الفصل 420 : بطاقة الرجل المشنوق
الفصل 420: بطاقة الرجل المشنوق
اقتربت سفينة ضخمة ببطء من بعيد، وكانت المداخن الأربع الشاهقة تنفث دخانا أبيض كثيفا إلى السماء
كانت “الملكة رودريكا” سفينة ركاب بعيدة المدى تحت إدارة شركة شمس لوينغ للملاحة، ولم تكن في الحقيقة ملكا لأي أميرة، بل سميت بهذا الاسم فقط لإيصال إحساس بالفخامة وعلو المستوى
كان ارتفاع السفينة من خط الماء إلى أعلى نقطة يعادل تقريبا ارتفاع نحو 12 طابقا، وبالتقدير كان يمكن رؤية ما لا يقل عن 10 طوابق من أسطحها
كان هذا الوحش الفولاذي يحمل كل سمات عصره: قوة البخار، الضخامة، المسامير المعدنية، وكثرة الأبراج المدفعية
ألواح فولاذية هائلة، مثبتة بمسامير خشنة، شكلت هيكل السفينة المطلي بالأسود والذهبي، وعلى عكس سفن الركاب العادية، كانت هذه السفينة تحتوي على حجرات لسطح المدافع، تبرز منها فوهات مدافع سميكة إلى الخارج، فأعطت انطباع رجل قوي يحمل حربة صيد، ورغم أن هذا التصميم ليس جميلا جدا، فإنه قادر على صد هجمات معظم سفن القراصنة
بعد أن ميز سو لون الحروف البيضاء على بدن السفينة، نادى الشقيقين كاما، ألبرت وأبرت: “هيا بنا”
…
أدخل سو لون الاثنين إلى بعده الصغير، وظل ينتقل مرارا حتى انتظر في البحر
وحين اقتربت السفينة العملاقة إلى مسافة أقل من 100 متر، بحث عن مكان خال، ثم انتقل مباشرة إليه فوق السفينة
بدت سفينة الركاب بحجم قريب من “إمبراطور الليل الأبدي”، لكن السفينة الفولاذية كانت أكثر ثباتا بكثير من سفينة حربية شراعية، وكان الطقس جيدا من دون أمواج قوية، لذلك كان الوقوف على سطحها مستقرا
بعد أن صعد إلى السفينة، أخرج سو لون جهاز الاتصال الخاص بمنظمة المرآة وسأل: “السيد كيت، أنا على متن السفينة بالفعل، أين أنت؟”
وبعد لحظة انتظار، جاءه الرد: “سو لون، وصلت بالفعل؟ آه، انتظر قليلا، أنا في حديث عميق مع سيدة جميلة عن الحياة”
خمّن سو لون ما يحدث وتكلم بنبرة غريبة: “يبدو أنني قاطعتك في وقت غير مناسب؟”
وجاءت ضحكات من الطرف الآخر: “هاهاها، انتظر قليلا، سأنتهي قريبا”
“لا داعي للعجلة، أكمل ما كنت تفعله”
وبينما كان يسمع أنفاسا ثقيلة تشبه الجهد، لم يعرف سو لون أَيضحك أم يتأوه، وتمتم في نفسه: “كيت كما هو، لا يتغير أبدا”
ثم أخرج الشقيقين كاما إلى الخارج مجددا
فالمتدربان الصغيران لا ينبغي أن يظلا محبوسين في المختبر دائما، وكان الأفضل أن يخرجا ليكتسبا خبرة من العالم
واصل أبرت مضغ كتاب خيمياء، كأنه غير مهتم بالسفر في سفينة، فبعد أن بقي محبوسا سنوات داخل “قلب غولم آلية بويل”، اكتسب قدرة على التركيز وعدم التشتت في أي وقت
