تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 417 : لأجل البحث العلمي

الفصل 417: لأجل البحث العلمي

“أين تود أن أدرس؟”

عندما سمعت سو لون باندورا تتكلم، ظن للحظة أنه سمع خطأ

احتاج لحظة ليفهم، ثم أدرك أنها وافقت فعلًا

امتلأ بالفرح واقترح: “ما رأيك أن نذهب إلى مختبري؟”

رفعت باندورا حاجبها، ومن دون أن تقول شيئًا آخر، اتجهت نحو المقصورة، وكأنها تعطي موافقة صامتة

كان لسو لون مختبر على السفينة، وكانت تعرف مكانه

كان بجوار غرفتها تمامًا

لأن سو لون لم يكن يستطيع دخول المجال الفراغي الصغير، كان لديه مختبر ثابت كبير على سفينة الليل الأبدي، وعندما يكون على متنها يقضي معظم وقته هناك

أما باندورا، ولأنها لا تحب مخالطة أحد غير سو لون، فقد كانت غرفتها بجوار المختبر

والآن، لكي تتعاون مع بحث سو لون، عادا معًا إلى المقصورة

عند دخولهما باب المختبر، ظهرت منطقة التجارب وورشة الميكانيكا وغرفة صنع الغولم

كانت الجدران ممتلئة بأدوات متنوعة، وعلى يسار الغرفة أكثر من عشرة أوعية زجاجية كبيرة فيها أخطبوطات ميكانيكية غير مكتملة، وفي داخل الأوعية كانت أخطبوطات حية تتحرك بعنف، وفي الوسط كانت دروع ميكانيكية مفككة إلى قطع، وصفوف من البنادق والمراجل البخارية ووحوش فولاذية مهيبة تشبه مخزن سلاح، وعلى يمين الغرفة دمى نصف منحوتة معلقة بخيوط شفافة كأنها أجسام معلقة

كان الهواء ممتلئًا برائحة الصدأ، ورائحة سائل التجارب المختلطة برائحة تشبه البيض الفاسد، مع رائحة نشارة الخشب

رغم أنها تعيش بجواره، كانت هذه أول مرة تدخل باندورا مختبر سو لون

تلفتت بنظرة فيها فضول خفيف

وبعد أن شهدت سابقًا قوة جيش سو لون من الغولمات الميكانيكية في معركة، لمع في عينيها اهتمام صغير لا يكاد يُلاحظ وهي ترى هذه الأعمال غير المكتملة

بعد أن تفقدت المكان، لم تُعلق على جودة المختبر، بل التفتت لتسأل سو لون: “كيف تنوي أن تدرس؟”

كان صوتها هادئًا جدًا، كأن موضوع الدراسة ليس جسدها بل شيء آخر

“هذا…”

كان سو لون يريد أن يقترح أن تتمدد على طاولة التشريح لأنها الأسهل والأكثر احترافًا

لكنه تذكر أنها تُستخدم عادة لدراسة الجثث والوحوش السحرية وتشريح كائنات غريبة، فشعر أن الأمر قد يكون غير لائق

ولأن المختبر لا يحوي أشياء زائدة مثل سرير، نظر حوله ولم يجد إلا أن يشير إلى الأريكة: “إن لم تمانعي، هل يمكنك الاستلقاء على الأريكة؟”

نظرت باندورا إليها دون كلام، وبقيت ملامحها كما هي، ثم مشت نحو الأريكة وسألت: “هل يجب أن أخلع ملابسي؟”

“نعم”

أجاب سو لون محافظًا على هدوئه، ثم أضاف: “إن لم تمانعي، توجد هناك أثواب معقمة”

وقال ذلك وهو يتنفس براحة من الداخل

ما دامت باندورا هي من فتحت الموضوع، فلن يكون الجو محرجًا جدًا

فكر سو لون في أن يخرج لحظة احترامًا للخصوصية

لكن باندورا بدأت تبديل ملابسها ببساطة شديدة ودون تردد، كأن الأمر إجراء عادي في مختبر

