تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 424 : إخوة

الفصل 424: إخوة

وضع ألبرت مكعب روبيك الميكانيكي جانبا واستبدله بزوج من القفازات الميكانيكية المصنوعة من الحديد الأسود

وفعلت كاما الشيء نفسه

لكن قفازيها كانا أبيضين ومصنوعين بإتقان مع مراعاة ذوق فتاة صغيرة

كانت هذه القفازات قد صُنعت على يد سولنتي خصيصا لتناسب عاداتهم في تدريب التحكم بالخيوط والدمى كبدائل ميكانيكية وكانت أنسب لبعض أسلاك الفولاذ عالية الشدة

حدقت كارولاين في التروس والآليات المعقدة على قفازيهما ولم تفهم ما هي مهنتهما بالضبط

بدت كأنها قفازات قتال قريب لكنها أيضا تشبه شيئا قد يرتديه ميكانيكي

لكنها كانت أكثر دهشة لأن هذا الشقي سليط اللسان لاحظ الخلل قبل أن تلاحظه هي

كان وجه كارولاين قد بدأ يكتسب ملامح حيوانية مثل امرأة القطة وبمجرد أن شمّت الهواء استطاعت أن تشم تلك الوحوش وهي تقترب

وبينما كانت على وشك السؤال تحدث ألبرت أولا “سيدتي هل يمكنك إبلاغ أولئك الناس بأن هذه الوحوش المتحولة هي زومبي تنتقل عبر الدم وأن من يتعرض لعضة سيُصاب بالعدوى ومن الأفضل عدم قتلها لأن الوسائل المعتادة لا تقتلها ثم إنها بعد أن تُجرح ستندمج لتصبح مخلوقات أشد رعبا وعندها سيواجه الناس هنا وحوشا تزداد رعبا مع الوقت”

عبست كارولاين حين سمعت ذلك “كيف تعرف هذا؟”

وبينما كان يلف نابض قفازه الميكانيكي رد ألبرت بهدوء “معلمي أخبرني”

فهمت كارولاين بسرعة ما يجري

هل كان هذان الصغيران يدفعانها إلى الواجهة؟

كانت تعرف جيدا أنه ما إن تكشف هذه المعلومة حتى ستجذب انتباه أتباع الحكام الخارجيين وقد تصبح في خطر قاتل فورا

إذن أنتما تعرفان أنه خطير جدا أن تتكلما وتتركانني أتلقى الضربة؟

كيف يمكن أن تكونا ماكرين إلى هذا الحد في هذا العمر؟

صار تعبير كارولاين غريبا

في أي ظرف آخر كانت سترفض تماما

لكن الوضع الآن خرج عن السيطرة فإذا كانت الوحوش تتجمع بكثافة قاتلة كما قالا فإن عدم التحرك قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن إصلاحها

فكرت للحظة ثم جزت على أسنانها ووافقت “حسنا”

كما رصد ألبرت والآخرون شيئا مريبا وقع الخطر حتما

“اللعنة هناك وحش!”

“اللعنة ألم تُغلق كل الممرات كيف ما زالت هناك وحوش افحصوا أين فشل الدفاع!”

“احذروا هذه الوحوش المتحولة قد تكون من صنع البشر!”

لم يهدأ قاعة الوليمة طويلا حتى سقطت عدة وحوش من بقعة مظلمة في السقف ولم يعرف أحد من أين زحفت

قبل أن تفتح كارولاين فمها للتحذير دوى وابل من الطلقات وصارت الوحوش كأنها منخل مثقوب

سقطت الجثث بقوة على الأرض وتلطخت كأنها بطيخ محطم وغطى الدم الأرضية

كان مطلقو النار طلابا من الأكاديمية الملكية في روين مجهزين بأسلحة نارية من القمة وبكمية كبيرة من الرصاص الخيميائي وكانت الرماية مادة إلزامية لديهم لذا كانت إصابتهم بلا خطأ

بعد بضع طلقات تمزقت هذه الأنواع الشبيهة بالزومبي من المستوى الأول إلى أشلاء فورا

“هاهاها هذه الوحوش ضعيفة جدا ولا تشكل أي تهديد”