أما كاما فكانت تنظر حولها بحماس، تتمايل ضفيرتها بلون القهوة مع نسيم البحر، وظهر في عينيها حنين عميق: “قبل سنوات كثيرة، حين كان أبي ما زال حيا، سافرت أيضا في سفينة ركاب مثل هذه، كنت في السابعة فقط، الوقت يمر بسرعة”
بعد سنوات قضتها في عالم القراصنة بحثا عن القاتل الذي تسبب في تدمير ضيعتهم، صار الرجوع إلى المجتمع المتحضر كأنه عالم آخر
أمال أبرت رأسه نحو أخته، ولم يفهم تماما ما تشعر به
راقب سو لون الأمر بهدوء واستمع
ومد إدراكه الروحي، فتعرّف بسرعة إلى المخطط المكاني للسفينة
…
وقف الثلاثة عند الدرابزين يتفرجون على المنظر
وقبل أن يلتقوا بكيت، مر عبر الممر عدة طلاب صغار في عمر كاما تقريبا
سُمّوا طلابا لأنهم كانوا يرتدون زيا مدرسيا موحدا يحمل شارة نسر “أكاديمية الإمبراطور لوينغ” على صدورهم
كانت هذه أفضل أكاديمية خيمياء في لوينغ
لم يتوقع سو لون أن يلتقي طلاب أكاديمية الإمبراطور لوينغ على متن السفينة، لذلك ألقى نظرة ثانية
القماش عالي الجودة بلون أحمر خمري كان واضحا أنه باهظ، والياقة والأصفاد مزينة بدقة بأزرار مطرزة بخيوط ذهبية وخيوط فضية، وكان الأولاد يرتدون بدلات حادة مع أحذية لامعة، بينما ارتدت البنات تنانير مطوية مربعة قصيرة، فتية وجذابة
كان معظم طلاب الأكاديمية الملكية من أبناء النبلاء
هؤلاء الستة أو السبعة الذين مروا كانوا يختلفون في هيئتهم عن أي شخص في عمرهم رآه سو لون من قبل، بثقتهم وغرورهم وحضورهم الآمر
لكن هذا الانطباع الطيب تحطم في لحظة
فحين مر هؤلاء الصغار، ألقوا نظرة ازدراء واضحة على ملابس سو لون ورفيقيه، ثم مشوا كأنهم بجعات متعجرفة، يتهامسون فيما بينهم
“إيمي، هل رأيت؟ ذلك الطفل قبل قليل كان يبدو وكأنه يقرأ كتاب خيمياء متقدما جدا”
“هه، تمثيل فقط، هل يمكن لطفل صغير مثله أن يفهم كتاب المعلم باسيل فالنتاين ’العربة الظافرة للأنتيمون‘؟ رجاء، حتى طلاب السنة الأخيرة لا يفهمون ذلك النص الخيميائي المعقد، أهل الأرياف دائما يحاولون لفت الانتباه”
“لنسرع، ما زلنا نحتاج إلى الذهاب إلى صالة العرض، ذلك التقرير ’عن الأدوات القديمة‘ الذي كلفنا به الأستاذ؟ أنوي دراسة ’بطاقات التاروت السرية لخزائن الأسرار الاثنتين والعشرين‘، سمعت أنها أثر حقيقي من عصر الفجر”
“لا بد أنها حقيقية بما أن ’اللص الشبح كيت‘ قال إنه سيسرق تلك البطاقة، فهو لا يسرق إلا الأشياء الجيدة”
“لا تذكري ذلك اللص الملعون، في الشهر الماضي فتح خزنة متجر مجوهرات عائلتنا وسرق عقدا أثريا من عصر تيترا، أبي كان غاضبا جدا”
“سمعت أن ’اللص الشبح كيت‘ وسيم جدا، يقولون إنه مهذب ورومانسي وساحر، آه، أتمنى أن ألتقيه”
“نعم، سمعت هذا أيضا، كل من رآه يقول إنه وسيم جدا”
“آه، لينا، إليزابيث، كفاكما مديحا له، إنه مجرد شخص خسيس، وفوق ذلك هو متخصص في إغواء سيدات المجتمع الراقي، لن يهتم بفتيات صغيرات مثلكما”
