرة لم تدم سوى لحظة، ثم تحولت إلى صدمة

“لقد تلقى بالفعل استجابة من حاكم عال حقيقي؟”

حين شعرت باندورا بأن إرادة لا توصف تهبط، تغير وجهها بشدة

مع أنها كانت “حاكمة” هنا، إلا أنها كانت تستعرض تفوقها في عالم مكسور، أما أمام ذلك الحاكم الحقيقي، فلم تكن شيئا

لم يكن أحد يعرف أفضل منها مدى رعب “حاكم الطبيعة” الذي استجاب لنداء سو لون

فهمت باندورا فورا ما يفعله سو لون، هذا الماكر استدعى بالفعل حاكما عاليا حقيقيا ليكون شاهدا؟

في الحال، تلاشى ما تبقى لديها من أمل خافت، وزفرت بخفة مستسلمة

ولحسن الحظ، لم تستمر تلك الإرادة التي لا توصف إلا لحظة ثم اختفت

شعر كل من سو لون وباندورا وكأن حملا ثقيلا زال عن أكتافهما

وبعد هبوط تلك الإرادة، اكتسبت لفافة العقد حلقة من نقوش مشرقة وغامضة

كانت علامة شاهد طرف ثالث، تركها حاكم حقيقي

رأى سو لون أن العقد قد ثبت، فأطلق زفرة ارتياح كبيرة

عندها فقط جمع كل الخيوط التي كانت تقيد باندورا، وأخرج أيضا خاتم التخزين والملابس وكل ما كان قد أخذه منها سابقا، وقال: “هذه أغراضك، لكن ’مرآة ياتا’ أعطيتها لشخص آخر…”

عند أخذ متعلقات أحد، من الطبيعي أن يذكر ذلك

قالت باندورا: “أعطيتها لتلك الأميرة الصغيرة من عائلة شينتو، أليس كذلك؟”

وطئت باندورا الأرض حافية بعد أن لم تعد معلقة، وشعرت براحة كبيرة

وقفت تتحرك بحرية لتختبر جسدها، ولم تترك الخيوط أي أثر

لو كان أي شخص آخر هنا، لرأى مشهدا يسرق الانتباه بلا شك

لكن للأسف، كان المشاهد الوحيد مغمض العينين

كان في نبرتها شيء من الاستعلاء، لكنها لم تتابع الحديث في الأمر، وقالت: “انسه، ذلك الشيء لم يعد ينفعني الآن، وما دام قد أعطي فقد أعطي”

بعد أن أخذت إيمان ناسك الجبل وأصبحت “الحاكمة العظمى قارئة القمر”، لم تعد مقيدة بأداة عظمى واحدة

وصل إلى أذن سو لون صوت احتكاك الملابس من جانبه، ففهم أنها كانت ترتدي ثيابها

بين الأذكياء لا حاجة للدوران، قل ما تريد مباشرة

فكر قليلا ثم أضاف: “أما ’رواية الموت’، فإن أمكن، أود أن أبقيها معي لأستخدمها مادة للترقي في المستقبل”

مع أنه ما زال لا يفهم بعض المعلومات داخل “الرواية”، إلا أنه شعر أنها قد تكون شديدة التوافق معه، فطرفه الصناعي يملك “عالم فراغ صغير”، فماذا لو أصبح عالما عظيما، أو حتى مستوى كاملا في المستقبل؟ ألن يصبح عالما متكاملا؟ فكرة “صنع العوالم” مكتوبة كلها في الرواية، وفيها الكثير مما يمكنه تعلمه

عند سماع ذلك، سخرت باندورا ببرود: “هاه، حقا لا تعرف الحياء”

لكنها بدت غير مبالية أيضا، ففي النهاية، إذا كان ذلك الشيء قد استعمل مرة واحدة، فلن يعد ذا وزن كبير ضد محترفين كبار مرة ثانية

فهم سو لون من قبولها الضمني، وفكر بلا خجل: ما دام أنها أسيرة، فمن الطبيعي أن يأخذ بعض غنائم الحرب

ثم سأل: “بالمناسبة، هل يمكنك استخدام ’رواية الموت’ الآن لختم المهن الرفيعة؟”

سمعت باندورا كلماته التي تزداد وقاحة، فردت بضيق: “لا، تلك القدرة لا تستخدم إلا داخل أمة ناسك الجبل، في الأماكن التي يتركز فيها الإيمان أكثر، هنا ستكون الكلفة التي سأدفعها كبيرة جدا”