“بالضبط لا أرى داعيا لإغلاق الممرات بعد الآن دعوا الوحوش تدخل لدينا ذخيرة تكفي لتطهير السفينة كلها”

“هم لا حاجة للخيمياء المسدسات تكفي كل هذا الضجيج بلا فائدة أقلقتموني بلا سبب هؤلاء العوام ضعفاء فعلا”

بعد قتل بضعة وحوش متحولة امتلأ هؤلاء الطلاب بالثقة

في البداية كانوا قد سمعوا الضجيج ولم يتوقعوا أن الوحوش هشة إلى هذا الحد

تنفس الجميع الصعداء

حتى إن بعض الطلاب الجريئين اقتربوا من جثث الوحوش واستخدموا عصيا ليفحصوا ماهية هذه المخلوقات

حين رأت كارولاين ذلك تغير وجهها بشدة وصرخت فورا “احذروا لا تلمسوا جثث تلك الوحوش!”

المخلوقات المتحولة العادية ليست مخيفة حقا لكن إن كانت قد تحولت من محترفين فستكون أشد إزعاجا ولم تكن تريد أن يُصاب هؤلاء الطلاب بالعدوى

جذب صراخها العالي نظرات استغراب من الجميع

ودون إضاعة وقت نقلت كارولاين بسرعة المعلومة التي قالها ألبرت قبل قليل “أيها الجميع لا تقتلوا تلك الوحوش إنها ستندمج وتعود للحياة…”

بعد سماع ذلك لم يصدق كثيرون في قاعة الوليمة

لكن سرعان ما اعترض أحدهم “من أنت؟ وكيف تعرفين كل هذا؟”

من الواضح أن تفشي التلوث المتحول على سفينة الرحلات رودريكا كوين كان غريبا فقد انتشر بسرعة في الطوابق السفلى وكان واضحا أن هناك من يدير الأمر من خلف الستار

فجأة ظهور شخص يعرف خصائص الوحوش بهذا التفصيل لا بد أن يثير الشك

وفوق ذلك ما دامت هذه الوحوش سهلة القتل فلماذا تطلبين منا ألا نقتلها؟

هذا الدافع وحده يثير الشبهة

كانت كارولاين تعرف أنها صارت موضع اتهام

ومنذ لحظة تكلمها كانت تتوقع هذه النتيجة

هويتها كزعيمة عصابة تنفع مع العامة لكن في أعين هؤلاء النبلاء كانت لا تختلف عن منظفة مجاري تتعامل مع أمور قذرة وسرية ولا تكاد تملك أي قدرة على الإقناع

كانت تنوي في الأصل أن تنتظر حتى تندمج الوحوش ليظهر الحق

وقبل أن يحدث ذلك

في تلك اللحظة

صرخ شخص فجأة

“أمسكوا بها إنها تعرف أكثر من اللازم هذا التلوث المتحول مرتبط بها بالتأكيد!”

وبدون أن يمنحها فرصة تفسير اندفع عدة أشخاص نحوها بسرعة

عرفت كارولاين أن هؤلاء على الأرجح أتباع الحكام الخارجيين وربما يوجد أيضا من أساء الفهم وأراد المساعدة لكن في هذا الوقت الحرج لم يكن بوسعها أن تُؤسر وكان عليها أن ترد

شدت أختام الساحر بأصابعها فانتفخت عضلات جسدها ودخلت تماما هيئة وحش وتحولت أظافرها إلى شفرات حادة

قفزت فكان جسدها مرنا كأن لا عظام له وأدت شقلبة خلفية معقدة وتفادت طلقات باردة أطلقت نحوها

وفي الوقت نفسه تقدم مرؤوسو كارولاين لمساعدتها واندلع القتال بين الفريقين فورا

“هم هذه المرأة بالتأكيد تخفي شيئا!”

“لديهم شركاء أيضا!”

“اقتلوا الجميع واحذروا قد يحاولون تخريبنا!”