…
كان سو لون ورفيقاه يقفون في الممر يستمتعون بالنسيم، لكنهم وقعوا بلا سبب في مرمى الكلام
كان ألبرت غارقا دائما في كتب الخيمياء ولا ينوي الالتفات للآخرين، لكن هذا السلوك نفسه جلب له السخرية، فسنّه الجسدي لا يتجاوز 6 سنوات
غير أنه الآن، تحت تدريب سو لون، تعرف إلى مجالات كثيرة متقدمة من الخيمياء
وكانت “العربة الظافرة للأنتيمون” كتابا مرجعيا متقدما يستخدمه سحرة الخيمياء في صناعة المواد، وعادة لا يسمح للطلاب ذوي الأسلوب الأكاديمي بخوضه إلا بعد بناء أساس قوي، لأن هذه المعرفة معقدة
لكن سو لون ورفيقيه كانوا مختلفين، ما دام ألبرت يستطيع الفهم فسيواصل إرشاده إلى عمق أكبر
فطرق تعلم العباقرة تختلف عن طرق تعلم الناس العاديين
حتى صار علم ألبرت متخصصا، لكنه في بعض المجالات يعرف أكثر بكثير من أقرانه
ورغم السخرية، بدا أن ألبرت لا يسمع شيئا، واستمر مركزا على كتابه
قالت كاما وهي ممتعضة لأجل أخيها: “هؤلاء متكبرون حقا”
“ههه”
ابتسم سو لون أيضا
كان قد سمع أن أهل العاصمة الإمبراطورية في لوينغ يولدون بنوع من الغرور، ويرون من يأتي من أي مكان آخر مجرد أهل أرياف، ولم يتوقع أن يصادف ذلك على السفينة قبل أن يصل حتى إلى لينغدون القديمة
لكن ما كان يقلقه أكثر هو معلومة أخرى
“اللص الشبح كيت يبدو أن له سمعة واسعة فعلا”
شعر سو لون بتسلية ممزوجة بضيق
وفي تلك اللحظة، خرج رأس من نافذة في طابقين أعلى، وصاح بحماس: “هيه، سو لون!”
رفع سو لون رأسه فرأى ذلك الشاب الأشقر، أزرق العينين، شديد الوسامة، فرد: “كيت، هنا”
كان يريد أن يناديه باسمه بصوت أعلى، لكنه تذكر سمعة الرجل المشبوهة فتراجع
كان هذا الرجل واحدا من الأعضاء القدامى في منظمة السيد جينغ، “الساحر” كورتيس كيت
وما زال سو لون يتذكر بوضوح، حين كانوا يصطادون الشذوذ داخل آثار الفجر، كيف كان هذا الرجل يطير بأناقة مستخدما بطاقة
تماما كما فعل الآن، قفز الرجل من سطح الطابقين، أمسك الدرابزين وقفز إلى الداخل
دخول مبهر فعلا
…
مع أن سو لون يرى نفسه أوسم من كيت، فإنه يعترف أن كيت يملك حضورا أكثر جاذبية
كان كيت يرتدي بدلة بيضاء أنيقة وأحذية لامعة، وبشعر ممشط إلى الخلف على أحدث موضة، حتى حاجباه كانا مرتبَين بعناية، وتفوح منه رائحة خفيفة من عطر رجال، كان صورة كاملة لشاب وسيم ثري في كل شيء
ولم يكن هذا مجرد مظهر، فسو لون يعرف أن كيت في لينغدون القديمة كان بالفعل ابنا لعائلة كبيرة من المدينة الداخلية
كان الرجل اجتماعيّا، ومع انضمام سو لون إلى مجموعة السيد جينغ وتعاونه مع كيت عدة مرات، صار من الطبيعي أن يتعارفا أكثر
وحين رأى سو لون، حضنه كيت بحماس وقال: “آه، يا صديقي، طال الغياب”
