تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 426 : المهلوسات، معرفة قديمة، المستشار السادس

الفصل 426: المهلوسات، معرفة قديمة، المستشار السادس

نظف سو لون بعض آثار القتال في غرفة التخزين، وتأكد من ألا يستطيع أحد ربط علامات الاشتباك الواضحة به

ثم أخذ يتجول بحذر في كل طابق من طوابق سفينة الرحلات

كانت المقصورة السفلية، وهي المنطقة الأكثر اكتظاظا بالركاب المدنيين، قد تحولت إلى مشاهد من الجحيم، إذ تحور معظم البشر إلى وحوش وماتوا في حالات مشوهة ومروعة، وبسبب فقدان مذبح تنقية الدم تقلصت أجساد الوحوش وتحولت إلى مومياوات غريبة الشكل

وفي المناطق التي ظهرت فيها آثار قتال واضحة، اندمجت الجثث في مخلوقات متعددة الوجوه، وجفت مثل أشجار عجوز ملتوية، وكانت قطع اللحم المختلفة معلقة على الجدران والأرض، بحيث يكفي النظر إليها ليثير القشعريرة

جمع سو لون بعض عينات الوحوش متعددة الوجوه التي لم تمت بعد تماما، ورماها إلى الدكتور بانكس في عالم الفراغ الصغير للبحث

وعندما عاد إلى قاعة الوليمة مرة أخرى، كانت نصف ساعة قد مرت

كانت قاعة الوليمة في فوضى، والناس ما زالوا في حالة اضطراب

المزاد الذي كان صاخبا في السابق لم يبق منه سوى أقل من 200 ناج

أو بالأحرى، من أصل نحو 5000 شخص كانوا على متن السفينة في البداية، بمن فيهم من اختبأوا في مقصوراتهم لحسن الحظ، لم ينج إلا هذا العدد القليل

ولولا أنه تعامل مع رئيس أساقفة جمعية ناسك العملاق، لكانوا قد واجهوا إبادة كاملة

فهم سو لون لأول مرة معنى عبارة “الحاكم الشرير” بوضوح

عندما وصل إلى قاعة الوليمة لم يحي أحدا، بل وجد أريكة نظيفة نسبيا في زاوية وجلس ليستريح

قربه كانت الآنسة كاما وروبرتس محاطين بمجموعة من طلاب الأكاديمية الملكية يتحدثون معهم

لقد أظهر الاثنان قدرات قتالية استثنائية في المعركة الأخيرة، فنالا احترام الجميع

وخاصة لأشخاص مثل أليكسيس، لم يكن وصفه بالامتنان لإنقاذ الحياة مبالغة، فقد تجمعوا حولهما يعبرون عن شكرهم

“يا آنسة كاما، تقنية الدمى لديك قوية جدا، لا بد أنها إرث من سلالة معلم عظيم، أليس كذلك؟”

“نعم، نحن محركا دمى ميكانيكيان من عائلة بوييل، من سلالة محرك الدمى سيرايا قبل ألف سنة”

“أوه، سمعت عن ذلك عندما كنت أدرس مساق الدمى في الأكاديمية، تقنية الدمى الميكانيكية لسلالة بوييل لا تُضاهى، إنها أقدم سلالة لسادة الدمى في العالم…”

“آه… لو كنت أعلم أن الدمى قوية إلى هذا الحد، لكان علي أن أترقى أيضا لأصبح سيدا للدمى”

“بلانكو، الأمر ليس بهذه السهولة، مستوى إتقان الدمى لدى الآنسة كاما، فضلا عن الحاجة إلى دمى قوية جدا، يتطلب أيضا أكثر من عشر سنوات من التدريب الشاق على التحكم بالدمى، إنه أمر صعب جدا”

“يا آنسة كاما، أنت وأخوك الأصغر أنقذتما حياتي هذه المرة، أبي وأمي سيتمنيان بالتأكيد أن أدعوكما إلى بيتنا ضيوفا لنعبر عن امتنان عائلة روبرتس المتواضع، أرجوكما امنحاني هذا الشرف أيضا”

“أنا…”

شعرت الآنسة كاما بالحيرة قليلا، ولم تعرف كيف ترد على تلك الدعوات

كانت تعرف جيدا أن حل هذه الأزمة فعليا كان بفضل معلمها، وأن فضلها الشخصي كان ضئيلا