شعر معظم الناس أن القتال بدأ على نحو غريب

مجرد قتل بضعة وحوش فلماذا اندلع اقتتال داخلي بينهم؟

لكن بما أن كلام الطرفين بدا منطقيا قبل قليل التزم معظم الناس الحياد ووقفوا يراقبون

وفي زاوية على أريكة كان الأخوان كاما يفحصان تجهيزاتهما

حين رأيا القتال المفاجئ لم يتفاجآ أبدا

تمتمت كاما “ألبرت كنت على حق لو تكلمنا قبل قليل لكنا نحن من تعرض للهجوم”

ظل وجه ألبرت الصغير بلا تعبير وهو ينظر إلى كارولاين المتحولة وقال “إذن هي موهبة امرأة القطة ذات الرمز 011 هذه الخالة قوية جدا”

هزت كاما كتفيها بلا اهتمام ثم تابعت النظر “ألبرت هل ينبغي أن نساعد؟”

“لا نستطيع المساعدة”

هز ألبرت رأسه وأضاف “لا تقلقي هذه الخالة ليست سهلة القتل ثم إنها إن كانت حقا تريد إنقاذ ابن ذلك الدوق فستصطدم بهؤلاء عاجلا أو آجلا ومع غموض الوضع من الجيد أن تجذب هؤلاء إلى السطح”

لمعت عينا كاما موافقة ثم قالت “إذن ماذا نفعل الآن؟”

رغم أن تعبير ألبرت لم يتغير كانت عيناه تراقبان ساحة القتال باستمرار وعقله يستنتج السيناريوهات بسرعة

وبعد لحظة قال “ننتظر هنا من الأفضل أن نبقى بعيدين عن ابن ذلك الدوق عندما تقتحم الوحوش المكان سيكون بالتأكيد محور اهتمامهم ثم نحاول البقاء أحياء حتى يحسم المعلم القتال في مخزن الشحن”

توقف ثم أضاف “وطبعا إن لم يستطع المعلم التعامل معهم فعلينا الاستعداد للهرب”

ضمت كاما شفتيها “…”

شعرت أن أخاها صار يشبه معلمهما أكثر فأكثر

في المعارك يكون باردا كحاكم

وكأن كاما قرأت أفكاره أكمل ألبرت “قال المعلم إننا في المعركة نحتاج إلى التخلص من العواطف الزائدة الشفقة والرحمة والتردد والتردد مرة أخرى كل المشاعر التي تضعنا في خطر”

دارت كاما بعينيها وردت “ألبرت أنت حقا تصير مثل المعلم المشكلة أنك لست وسيما مثله لو واصلت هكذا قد لا تحظى بأي فتاة”

“فتيات؟”

عند سماع ذلك مر على وجه ألبرت تعبير ناضج أكبر من عمره وارتسمت ابتسامة ازدراء على شفتيه “هذا لن يفعل سوى إبطاء سرعتي في التحكم بالدمى…”

لكن ما رد عليه كان ضربة قوية على رأسه من كاما أخته الكبرى مع صرخة غاضبة “كيف تجرؤ ألبرت أنت مقدر لك أن تواصل اسم عائلة بوير!”

في لحظة انهار تماسك ألبرت البارد وتوسل “أختي لا تضربي رأسي يؤلمني!”

بدأت طفيليات حمراء تخرج من الجثث على الأرض وتبدأ في الاندماج

لكن انتباه معظم الناس كان مشدودا إلى القتال الذي يزداد شدة بين الفريقين داخل قاعة الوليمة

وحين لاحظ أحدهم تغير جثث الوحوش

فجأة

اندلعت أزمة جديدة

جاء ضجيج هائج من مخزن خلف قاعة الوليمة كأن شيئا يندفع جماعات

فورا اندفع عدة أفراد أمن مذعورين من المطبخ “كارثة! فتح أحدهم فتحة تهوية غرفة التحضير واقتحم عدد كبير من الوحوش لا نستطيع صدهم!”

ومع كلماتهم اندفعت خلفهم عدة وحوش مشوهة سريعة الحركة

ما إن انتهوا حتى صرخ شخص “اللعنة لا بد أنها تخريب من تلك المرأة يجب أن نقتلها أولا!”

وزأر آخر “افتحوا النار اقتلوا تلك الوحوش لا تدعوها تدخل!”

بانغ!

بانغ!

بانغ!