وقد اعتاد سو لون هذا الحماس فمزح: “أقول لك يا كيت، ألا تخاف أن يأتي يوم يطوقونك تحت سرير ويكسرون لك 3 عظام؟”
لم يهتم كيت إطلاقا: “أبدا يا سو لون، أنت لا تفهم، هذا حب”
ضحك سو لون: “لديك حب كثير فعلا”
ثم بدأ كيت يشرح فلسفته عن الحب بنبرة رقيقة: “كيف يمكن للمرء أن يحب شخصا واحدا فقط طوال حياته؟”
وبشيء من الاستسلام، لم يمنح سو لون كيت فرصة للإطالة، بل قدم قائلا: “هذان تلميذاي، كاما وألبرت”
ألقت كاما وألبرت التحية بأدب على هذا العضو الكبير في منظمة الفجر
وبعد تبادل المجاملات، أخرج كيت من جيبه 3 تذاكر كأنه يسحرها، وقال: “هذه تذاكر درجة أولى، آسف يا سو لون لأنني لم أؤمن لكم إقامة أفضل، لكن تذاكر الدرجة الخاصة تحتاج إلى ختم نبيل للتسجيل، وستجذب انتباها كبيرا”
“شكرا”
لم يهتم سو لون بمثل هذه الأمور وأخذ التذاكر مباشرة
ولم يذكر قلقه، بل سأل على الفور: “ما قصة ’جمعية ناسك العملاق‘ على السفينة؟”
وحين سمع كيت السؤال الجاد، ترك خفته وقال: “ألم يقل القائد أن نراقب هذه المنظمة الدينية عن قرب؟ السيد هي حصل سابقا على معلومات سرية جدا تقول إن أسقفا من تلك الجمعية على متن السفينة، وهو حاليا أعلى رجل دين معروف من هذا المذهب رصدناه، جئت بنفسي لأتابع الأمر، راقبت الرجل وتأكدت أنه مرتبط بأشخاص في الغرف 3011 و2022 و1066، نحو 12 شخصا تقريبا، ويبدو أنهم يجهزون لنشاط دعوي سري”
قطب سو لون قليلا وسأل: “هل أظهر هؤلاء الأشخاص أي علامات غير طبيعية؟”
لم يكن قتل أتباع الحكام الغرباء صعبا، لكن ذلك لا يحل المشكلة
بعض المواقف قد تكون مبالغًا فيها لخدمة الإثارة السردية.
كان وجود “الفجر” هو دفع حضارة الخيمياء إلى الأمام
وكان السيد جينغ قد قال يوما إنها لا تهتم بمن يكون إمبراطور لوينغ، لكن لا يمكن إطلاقا أن يكون مؤمنا بالحكام
وقد تأكد الآن أن “جمعية ناسك العملاق” لها صلة مباشرة بالعائلة الملكية في لوينغ، فإذا تمكنوا من تتبع الخيط إلى شخصية عالية داخل العائلة الملكية، فسيكون الأمر قد حسم بالكامل
هز كيت رأسه: “ليس حتى الآن، هؤلاء غامضون جدا ونادرا ما يخطئون، كما أنهم لا يجتمعون وجها لوجه إلا قليلا، لدي شعور أن وراء هذا سمكة كبيرة، لذلك كنت حذرا كي لا أفزع الأفعى”
أومأ سو لون وهو يستمع
قد يبدو كيت خفيفا، لكنه حين يعمل يكون موثوقا جدا
وشعر سو لون بحدس أن في السفينة شيئا غير طبيعي، فسأل: “هل في هذه السفينة شيء مميز؟”
واضح أن كيت كان قد بحث جيدا، فقال: “حتى الآن لا تبدو مختلفة عن سفينة ركاب عادية، هذا النوع يبحر مرتين في الشهر، في البداية وفي منتصف الشهر، وعلى متنها قرابة 5000 شخص، أغلبهم مسافرون، مع عدد قليل من النبلاء، وهناك أيضا مجموعة طلاب من الأكاديمية الملكية في لوينغ، في رحلة ’مراقبة بحرية‘ عادية، إضافة إلى ذلك، توجد على السفينة صالة عرض ينظمها جامع أدوات قديمة غامض، وبعد بضعة أيام سيكون هناك مزاد عشاء خيري”