أدار سو لون نظره جانبًا وتوجه إلى طاولة التجارب ليجهز الأدوات اللازمة للبحث

وبينما كان يسمع حركة القماش بالقرب منه، عرف أنها ترتدي الثوب المعقم

بعد أن جهز معدات القياس، التفت فرأى باندورا مستلقية وقد ارتدت طبقة رقيقة من ثوب معقم

اقترب وارتدى قفازات، وبوجه مركز وجاد قال بأدب: “آنسة باندورا، سأبدأ الآن”

استلقت مغمضة العينين وأجابت بهدوء: “مم”

كان سو لون دائمًا فضوليًا حول ما إذا كانت بنية جسد الدمية البشرية الخيميائية مماثلة تمامًا لبنية البشر، وهل تعمل أجزاؤها كما تعمل عند الإنسان

والآن حصل أخيرًا على فرصة لحسم فضوله

لكن حتى لو وافقت على التعاون، لم يكن ممكنًا أن يعاملها كشيء بلا روح يُحرَّك كما يشاء

تصرف سو لون بأدب كاف، وسأل قبل أن يبدأ: “قد يكون هناك تماس جسدي أثناء الفحص”

وقبل أن يكمل، أجابت باندورا مرة أخرى: “مم”

وبعد أن حصل على الإذن، بدأ عمله

“قد أحتاج إلى فحص نسيج العضلات في بعض المواضع، وقد يكون ذلك محرجًا”

“هل تمانعين إن استخدمت بعض الأدوات لفحص حالتك الكهربائية الحيوية؟”

“قد آخذ عينات من الأظافر والشعر”

“…”

لأن البحث يلامس أمورًا شخصية، كان سو لون يطلب الموافقة كثيرًا

وبعد عدة أسئلة، بدا أن باندورا لا تريد الإكثار من الكلام فقالت ما يمنحه مساحة واسعة: “لا حاجة لأن تكرر السؤال، ما دمت وافقت على التعاون فلن أضيق بتلك التفاصيل، افعل ما تراه مناسبًا”

توقف سو لون عن التحفظ المفرط وبدأ يجري اختبارات متنوعة بثبات

فحوص للأعضاء والعظام، اختبارات بالأدوات، جمع عينات، مراقبة للطاقة، جمع سوائل، تسجيل للرموز الرونية

كان كل اختبار يتم بانتظام

فتح سو لون رمح العنكبوت ذي الأذرع الثمانية وسجل البيانات كلها

ومع مراقبته لهذه الدمية البشرية، التي يمكن اعتبارها قطعة خيميائية خالدة وأقصى إتقان لدمية رونية، لم يتوقف اندهاشه

ومع تجميعه خيوط التقنيات الدقيقة، شعر أكثر فأكثر أنه يقف أمام “جبل معرفة” شاهق، وأدرك بوضوح ضآلة ما يعرفه وجهله

كانت جوانب التقنية في هذا الجسد غالبًا خارج فهمه الحالي تمامًا وبعيدة المنال

كان يعرف كثيرًا من الرموز الرونية والمواد، لكن حين تندمج معًا تصبح كأنها لغة جديدة

ومن شدة هذا الإحساس، بدا له أن معرفته الحالية تكفي لصنع حاكم انزلاق بسيطة، بينما ما أمامه مركبة معقدة جدًا

لم يكن هذا مثل الأعضاء الاصطناعية التي رآها سو لون سابقًا عند الرقم 19، فبنية باندورا الداخلية ومظهرها الخارجي كانا قريبين جدًا من الإنسان

وكان كل جزء فيه يبدو كأنه مثال للكمال في الخيمياء

كانت هناك إيقاعات حيوية وحركة سوائل وإفرازات داخلية

ومع ذلك كانت تحمل خصائص الدمية البشرية الخيميائية، مثل قدرة الترميم الذاتي المدهشة وقوة جسدية تقاوم معظم الأذى

قبل 1,000 عام استخدم السير إسحاق والسيدة إسحاق مواد خيميائية لصنع هذا الجسد القريب من الكمال

ظل سو لون يراقب بإعجاب صامت

هذا التحليل لم يجعله يشعر أنه تعلم الكثير بقدر ما جعله يرى أنه غير مؤهل بعد

لكنه فتح له طريق تفكير جديدًا، وحدد اتجاهًا، وأراه المسار الصحيح لأبحاثه القادمة

استمر سو لون في الاختبارات بتركيز تام، دون أن يشعر بمرور الوقت

….