ثم قبل أن يواصل سو لون الحديث، أضافت مباشرة: “أعطني غرفة، ولا تزعجني، لا أريد رؤية أحد آخر، أوافق أن أتحرك مرة واحدة، لكن فكر جيدا قبل أن تستدعيني”

“…”

استمع سو لون إليها وهي تنهي ارتداء ثيابها، ثم فتح عينيه أخيرا

لمح ذلك الوجه المتقن الذي يصعب صرف النظر عنه

جميلة حقا، لكن ذلك الأسلوب المتعالي المتكبر، يشبه عناد سلف صعب المراس

لكنها في النهاية “حاكمة”

كان سو لون في البداية فضوليا بشأن كيف أصبحت “تسوكيومي”، لكن حين رأى موقفها، كان يكفي أنهما لم يتخاصما

ربما… ستتحدث عن ذلك في يوم آخر

قد لا يكونان صديقين الآن، لكنهما لم يعودا عدوين أيضا

وعلاقة تعاون تكفي، ولا ذنب في الاستفادة منها حتى النهاية

هكذا فكر سو لون

….

غادر سو لون “غرفة الختم”

رآه الحارسان عند الباب يخرج، فتبدوا كأنهما يواجهان عدوا خطيرا

كانت يد سين على مقبض سيفها، بينما تصاعدت هالة مظلمة من الدكتور بانكس

قال سو لون: “كل شيء بخير الآن”

هز رأسه وأدى إشارة سرية متفقا عليها مسبقا

عند رؤية ذلك، أطلق كل من سين والدكتور بانكس زفرة طويلة، وظهرت على وجهيهما راحة كبيرة

كانا يعرفان طباع سو لون جيدا، وأي موقف يتعامل معه بهذا الحذر في الداخل لا بد أنه شديد الخطورة

شعر سين والدكتور بانكس بطبيعة الحال أن هناك شخصا إضافيا في الداخل، لكن بسبب القيود السابقة التي حجبت أي تقلبات للطاقة تماما، لم يعرفا ما الذي جرى

والآن بعد أن هدأ الأمر، تكلمت سين أخيرا: “إذن، هل سويت الأمر مع تلك المرأة؟”

سمع سو لون صياغتها وشعر أن فيها شيئا غير مريح، فأجاب بصدق: “تم توقيع عقد، ولن تسبب لنا أي متاعب”

ثم أدار رأسه ورفع حاجبه: “لكنها أيضا لا تريد التعامل معنا”

“همف”

أطلقت سين شخيرا مستهينا، بلا مبالاة

هي نفسها لم تكن تريد التعامل مع تلك المرأة

لكنها كانت أكثر فضولا بشأن كيف فعل سو لون ذلك، فبعد أن أُخذت تلك المرأة بالقوة، كيف وقعت العقد طواعية الآن؟

سألت باستغراب: “ماذا فعلت لتلك المرأة حتى لا تريد قتلك؟ كنت أظن أن هناك معركة شرسة”

قطب سو لون حاجبيه وهو يتذكر ما حدث للتو، وكان معقدا جدا ليشرح في كلمات قليلة: “لنذهب إلى السطح وسأشرح بهدوء”

كان يشعر أن باندورا وقعت العقد بسبب الظروف، لكن ربما أيضا، وبدرجة أكبر، بسبب معلمه “سيريا”

تحمست سين كثيرا، فشبكت ذراعها بذراع سو لون واتجها إلى السطح، وبينما كان سو لون يكشف أن باندورا هي “تسوكيومي”، أصبحت تعابيرها شديدة الحيوية

كان هناك شخص إضافي على السفينة لا يعرفه أحد سوى سو لون وقلة آخرين

كما أن باندورا لم تظهر أمام الناس أبدا

تتبعوا علامات الغواصة واتجهوا شمالا

وكانت “أميرة القمر الصقيعية” سكادي، كما خمن سو لون، قد ذهبت فعلا إلى المياه القريبة من “أمة رومان”

سمعة تاني بأنه “ملعون من البحر” كانت في محلها، فبينما أبحروا شمالا، واجهوا عواصف وأمواجا هائلة مرات عديدة، أحداث لا يختبرها بعض البحارة في عمر كامل، لكنهم واجهوها مرارا

ولحسن الحظ، كان إحساس تاني الحاد بالطقس العاصف يحول الخطر إلى أمان دائما

وباستثناء دوار البحر لدى بعض الطاقم وبعض الأضرار في السفينة، لم تقع آثار خطيرة

وفوق ذلك، بعد عواصف متعددة، بدا أن تاني حصل على فهم أعمق لموهبته المجهولة، فقد صار يستشعر العواصف أبكر ويتعامل معها بهدوء أكبر

بل شعر تاني أنه قد يستطيع التأثير في العواصف إلى حد ما

استمتع بالفصل، ولا تنسَ ذكر الله في يومك.