“حسنا”
فكر سو لون وهو يستمع
كل المعلومات الضرورية موجودة، لكن لا شيء يلفت النظر
ثم سأل: “هل هناك معروضات مميزة في صالة العرض؟”
قال كيت: “لا شيء مدهش جدا، ذلك الجامع الغامض عرض مجموعة عائلته، فيها أدوات قديمة ثمينة وبعض الأدوات الملعونة، ذهبت ورأيت ولم ألاحظ شيئا غير طبيعي، هوية الجامع لم تؤكد بعد، سمعت من السيدة مارجوري أنه مالك مزرعة من الجنوب، وسمعت قبل قليل من السيدة سيلاس أنه من عائلة نبيلة قديمة فقدت قوتها”
…
كان سو لون يرى أن ما جمعه كيت شامل جدا
لكن بدا أن مصادر معلوماته هن سيدات النبلاء
وحين رأى كيت نظرة سو لون الغريبة، حرّك حاجبيه وضحك: “لا بد أن تعلم، في معلومات المجتمع الراقي لا توجد منظمة تنافس دوائر سيدات النبلاء الصغيرة”
ضحك سو لون بارتباك وهز رأسه قليلا
وتابع كيت: “أظن أن هناك مشكلة في هذا الجامع الغامض، وبالصدفة، من بين المعروضات واحدة من ’بطاقات التاروت السرية لخزائن الأسرار الاثنتين والعشرين‘، وهي بطاقة الرجل المشنوق، وهي قطعة أصلية ثمينة جدا، وكثيرون يأتون إلى المزاد الخيري خصيصا من أجلها، أنوي أن أتخذ منها ذريعة لأسرقها وأرى إن كنت سأجبر الجامع على الظهور”
كانت بطاقات التاروت شائعة جدا في هذا العالم، وتنتشر غالبا بين باحثي الغيبيات وتستخدم أساسا للتنبؤ
ولم يكن سو لون قد سمع من قبل عن “بطاقات التاروت السرية لخزائن الأسرار الاثنتين والعشرين”
لكن اسم “بطاقة الرجل المشنوق” أثار اهتمامه: “هل في تلك البطاقة شيء خاص؟”
لم يكن كيت لصا شبحيا فقط، بل كان جامعا أيضا، وله عين خبيرة بالأشياء الثمينة
وعندما يتعلق الأمر بالكنوز، كان يتكلم بحماس كأنه ينظر إلى امرأة فاتنة: “لهذه القطعة تاريخ كبير، يقال إنها مجموعة خاصة من بطاقات التاروت صنعها أحد شيوخ الصليب الوردي الخمسة في عصر الفجر، وعددها 22 بطاقة، وكل بطاقة تخفي سرا كبيرا، وهذا ليس كلاما متداولا فقط، فالكثير من سير المغامرين العظام في التاريخ سجلت وقائع عن أشخاص حصلوا على بطاقات أصلية، ومن خلال فك شيفرتها وجدوا كنوزا عظيمة، وهذه هي التي سماها الناس لاحقا ’بطاقات التاروت السرية لخزائن الأسرار الاثنتين والعشرين‘، وبالطبع توجد في السوق نسخ مزيفة كثيرة، وحتى الآن لدى المتاحف الكبرى والجامعين الخواص ما لا يقل عن 8000 بطاقة من هذا النوع”
ثم توقف، ولمعت عيناه وهو يتابع: “والبطاقة المعروضة هذه المرة هي ’بطاقة الرجل المشنوق للسايكلوبس‘، ويقال إنها مرتبطة بإرث حاكم أعلى من حضارة أسطورية قديمة، رأيتها من قبل، ولا أضمن أنها أصلية، لكنها بالتأكيد أداة من عصر الفجر”
ومع الاستماع، زاد اهتمام سو لون أيضا