لم يكن في المختبر ضجيج زائد، وعلى الجدار ساعة ميكانيكية نحاسية تصدر “تك تك”

ومن دون أن ينتبه، تحرك عقرب الساعة من منتصف الليل إلى السادسة صباحًا

وعندما دخل ضوء الفجر الأزرق الشاحب إلى المختبر من الخارج، أدرك سو لون فجأة كم مر من الوقت

لكن في هذه اللحظة كان قد جمع تقريبًا كل البيانات التي يحتاجها، أما العينات فتتطلب وقتًا طويلًا للتحليل، فلا داعي للعجلة

“هف”

زفر زفرة طويلة، وهدأت أفكاره بعد اندفاع التركيز

وعندما رفع بصره نحو باندورا على الأريكة توقف لحظة دون قصد

كان الثوب المعقم رقيقًا جدًا، وبسبب الفحص الكامل تمزق في مواضع، فصار ستره أقل مما ينبغي

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ﷺ.

ومع ذلك لم يتغير تعبير باندورا طوال الوقت، كان تنفسها منتظمًا، وما زالت تبدو كأنها نائمة بهدوء

شعر سو لون أن عليه أن يبتعد بنظره، فصرف عينيه بسرعة

فالبيانات الجسدية شأن خاص، ومن دون ثقة لا يسمح أحد بدراسته

وكان يشعر أن باندورا كانت كريمة جدًا معه بصفته حليفًا

والاستمرار في التحديق سيكون غير لائق

أخذ نفسًا عميقًا وحاول أن ينظر بعين الباحث لا بعين الإنسان، ثم قدر في ذهنه: “جاذبيتها لا بد أنها مرتفعة جدًا، ربما تتجاوز 15 نقطة”

كانت جاذبيته هو 12 نقطة تُعد ضمن الأكثر وسامة بين البشر

لكن حتى مع ذلك كان يشعر بأن الفارق بينها وبينه واضح

فالجاذبية ليست ملامح فقط، بل مزاج وحضور وقدرات خاصة أيضًا

وتخيل أنه إن استخدمت تقنية الإغواء فقد يصبح تأثيرها مخيفًا، إلى حد أنه قد يقع تحت أثرها بسهولة

همم… تقنية الإغواء؟

لمع خاطر في ذهن سو لون

لكن قبل أن يواصل التفكير، ربما لأنه أطال الوقوف، تحركت أجفان باندورا فجأة

هي ليست شخصًا عاديًا لكي تنام نومًا عميقًا

فتحت عينيها وسألت بهدوء: “هل انتهيت من بحثك؟”

وبينما تتكلم، لم تبدُ مرتبكة من حال ثوبها الممزق، بل بقيت ثابتة وواثقة

“نعم”

أبقى سو لون نظره إلى الأسفل وقال بأدب شديد: “شكرًا لك يا آنسة باندورا، وإن كان قد صدر مني ما يزعجك فأرجو قبول اعتذاري الصادق”

بعد معاركهما المشتركة سابقًا، لم يعد يراها عدوًا أو مجرد منتج خيميائي

بل صار يراها حليفًا وصديقًا له مشاعر وروح

وكان بحثه فيها نابعًا من رغبة صافية في بلوغ آفاق الخيمياء العليا

دون دوافع معقدة

وكان هذا البحث قائمًا على احترام كبير

وما لم يكن سو لون يعرفه هو أن هذا الاحترام قد يكون سببًا مهمًا لموافقتها على طلب قد يبدو غير لائق

“حسنًا”

ثم نهضت باندورا من الأريكة

وفي تلك اللحظة رأى سو لون أنها تبحث عن ثوبها السابق

تذكر شيئًا بسرعة، فأخذ الثوب المطوي بعناية من الجانب وتقدم نحوها

كان ذلك الثوب الفاخر الذي خلعته في البداية، وقد رتبه سو لون بعناية أثناء البحث

مده إليها الثوب بأدب، وكان ينوي أن يدير وجهه احترامًا للخصوصية

لكن باندورا قالت فجأة ما فاجأه: “ما دمت نظرت طويلًا، هل تساعدني على ارتدائه؟”