لو تمكن شخص من التحكم بالعواصف بشكل نشط، لكانت هذه القدرة مذهلة، ففي البحر وحده قد يساوي أساطيل لا تحصى

سماع أصوات وحوش البحر وإثارة العواصف…

ما زال سو لون لا يعرف ما اسم موهبته

منذ القدم، امتلك البشر مواهب كثيرة، منها ما هو شائع مسجل في الكتب، ومنها ما هو نادر جدا بالكاد يعرف، فيتلاشى تدريجيا مع الزمن

ومع ذلك، كثيرا ما تحمل تلك المواهب النادرة لدى المستيقظين قدرات مدهشة للغاية

شعر سو لون أن تاني لا بد أنه ابن ملك القراصنة سام، وربما ورث أيضا بعض قدرات أبيه الخاصة

ففي النهاية، للوصول إلى القمة في هذا العالم القاسي المليء بالقدرات الخارقة، لا بد أن تكون الموهبة استثنائية

….

مع “خريطة ملاحة عالم سام الأسود” ووجود تاني، أفضل ملاح على متن السفينة، صار سو لون وفريقه كأن لديهم تحديد مواقع دقيقا، يعرفون إحداثياتهم في البحر بوضوح، ولم يعودوا بحاجة للاعتماد على اتجاهات عامة وحدس كما كان من قبل

وخلال الرحلة، واصلوا تحسين الخريطة

وفي الأيام التالية، لم يغادر سو لون مقصورته مرة أخرى

عمل تعديل أكثر من 40 أخطبوطا ميكانيكيا لم يكن بسيطا، وكان سيستغرق على الأرجح نحو نصف شهر

أما أفراد مجموعة الفجر فظلوا بلا هم، يضحكون طوال اليوم ويدخلون في مسابقات غريبة متنوعة

والآن أضيف نشاط رئيسي أيضا، وهو اصطياد “العمالقة” من البحر لتحسين طعامهم

سابقا، حين كانوا يواجهون وحوش أعماق شرسة، كانوا يتجنبونها مهما كان، لأن تلك العمالقة قد تقلب السفينة وتدمرها بالخطأ

لكن الآن، وبفضل إدراك تاني، صاروا يحددون مواقعها مسبقا

وفوق ذلك، كان العامل الأهم أن سينجو أصبحت “سامي السيف”، وامرأة راكشاسا مولودة للقتال، ولا أحد على السفينة يستطيع هزمها، وكانت فارغة طوال اليوم، وبعد تدريب السيف لم تجد سوى البحر ليمنحها خصوما

وهكذا، صار صيد الوحوش العملاقة أكثر نشاط إثارة لمجموعة الفجر

وكانت مشاركة “العمالقة” عالية أيضا، فمخزون الطعام الذي تحمل السفينة محدود، ولم يكن ممكنا استخدام معدات المساحة كلها لتخزين الطعام، ولا يمكن تخزين الكثير أصلا، لكن الإخوة الثلاثة من قبيلة العمالقة، مصارعو السومو، كانوا يأكلون كثيرا، وكان القليل يتركهم جائعين دائما، وفوق ذلك، كلما ارتفع مستوى المهنة زادت السعرات التي يحتاجها الطعام، خاصة في المعارك، ما يجعل استهلاك الطعام ضخما

والآن، من دون هذا القلق، كان اصطياد وحش بحري أكبر من السفينة يعني أن الجميع يستطيعون الأكل حتى الامتلاء الشديد

ثم بعد الامتلاء، يعودون للقتال وصيد وحوش البحر

هذا البحر الواسع يقدم أطعمة لذيذة وكنوزا لا تحصى

بعد الإبحار عدة أيام أخرى، وصلوا إلى محيط “أمة رومان”

كانت أمة دينية الحكم معروفة بإنتاج “أبطال” و”مصارعين” من القمة

في ذلك اليوم، داخل المقصورة،

كان سو لون يعبث بالأخطبوطات الميكانيكية

بعد أيام من العمل الشاق، كان قد طور تلك العشرات من الأخطبوطات الميكانيكية إلى نسخة محسنة