انفجر صوت إطلاق النار في الحال

وقد أثبت ذلك أن البشر يميلون إلى تقليد بعضهم في الذعر

في هذه اللحظة الحرجة لم يمنح أتباع الحكام الخارجيين الناس فرصة للتفكير والحكم بل ظلوا يقودون الجميع داخل قاعة الوليمة نحو القتال

رأى الجميع موجة الوحوش تواصل التدفق من المطبخ وما إن أطلق أحدهم الطلقة الأولى حتى بدأ الجميع يطلقون النار

كان الرصاص كثيفا مثل المطر

امتلأ الهواء برذاذ دماء ووحل سائل وتطايرت سوائل جسدية مختلفة

حين رأى ألبرت هذا المشهد ارتدى قناع الغاز بهدوء وتمتم “كنت أعلم أن هذا سيحدث”

“آه…”

تنهدت كاما بخفة وارتدت قناع الغاز

بعد وابل من إطلاق النار تحطم المطبخ كله بفعل الرصاص الخيميائي

كان طلاب الأكاديمية الملكية قد درسوا تكتيكات الطوارئ فسحبوا الدروع وأنواعا مختلفة من الأسلحة وأقاموا خطا دفاعيا

كان معظم هذا القصف ناتجا عنهم

هذا التركيز في النيران حتى المحترفون الأعلى رتبة لا يصمدون أمامه فكيف بسرب من الوحوش الضعيفة التي مُحيت في لحظة

بعد لحظات توقف إطلاق النار

حين نظروا حولهم كان المنظر مروعا

كانت المنطقة حول المطبخ مغطاة بوحل دموي قرمزي وأطراف متناثرة وكأنها هريس لحم كثيف عدة أمتار بحيث يستحيل معرفة عدد جثث الوحوش المتراكمة هناك

عندما رأى الطلاب أن الوحوش صُدت مرة أخرى تحمسوا قليلا وشعروا بإنجاز كبير

“هل طردنا الوحوش؟”

“هاهاها قلت لكم هذه الوحوش ليست شيئا لا أظن أننا يجب أن نختبئ هنا بعد الآن لننزل وننظف الوحوش في الأسفل”

لكن قبل أن يفرحوا أكثر لاحظ أحدهم شيئا غريبا

“لا انظروا هناك شيء يتحرك داخل الجثث!”

“اللعنة هل ستندمج هذه الأشياء فعلا؟”

في لحظة خمنوا أن المرأة قبل قليل لم تكن تكذب

لكن فات الأوان

كانت كارولاين ما تزال متشابكة مع عدة أشخاص حين فجأة خرجت طفيليات حمراء لا حصر لها تشبه الخيوط من اللحم الدموي على الأرض

وكلما زادت بقايا اللحم والدم من الجثث أسرع اندماج الوحوش

ثم شاهد عدة مئات في قاعة الوليمة واحدا تلو الآخر “وحوشا متعددة الوجوه” تعود للحياة وتقف من جديد

عندها فهم الجميع أن هذه الوحوش لا يمكن قتلها

“الهجمات الجسدية بلا فائدة! استخدموا تعاويذ نظام النار بسرعة وأحرقوها كلها!”

أدرك أحدهم شيئا بسرعة ونفذ تقنية نظام النار

لكن النيران العادية لم تنفع أبدا

ثم جاء التجمد وضربات البرق ووسائل شتى

وكلها تأثيرها ضعيف جدا

عندها فقط فهم الناس أن ما قالته المرأة كان صحيحا إذا لم تمت هذه الحشرات فلن تموت الوحوش المتحولة

“لا تطلقوا النار هذه الوحوش تزداد خطرا كلما قتلتم منها!”

“وإن لم نقتلها ماذا نفعل هل نتركها تعدينا؟”

“اللعنة ماذا نفعل الآن أنقذونا…”

“لا تقفزوا إلى البحر هناك وحوش أيضا!”