أما روبرتس، وبملاحظته الحادة، فقد لاحظ عودة سو لون منذ اللحظة التي وصل فيها، ولأنه لم يكن مهتما بهذه المجاملات المملة، أراد العودة إلى جانب معلمه

لكن سو لون لوح بيده فقط، مشيرا إلى أن يتظاهرا بأنهما لا يعرفان بعضهما

لا يمكن لتلاميذه أن يبقوا دائما تحت حمايته، عليهم أن يفردوا أجنحتهم ويختبروا العالم بأنفسهم

فهم روبرتس معنى سو لون فورا

ورغم أنه وجد الواجبات الاجتماعية مملة، بقي مع أخته بين الطلاب، منشغلا بمكعبه الميكانيكي، غير مبال بمن حوله

جلس سو لون بهدوء في الزاوية، غير ملحوظ كأنه وجود غير مرئي

وأخذ يتفحص المكان بعينيه

كان كيت ما يزال عالقا مع تلك “روث” من جهاز الاستخبارات العسكرية

كانت كارولاين مصابة بشدة وفاقدة للوعي، وكان مرؤوسوها يقدمون الإسعافات بشكل عاجل، ويبدو أنها لن تموت

تعطل جهاز الاتصال بعيد المدى على متن سفينة الرحلات “الملكة رودريكا” بالكامل، ولم يعد بالإمكان التواصل مع الخارج

لكن ما إن انقطع الإرسال تقريبا حتى لاحظت الشركة المالكة، شركة صن للشحن، هذا الخلل

ففي النهاية كان على متن السفينة عدة نبلاء صغار وابن أحد المستشارين الكبار، ولم يستطع قادة الشركة التعامل مع الأمر باستخفاف، فحسبوا موقع الحادث وأرسلوا فورا سفنا قريبة للإنقاذ

عند الفجر كانت سفينة رحلات متوسطة الحجم، “الذهب 1″، قد وصلت بالفعل إلى المياه القريبة

وعندما رأى طاقم سفينة الإنقاذ حجم الدمار القتالي على متن السفينة، صُدموا أيضا، فقد توقعوا اصطداما بصخور أو عاصفة مغناطيسية، لكن منظر الجثث أفزع الجميع

وبعد فهم الأسباب، ظهر “طائفة ناسك العملاق” الشريرة لأول مرة أمام الناس بشكل علني

ولأن عدد الناجين لم يتجاوز 200 أو 300، لم تكن هناك حاجة لإرسال سفينة كبيرة جدا للنقل، فصعد الجميع مباشرة إلى سفينة “الذهب 1” وغادروا المكان

ولمنع أي محاولة جديدة لاغتيالهم، تواصل النبلاء الصغار فورا مع عائلاتهم لإرسال الحماية، وانكشفت الملابسات الحقيقية

بعد وقت قصير وصلت أكثر من 10 سفن حربية من البحرية الملكية للوينغ، وأخذت مجموعة أليكس من النبلاء الصغار

كانت كاما وأبيرك وإخوتهما يملكون هوياتهم أصلا، ولا حاجة لأي تنكر، وعائلة بويل، كونها بارونات وراثيين، ستواصل حمل هذا اللقب بفخر

أما الركاب العاديون فلم يكن لهم حق الصعود إلى سفن البحرية، ولأن سو لون لا يريد إثارة المتاعب، عاد إلى لينغدون مع سفينة الرحلات

وكان لتلميذيه الآن القدرة على حماية نفسيهما، وقد حان الوقت لمنحهما مساحة خاصة لينموا

وبعد أيام، كانت سفينة الرحلات قد اقتربت من ميناء كاكيترو في المدينة الجنوبية لينغدون

أطلقت السفينة صفارة بخارية طويلة حزينة، لتخبر الناس على الرصيف أنها على وشك الرسو

وبدأ الركاب أيضا يحزمون حقائبهم استعدادا للنزول

وقف سو لون على السطح، ينظر من بعيد إلى تلك المدينة التي تغلفها كثافة من الضباب، وعيناه عميقتان

هذه هي العاصمة الإمبراطورية للوينغ، لينغدون، المشهورة بوصفها أرضا مكرمة للخيمياء

أمامهم مدينة عتيقة يطغى عليها الرمادي القاتم، وكان ضباب رمادي يلف سماءها بوضوح، ومن خلال الضباب يمكن رؤية أبراج المباني القوطية وجسور فولاذية بأشكال مختلفة، وفي السماء كانت مناطيد بخارية تتحرك ببطء