أما باندورا، فكان سو لون يعتني بها يوميا بطبيعة الحال

ففي النهاية، ستكون عاملا حاسما في مقدار ما يمكنهم حصاده حين يصادفون غواصة مرة أخرى في المستقبل

لم يكن سو لون يريد لأي ضيق متبق أن يعرقل خططه

كلما تحدثا أكثر، تحسنت علاقتهما، ولم تعد باردة تماما

مع أن مواضيعها كانت تدور غالبا حول معلمه “سيليا”

كل شيء كان يسير باتجاه إيجابي

في تلك اللحظة، فجأة، بدأ جهاز اتصال خاص يصدر طقطقة تشويش

قال سو لون بدهشة: “هاه… هل اتصل؟”

تمتم وهو ينظر إليه

كان هذا الجهاز جهاز اتصال عسكري مشفر من لو يينغ، كان قد تركه له سابقا قائد “فيلق الحكم المكرم” المسمى “الوحش الشرس” أليك باريت لتسهيل التواصل

لكن مدى الاتصال محدود، وبعد مغادرة مدينة القراصنة نحو ناسك الجبل لم يحدث أي تواصل

وبعد كل هذا الوقت، ظن سو لون أنهم قد أبيدوا

فهو لم يسمع أنهم استسلموا لملك البحر الشمالي أوليغ، لذا في هذه المنطقة من البحر الشمالي، ومن دون إمدادات، من الصعب أن ينجوا

بل ظن أن أولئك “الفضات المستيقظة” قد اختفوا، لكنهم الآن تمكنوا من الاتصال؟

….

في الوقت نفسه، على بعد مئات الأميال البحرية

كانت 3 سفن قراصنة تطارد سفينة عسكرية شراعية معدلة تابعة للواء لو يينغ

كانت الرايات الرئيسية على سفن القراصنة الثلاث تخص أسطول البحر الشمالي، وتحمل شعار نادي ناب الذئب، لكن تصميم راية السرب لم يكن معروفا ضمن أسراب أوليغ الـ 17

كانت راية تحمل جمجمة وخلفية مرصعة، تشبه سفينة قراصنة تبحر عبر الفراغ

على السطح، تجمع مجموعة من الناس يراقبون السفينة الهاربة أمامهم وهي تفر ببطء، وعلى وجوههم سخرية ولهو

كانوا يوما يطاردون عبر العالم على يد بحرية لو يينغ، والآن جاء دورهم ليجعلوا “فيلق الحكم المكرم” العريق يفر في كل مكان

ضحك القراصنة وأطلقوا بين حين وآخر طلقات قليلة لتصنع رذاذا على سطح البحر

كان هذا هو دوو لوه ساي إر كاستيلو، نائب قائد “أسطول الفراغ”، السرب الـ 18 الذي تشكل حديثا ضمن أسطول البحر الشمالي، ومحترف من الرتبة 6 يعرف باسم “يد شبح الفراغ”

بعد مطاردة دامت يومين دون حسم، بدأ القراصنة يفقدون صبرهم أيضا

قال أحدهم: “يا زعيم، نطاردهم منذ يومين وليلتين، لماذا كل هذا العناء؟ باريت لديه ذراع واحدة الآن، أضعف بكثير من قبل، لو تحركت أنت، ألن تقبض عليه بسهولة؟ في النهاية أنت اندمجت بنجاح مع أداة نادرة جدا من الذهب الداكن العالي، ’يد شبح الفراغ’، ولا أحد دون الرتبة 7 يستطيع مجاراتك”

أجاب الزعيم: “القائد الذي دربته العائلة الملكية في لو يينغ ليس سهلا، أنا واثق أنني أستطيع قتل باريت، لكنك تقلل منه، حتى بذراع واحدة، إن قاتل بيأس فقد يجر نصف طاقمنا معه، هل تصدق ذلك؟”

قال الآخر: “بهذه القوة؟”

قال الزعيم: “وإلا ماذا؟ ذلك الرجل يتظاهر بالضعف، ينتظرنا لنندفع كي يرد بيأس، الآن، إطالة المطاردة حتى تنفد مؤنهم ثم إنهاكهم ببطء هو الخيار الأفضل، لا تقلقوا”

قالوا: “الزعيم حكيم”

قالوا: “الزعيم قوي”

قالوا: “هاهاها، خطط الزعيم لا تضاهى”