حين أدرك الناس أن الوحوش لا تُقتل انتشر اليأس فورا

والأشد رعبا أنهم دمروا عدة “وحوش متعددة الوجوه” لكن برك لحمها اندمجت فورا من جديد لتصير “جبل لحم بمئة وجه” أشد رعبا

كان ذلك الوحش مثل جبل من لحم يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار وعلى سطحه وجوه بشرية وعيون تشبه الأورام مما يجعل فروة الرأس تقشعر

أصيب عدة مئات في قاعة الوليمة بالعدوى تدريجيا واحدا تلو الآخر حتى من قفزوا إلى البحر رأوا ديدان دم ضخمة في الماء تشبه شقائق بحر عملاقة

القفز من السفينة يعني الموت وعدم القفز يعني انتظار الموت

الطلاب من الأكاديمية الملكية الذين ظنوا أنهم مدججون بالسلاح صاروا الآن يتجمعون في رعب محموم كان جبل اللحم بطيئا مما سمح لهم بعرقلته قليلا لكن مع ازدياد عدد المصابين حولهم أدركوا أن الموت هبط على هذه السفينة ولا مهرب

في هذه اللحظة كان أليكس أهدأ نسبيا من زملائه

لم يظهر حارسه لكنه راقب كل شيء حوله ببرود كان الوضع يزداد تعقيدا ويبدو أنه يتضمن عدة أطراف مما يصعب معرفة من هو “المدبر” الحقيقي

كما أن حارسه أشار بحكمه إلى أن نهاية اليوم أقرب إلى السوء منها إلى الخير

كان أليكس وريث عائلة نبيلة من القمة ويملك رصانة وفكرا يتجاوزان عمره

استمرت أوراق التاروت في يده بالدوران ولم يتوقف استبصاره

وفجأة تحولت نظراته إلى الجهة الأخرى من قاعة الوليمة

لم ينسَ أن أحدا مرر له رسالة قبل قليل

وبهذه النظرة تجمدت عيناه هناك

لم يتوقف عدد الوحوش في قاعة الوليمة عن الزيادة

ولم يعد بوسع الأخوين كاما البقاء خارج الأمر

لم يكن أمامهما سوى القتال مع المراوغة

كان لهما مسار واضح في تجنب الخطر فكلما تحرك طلاب الأكاديمية الملكية في اتجاه ذهبا هما في الاتجاه المعاكس ليبقيا أبعد ما يمكن

كانت طريقة قتال الأخوين مختلفة تماما عن الآخرين

لم يطلقا النار ولم يقطعا بالسيوف

سحبت القفازات الميكانيكية في أيديهما أسلاكا رفيعة من فولاذ الرون ثم لفّا بها كل الوحوش المتحولة التي اقتربت وعلقاها في الهواء

وبما أنها وحوش متحولة منخفضة الرتبة فلم تكن مشكلة كبيرة سوى أنها كثيرة العدد

وفي وقت قصير صار هذا الركن من قاعة الوليمة مثل وكر عنكبوت وتعلقت عشرون أو ثلاثون وحشا في الهواء على الأسلاك ورغم أنها كانت تتلوى باستمرار لم تستطع أن تؤذي أحدا

كان هذا درسا حيا للجميع في القاعة

هل هكذا نتعامل مع الوحوش؟

هل يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة؟

في النهاية قاعة الوليمة ليست كبيرة وحتى لو كانا متحفظين فإن الضجيج في تلك الزاوية جذب انتباه الجميع

نظر طلاب الأكاديمية الملكية واحدا تلو الآخر

“انظروا هناك يا للعجب هذان الاثنان سيطرا على الوحوش فعلا”

“أليست هذه الفتاة الريفية التي أرسلت رسالة حب لأليكس يبدو أنها قوية جدا”

“نعم هذه الأساسيات الصلبة لا يمكن أن تكون من إنتاج معاهد من الدرجة الثانية لا بل ربما حتى معهدنا…”

“ما هي مهنتهما يستخدمان الخيوط كسلاح؟”

عندها أدرك الناس أن من ظنوهم مجرد ريفيين بسيطين هم في الحقيقة خبراء يضطر حتى هؤلاء النخبة إلى رفع أبصارهم إليهم

بدت الطريقة بسيطة مجرد أسلاك فولاذية تربط الوحوش لكن أي شخص خبير فهم فورا أن مهارة الأخوين في التحكم بالخيوط عالية جدا

هذه المناورات لا تأتي إلا بعد سنوات طويلة من التدريب القاسي

….