في فضاء لعنة الوادي الملعون، كان سو لون قد رأى تمثالا حجريا كاملا تركه العمالقة القدامى، وفيه نقش لحاكم عظيم علق نفسه مقلوبا قرب بئر الحكمة لينال “المعرفة”
ومن بين كثير من الأساطير حول “بطاقة الرجل المشنوق”، وجد سو لون أن هذه الحكاية أقرب إلى التصديق
كما خمّن أنها قد ترتبط بأصل موهبة “العين العليمة”
قد لا يعرف الآخرون معنى “شيوخ الصليب الوردي الخمسة” ويرونه أسطورة بعيدة، لكن سو لون يعرف أكثر، بل إنه شهد بنفسه الإرث الذي تركوه
وكان السيد جينغ قد ذكر أن التماثيل الحجرية الخمسة في الحجرة تحت الأرض داخل قصر العاصفة في أطلال مدينة الفجر هي لهؤلاء الشيوخ الخمسة
وكانت “العين العليمة” و”الحاصد” لدى سو لون إرثا حصل عليه من تلك التماثيل الخمسة
فإذا كانت البطاقة حقا من صنع أحد الشيوخ الخمسة، ألن ينسجم ذلك تماما مع خلفية “العين العليمة”؟
وحين رأى كيت اهتمام سو لون، أضاف: “البطاقة محفوظة الآن في صالة عرض محروسة بقوة، ولا فرصة للوصول إليها، لكنها ستطرح في المزاد الخيري بعد 5 أيام، وقتها يمكننا محاولة إخراجها لتراها؟”
ابتسم سو لون: “لا داعي، سأذهب لأراها بنفسي حين يحين الوقت”
فمع العين العليمة، حتى لو لم يمسكها بيده، فمجرد رؤيتها يكفي
وفي تلك اللحظة، جاء صوت حاد لا يخرج إلا من سيدة نبيلة من الأعلى: “هيه، جاك، أين أنت؟”
عند سماع ذلك، أمال كيت رأسه ونظر إلى الخارج: “الآنسة روث، لحظة واحدة، قابلت صديقا”
ارتعش جفن سو لون وهو يراقب
ذلك الاسم المستعار كان جريئا جدا
ومن الواضح أن كيت محترف قديم
لم ينو كيت البقاء طويلا، فالتفت إلى سو لون وقال: “حسنا، علي أن أذهب لأبحث عن خيط جديد، إن احتجت شيئا فاتصل بي عبر جهاز الاتصال”
“مم”
قلب سو لون عينيه وهو يستمع
وقبل أن يرحل، نظر كيت مرة أخرى إلى ملابس سو لون ورفيقيه وأعطى تذكيرا: “صحيح، عليك أن تغير ملابسك، أضمن لك أنك إن تجولت في السطح العلوي بتلك الملابس الريفية القادمة من شمال لوينغ، فإن أهل لينغدون القديمة المتعجرفين سيحتقرونك، خصوصا إن كنت ستحضر عشاء المزاد الخيري”
استمع سو لون بتعبير غريب
لم يكن الأمر أنهم سيحتقرونهم، لقد احتقروهم بالفعل
نظر إلى لباسه، كان معطفا وبذلة وحذاء، مزيجا عاديا جدا، وبما أنه كان يعيش في بحار الشمال دائما، فهذا الأسلوب كان طبيعيا بالنسبة له
لكن بما أنه متجه إلى لينغدون القديمة التي تعد واجهة الموضة، فالتغيير يبدو ضروريا
رفع سو لون رأسه، فوجد أن كيت قد اختفى بالفعل
…
وبحوزته 3 تذاكر، عثر سو لون بسرعة على المقصورة 2077 في الدرجة الأولى
وعندما مر بجوار المقصورة 2022، انتبه إليها عمدا
مقصورات الدرجة الأولى غالبا ما تحتوي على بعض التحصينات البسيطة، مثل عزل الصوت ومنع التلصص