قالوا: “لا تفكروا بعقلية الماضي، الملك أوليغ الآن يملك تاجه، لم نعد مجرد قراصنة، بل فيلق الحرس الخاص الملكي، صحيح أن لو يينغ أزعجتنا كثيرا في السابق، لكن أصحاب المواهب العسكرية نادرون، جلالته قال إننا إن أردنا التحول نحو التقنين، فالبداية تكون بإصلاح الأسطول”

قال أحدهم: “لكن إن واصلنا المطاردة هكذا، ألا يمكن أن يحدث شيء؟”

قال الزعيم: “وماذا سيحدث؟ الهدف الذي يريده أسطول البحر الشمالي، لا يجرؤ أحد على حمايته”

ثم قال ببرود: “همف، حتى لو جاء أحد، فهو يطلب الهلاك، أسطولنا ’أسطول الفراغ’ لم يظهر للناس من قبل، والآن بعدما خرجنا، يجب أن نجعل البحر الشمالي كله… لا، لو يينغ كلها تعرف قوتنا”

“…”

بدأت مجموعة القراصنة تلهو على السطح

كان كل واحد منهم قد اندمج مع بضع أدوات فراغ ومواد متقدمة مرتبطة بالمساحة، ومع التحكم بالفراغ، كانت قدراتهم القتالية أعلى بكثير من القراصنة العاديين

على السفينة الحربية المتهالكة

نظر باريت إلى سفن القراصنة الثلاث التي كانت تتدلى خلفهم على مسافة ليست بعيدة، وبدت ملامحه قاتمة

قال أحدهم: “أيها القائد، هؤلاء القراصنة لا ينخدعون، لا يبدو أنهم يريدون اشتباكا مباشرا، يبدو أنهم يخططون لاستنزافنا حتى نموت”

وأضاف آخر: “نشارف على نفاد الجرعات والماء العذب، وجروح الإخوة الذين أصيبوا سابقا تزداد سوءا، إن لم نجد وسيلة لإعادة التزود قريبا، فقد نقع في ورطة”

قال ثالث: “أيها القائد، هل نهاجم أولئك القراصنة القذرين؟”

“…”

عند سماع ذلك، بقي باريت صامتا، وقبضت يداه بقوة كأنه يحاول عصر الماء منهما

كان “فيلق الحكم المكرم” في وضع خطير بالفعل

مع أنهم ما زالوا يملكون قوة للقتال، إلا أن غياب الإمدادات سيجعلهم ينهكون حتى النهاية

هل يستسلمون للقراصنة؟

رغم أنهم لم يعودوا فرسانا ملكيين، فإنهم لن يبيعوا كرامتهم ليبقوا أحياء

قراصنة البحر الشمالي كانوا دائما أعداء لو يينغ، والآن بعدما صار لهم مملكة، صار العداء أشد

قد خسروا الشرف الرسمي والمكانة، لكنهم ما زالوا يملكون كرامتهم

ومع أنهم جنود محترفون لا يخافون الموت، فإن رؤية إخوته الذين قادهم بنفسه يموتون بسبب نقص الدواء كانت مرارة تمزقه من الداخل

غرق باريت في حيرة لم يعرفها من قبل

منذ أن أعلنت العائلة الملكية في لو يينغ حل الفيلق بتهمة “الخيانة”، شعر كأنه وإخوته الذين قاتلوا وماتوا من أجل الإمبراطورية قد نبذهم العالم

بلا هوية، بلا وجهة، وبلا من يأويهم

يتوهون في البحر بلا هدف

سمعوا أن مجموعة من أعضاء “الفيلق المكرم” في عاصمة الإمبراطورية تم شراؤهم سرا بواسطة تجار عبيد وأرسلوا إلى رومان كمصارعين

فقرروا إنقاذ أولئك الإخوة

كان ذلك فخا

لكن حتى وهم يعرفون أنه فخ، لم يكن أمامهم إلا القدوم

والآن حوصروا في زاوية ضيقة

وبينما كانت أفكار باريت تتسارع، راح يسترجع حياته

قاتل من أجل الإمبراطورية وحقق انتصارات مشهورة، لكنه لم يتخيل أبدا أنه سينتهي في هذا المأزق

ثم فجأة، جاء بلاغ

“أيها القائد، هناك من يتواصل معنا عبر اتصال مشفر”

قال باريت: “من؟”

قال المبلّغ: “قال إنه الشخص الذي اتجر معك في المرة الماضية بخصوص ’فضة حية’”

عند سماع ذلك، حدت ملامح باريت ونظرته قليلا

فكر في ذلك الشاب المسمى “سو لون”

التالي
363/622 58.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.