ومع ذلك لم تمنح الوحوش الناس في قاعة الوليمة وقتا لالتقاط الأنفاس

ولحسن الحظ وبعد رؤية ما فعله الأخوان كاما بدأ الآخرون يبتكرون طرقا للتعامل

حتى لو لم يعرفوا التحكم بالخيوط فقد فكروا في تقنيات خيميائية متنوعة مثل تقنية الكروم وتقنية المستنقع وتقنية التجميد وتقنية الرمال المتحركة

وكانت النتائج جيدة

لكن ذلك لم يشمل “جبل اللحم بمئة وجه”

لو أن الجميع بدأ من البداية بالسيطرة على الوحوش بدلا من قتلها لما وصلوا إلى هذا العجز

أما الآن فقد صار “جبل اللحم بمئة وجه” لا يمكن إيقافه وهو عملياً لا يُقتل في هذه المرحلة

هجمات المحترفين منخفضي الرتبة عليه كخدوش سطحية وحتى هجمات المحترفين من الرتبة الثالثة أو الرابعة تشفى في لحظة

وفوق ذلك يواصل ابتلاع وحوش أخرى والاندماج ليصبح كتلة لحم أكبر

كان أداء ألبرت “ممتازا” إلى درجة أن النبلاء والسيدات المذعورين في قاعة الوليمة اندفعوا نحوه ونحو أخته بحثا عن الأمان

طلب الحماية شيء لكنهم لاحظوا أيضا أن الوحوش حول ألبرت وأخته كانت الأقل

وأدرك بعضهم على نحو غامض أن هذه الوحوش تبدو وكأنها تستهدف تحديدا أفراد الأكاديمية الملكية

عبس ألبرت حين رأى الناس يندفعون فجأة طلبا للحماية ونبه أخته “أختي احذري قد يكون بينهم أتباع للحكام الخارجيين”

أومأت كاما وراحت تفحص المجموعة التي جاءت بحذر

في تلك اللحظة اندفع رجل من بين الحشد بإرادة نجاة واضحة واختبأ خلف الأخوين أولا

نظرت كاما إلى تعبير الجبن على وجه كيث وتمتمت “أيها الكبير هل هذا منظر يليق بك؟”

كانت تظنه دائما جذابا لكن الآن هذا…

“أنت ما زلت صغيرة ولا تفهمين بهذه الطريقة لن تزعجني تلك السيدات بعد الآن”

ابتسم كيث وتسلل بهدوء إلى زاوية

كاما “…”

ألبرت “…”

كان الأخوان يعرفان جيدا أنه رغم أن الأمر يبدو كأن كيث جاء ليحتمي فإن هذا الكبير من مجموعة الفجر كان يحميهما في الحقيقة

أتباع الحاكم الشرير سيقضون على كل من يعترض خططهم

وبالفعل رفع رجل في الحشد فجأة سلاحا وأطلق النار على الوحوش المشوهة العشرين تقريبا التي كانت مقيدة بخيوط الحرير

كانت إصابته دقيقة تقريبا رصاصة لكل مخلوق ودمر بسرعة كل الوحوش التي كاما وأخوها بالكاد تمكنا من تقييدها

تناثر الدم في كل مكان

عندها فهم الجميع أن من كان يصرخ ويشجع القتال قبل قليل هو “المدبر الخفي”

تحرك ألبرت بسرعة شديدة ففي اللحظة التي بدأ الرجل يطلق النار شد سلك الفولاذ في يده فقطع رأسه فورا

وفي الوقت نفسه كان في الحشد أيضا أتباع يحاولون اغتيال الأخوين لكن قبل أن يتحركوا لوح كيث من الظلال بورقة واخترقت قلب الرجل بصمت

ومع قتل الوحوش المعلقة بدأت طفيليات الدم بالانتشار

ذهبت جهود كاما وألبرت السابقة سدى

وبدأت المعركة الحقيقية

أخرج الأخوان في الوقت نفسه لفيفة ختم ومزقاها

تشكلت عشرات الدمى كحراسة حولهما

وقبل أن تقترب تلك “الوحوش متعددة الوجوه” شكلت الدمى حاجزا من خيوط الحرير

هنا ظهرت مهارتهما في التحكم بالدمى التي صقلتها دروس سو لون وتدريبهما الشاق في الأيام الماضية