لكنها لا تستطيع حجب إدراك الروح
لاحظ سو لون أن داخل المقصورة أربعة أشخاص، لكنه لم يزعجهم، واكتفى بتسجيل الأمر في ذهنه
ثم عاد إلى مقصورته
لم تكن مقصورة الدرجة الأولى كبيرة جدا، لكنها كانت أكثر من كافية للمعلم وتلميذيه
كان فيها سرير كبير بملاءات بيضاء نظيفة، وحمام خاص، ونافذة تطل على البحر، وكان المكان لطيفا
تماما كما كانوا في المختبر، انشغل سو لون وتلميذاه بأعمالهم المعتادة
لاحقا، زار صالة العرض لكنه لم يجد “بطاقة الرجل المشنوق”، بل كانت هناك نسخة مقلدة معروضة فقط
وحين سأل الموظفين، قالوا إن ذلك لحماية المعروض من اللص الشبح كيت، وإن الأصل لن يعرض إلا ليلة المزاد
فترك سو لون الأمر كما هو
…
وفي الأيام التالية، أخذ سو لون الشقيقين كاما في جولات بسيطة داخل السفينة
من الدرجة الأولى إلى الأسطح السفلية التي يقيم فيها عامة الناس، زاروا كل الأماكن
كان أحد الأسباب هو التعرف إلى عادات وثقافات مناطق لوينغ المختلفة، والسبب الآخر هو التأكد من عدد أعضاء “جمعية ناسك العملاق” على متن السفينة
كان كيت لا يستطيع إلا أن يحكم بالخبرة وبالقرائن
أما سو لون فكان يملك طريقة لتحديد المؤمنين مباشرة
فبحسب ما يعرفه، توجد داخل أجساد أتباع الحكام الغرباء تلك الديدان الطفيلية الحمراء الغامضة
وفي السابق، عندما كانوا في أطلال البحر، قتل سو لون البارون سيغل وحصل على عينة حية من الطفيل
درس داني بانكس ذلك الطفيل، ورغم أنه لم يفهم كل خصائص الدودة، فإنه طوّر مادة تفاعلية سريعة المفعول
هذه المادة إذا كانت قريبة من الطفيليات تثير تفاعلا خاصا يشبه “الحساسية”
ثم خفف داني بانكس تركيزها وابتكر “عطرا” أكثر خفاء
عند رش هذا العطر على النفس، يشعر أتباع الحكام الغرباء بانزعاج خفيف ويصابون بالعطاس ضمن نطاق معين
اختبر سو لون ذلك بأن رش قليلا عند باب المقصورة 2022
وبالفعل، ظهرت على من خرجوا من تلك المقصورة أعراض حساسية خفيفة مطابقة
وبهذه الطريقة، كشف سو لون أيضا عدة مؤمنين آخرين على متن السفينة
لكنهم جميعا بدوا بلا أهمية، مجرد شخصيات صغيرة
إلا أنه في ذلك اليوم اكتشف سو لون مشكلة كبيرة
فالأستاذ الذي يقود مجموعة أكاديمية لوينغ الملكية ظهرت عليه أيضا حساسية من “العطر”
وكانت هذه معلومة لا تعرفها منظمة الفجر حتى الآن
كان السيد هي وكيت يعتقدان فقط أن هناك عضوا رفيعا بمستوى “بابا” على متن السفينة، والاشتباه كان موجها نحو الجامع الغامض الذي ينظم المزاد الخيري
لكن هذا الأستاذ المحترف من الرتبة السادسة لم يكن ضمن حساباتهم أبدا
عندها أدرك سو لون أن اجتماع هذا العدد من المؤمنين على “الملكة رودريكا”، وبمستويات عالية إلى هذا الحد، قد يكون علامة على مؤامرة كبيرة تتخمر في الخفاء

تعليقات الفصل