“؟؟؟”

شعر سو لون أنه ربما سمع خطأ

رفع عينيه فرأى نظرتها هادئة، وليست بالبرودة التي تخيلها

كان يعلم أنها لا تبدو منزعجة، لكن سماعها تقول ذلك بصراحة كان مختلفًا تمامًا

صار الجو جادًا وغريبًا في آن واحد

ورغم أنه شعر أن في الأمر شيئًا غير معتاد، لم يجد سببًا للرفض: “عذرًا”

حاول أن يساعدها، لكنه أدرك أنه لا يعرف كيف يُرتدى هذا النوع من الثياب بسهولة

أما باندورا فتقدمت بثبات، وكأنها لا ترى في الموقف أي حرج

أشارت بيدها لما ينبغي فعله، ثم وقفت منتظرة، كأنها تتعامل مع الأمر كإجراء بسيط

كانا قريبين جدًا، أقرب حتى من قربهما أثناء البحث

وبين تلك المسافة القصيرة شعر سو لون أن توترًا غريبًا تسلل إليه دون سبب واضح

“هل تستخدم تقنية الإغواء؟”

ارتجف طرف عينه عندما خطر له ذلك

كانت استجابة جسده أسرع من منطقه، وهذا أزعجه

لاحظت باندورا ارتباكه، وقالت بنبرة خفيفة وكأنها تمازحه: “أنا لا أمانع أن تنظر قليلًا… لكنني أفضل أن تنهي ما بدأت به”

ازداد خجل سو لون قليلًا، فعدل الثوب بسرعة وأكمل مساعدتها حتى استقام عليها

ثم رتبت باندورا ثوبها بنفسها في هدوء، وبدت وكأنها تعيد كل شيء إلى طبيعته بلا تردد

كان سو لون يراقبها بحيرة

لماذا تغيرت فجأة كأنها شخص آخر؟

هل كانت باندورا لا تدرك أثر حضورها؟

لم تكن تنظر إليه مباشرة، لكنها لم تتجنبه أيضًا، وقالت ببساطة: “شخصيتي ليست باردة كما تظن”

“…”

ازدادت حيرة سو لون

لأول مرة يسمع من باندورا نبرة ليست جفاء ولا عداء ولا غضب

كانت نبرة فيها لطف خفيف وقدرة على إرباك القلب دون أن تقصد

لكنه لم يكن يعلم أن باندورا في الحكايات صُنعت لإغواء الحكام، وأن حضورها نفسه قد يترك أثرًا عميقًا

وأن ميلها إلى هذا الأسلوب كأنه جزء من طبعها

في الأيام الأولى التقيا كعدوين، ثم قضيا أيامًا في تعاون لا يترك مجالًا للتعبير إلا بالصرامة

أما الآن، وقد اعتادت وجوده ورأت فيه شخصًا مقبولًا جدًا

ربما كان ذلك أيضًا بتأثير المعلمة سيريا

باندورا نفسها لم تكن تعرف

لكن على أي حال، كان لديها انطباع طيب عن سو لون

وكان ذلك الاحترام الحذر قد زاد هذا الانطباع

والآن، بما أنه سيغادر، فلا داعي لاستمرار الوجه المتجمد

ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وقالت مودعة: “أنت شخص طيب، وداعًا”

في تلك النبرة لم يبقَ أثر للجفاء

بدت كأنها مزحة صغيرة بانتقام لطيف

وعندما رفع سو لون نظره ثانية، كانت قد اختفت

ظل يحدق في المكان الذي غادرت منه باندورا داخل المختبر، ثم بعد ثانيتين من الذهول هز رأسه وابتسم ابتسامة مريرة

بطاقة الشخص الطيب؟

هل كانت تسخر منه؟

إذًا قناع باندورا البارد قد تلاشى، أليس كذلك؟

لكن هذا لا بأس به

كان سو لون يعتقد أنه حين تتحسن قدرته في الخيمياء، إن سنحت له فرصة لدراسة الجسد الخيميائي مرة أخرى، فغالبًا لن ترفض

التالي
417/630 66.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.