تقييد الأذرع والسيقان كل على حدة واستخدام تقنيات السيطرة على المفاصل وتحريك الخيوط حتى عند أصابع اليدين والقدمين لم يصل أي وحش قبل أن يُعلّق من جديد

هذا المشهد أذهل الجميع في قاعة الوليمة

لم يتوقع أحد أن الأخوين اللذين بدوا عاديين هما في الحقيقة سيدا دمى

وفوق ذلك استدعيا عشرات الدمى وهذا ليس بالأمر البسيط

تسمّر طلاب الأكاديمية الملكية في أماكنهم

تحت هالة عبقرية الأخوين تبخر كبرياؤهم وتفوقهم كطلاب نبلاء تماما

شعر الطالب البدين الذي سخر من ألبرت قبل قليل بقشعريرة في عنقه

فهم الآن أن الآخرين لم يكونوا يردون بسخرية فحسب بل كانوا يزدرون نزالا فعلا

لو تحول الأمر إلى قتال فقد يُقطع رأسه بسلك الفولاذ مثل ذلك المسلح

أما كارولاين التي كانت ما تزال تكافح في القتال فقد فهمت أخيرا وهي تفكر “إذن لديهم هذه القوة لا عجب أنهم كانوا هادئين جدا”

وفي الوقت نفسه زاد شوقها للقاء “السيد نيكولاس”

إذا كان التلاميذ بهذه القوة فلا بد أن المعلم استثنائي أيضا

وفي منطقة شحن السفينة

بينما كانت قاعة الوليمة تخوض قتالا شرسا كان سو لون قد قضى بالفعل على عدة غرف من أتباع الحكام الخارجيين

وبعد أن حصد بعض الأرواح المتناثرة اكتشف أن هدفهم ليس قتل الشاب السيد أليكس فقط بل التضحية سرا بنحو 5,000 شخص على سفينة الرحلات كلها

كل ذلك فقط لاستعادة بعض القوة لذلك الحاكم الخارجي

تتبع سو لون المصفوفات السحرية التي أقامها هؤلاء وشق طريقه إلى منطقة الشحن تحت سطح السفينة

في هذه اللحظة كان آلاف الركاب في حجرات الطابق السفلي قد أُصيبوا بالعدوى تقريبا بالكامل

حينها فقط أدرك سو لون أن الأمر ليس عدوى فقط

كانت أرواح الركاب ولحومهم تتجمع أيضا معا

في منطقة الشحن تشكل فضاء ضخم مرعب وكانت جدران السفينة مغطاة بديدان حمراء تشبه الأوعية الدموية متراصة بكثافة تكفي لإثارة قشعريرة الرأس

كانت هذه الديدان تنقل الطاقة إلى مركز مخزن الشحن الذي تحول إلى بركة دم

وكانت نواة بلورية ضخمة حمراء بلون الدم تطفو فوق بركة الدم وتشع وهجا شريرا

“نواة بلورية لتنقية دماء ألف شخص”

تفاصيل “في نظر بعض الحكام الأشرار البشر مجرد كائنات أدنى تزوّد اللحم بالغذاء وهذه بلورة تشكلت من طقس شرير لتنقية اللحم وتحتوي كمية كبيرة من الدم الحيوي والطاقة ويمكنها أن تساعد بعض الحكام المرتبطين باللحم على استعادة بعض القوة”

نظر سو لون بحدة كأن نظرته سكين

وعلى الجهة المقابلة وقفت امرأة سوداء البشرة جاءت على عجل لتعترض طريقه

كانت قائدة الفريق الأستاذة من هذه الأكاديمية الملكية محترفة من الرتبة السادسة تدعى فيرجينيا

تحيرت هذه المرأة حين رأت سو لون يظهر فجأة هنا

لم تفهم كيف تمكن شخص من اكتشاف مذبح تنقية الدم السري في وقت قصير إلى هذا الحد

التالي
424/630 67.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.