كانت مدينة من البخار والفولاذ

في عالم توجد فيه قوى خارقة، كان تطور التقنية الميكانيكية بطيئا جدا، ولم تتغير ميكنة مدينة لينغدون تقريبا منذ ألف سنة، فقد ظلت محركات بخارية قديمة تعمل في هذه المدينة لألف عام، وتستهلك فحما لا يُحصى، وتنفث المداخن العالية الغازات في الهواء بلا توقف، فصار الجو ممتلئا دائما بجزيئات دقيقة، ما جعل جودة الهواء سيئة جدا، وضباب المدينة يحمل سُمية خفيفة

حتى من بعيد كان سو لون يشم رائحة دخان الفحم الجاف الذي يخدش الحلق

كان هذا المكان أنسب لارتداء أقنعة واقية من المدينة السفلية في لينغدون القديمة

وبعد وقت قصير رست سفينة الرحلات

ونزل الركاب تدريجيا عبر الممر

تفقد سو لون ساعته الجيبية ولاحظ أن السفينة تأخرت نصف ساعة عن موعد الرسو المحدد، فتمتم: “آمل ألا تكون قد انتظرت طويلا”

حمل أمتعته ونزل من السفينة

كان الرصيف مزدحما بسكان محليين يحملون لافتات لاستقبال الركاب، ومعهم لصوص ومتكاسلون وحمالون يختلطون وسط الحشود

وما إن لامست قدما سو لون الأرض حتى اندفعت نحوه عدة مجموعات

باعة السجائر والخمور، وعروض خدمات غير قانونية… وكذلك من يحاولون انتهاز الفرصة لسرقة ساعته الجيبية وخاتم التخزين

لم يكن لدى سو لون أي نية للاهتمام بهم، فاتبع الحشد وشق طريقه

وفي تلك اللحظة اقترب منه بلطجي يبدو من عصابة محلية، وهمس بغموض: “هيه، يا أخ، تريد جرعة إيقاظ؟ بضاعة أصلية…”

كانت جرعة الإيقاظ مخدرا مهلوسا بسبب شدة الإدمان عليها

ورغم أنها شائعة في مجال الخيمياء، فإن قوانين لوينغ تحظرها

وما هو محظور يدر أرباحا هائلة

كان سو لون قد رأى هذا كثيرا، ففي لينغدون القديمة كان هذا أيضا أحد أهم مصادر دخل العصابات

لم يكن مهتما بالتعامل مع تاجر مخدرات كهذا، لكن الرجل عطس حين اقترب منه

عند سماع ذلك، حدّت نظرة سو لون قليلا، كان قد تجاوز الرجل بالفعل، لكنه عاد لينظر إليه، وارتفع الشك في ذهنه: هل هو تابع لجمعية ناسك العملاق؟

كان يحمل ذلك العطر المنبه الذي يجعل التابعين يعطسون

“آتشي”

“آتشي”

بعد عطستين متتاليتين، فرك الشاب الذي يرتدي قبعة بمنقار بط حذاء أنفه وتمتم: “آه، أصبت بالبرد أمس، لماذا أعطس باستمرار”

عندها تأكد سو لون أن في جسده ذلك النوع من الطفيليات

وعندما رأى صاحب القبعة أن سو لون توقف كأنه مهتم بالجرعة، فتح سترته الرخيصة بسرعة ليعرض صفا من الأنابيب المملوءة بسائل أحمر، وأضاف: “يا أخ، تريد بعضا؟ أصلية، أضمن لك، لا يوجد مثلها في كل لينغدون”

نظر سو لون بومضة خفيفة في عينه اليسرى فعرفها فورا

“جرعة إيقاظ مخففة”

تفاصيل: جرعة مصنوعة من بلورات دم معالجة بشريا، تنشط الذهن وتوقظه لعدة ساعات بعد تناولها، مع احتمال عال لإحداث هلوسات ذهنية، شديدة الإدمان، تحتوي كميات صغيرة من طفيليات الحاكم الخارجي، وهي مخففة أكثر من اللازم بوضوح

عند رؤية المعلومات لم يتغير تعبير سو لون، لكنه أخذ الأمر بجدية فورا

هذه الجرعة مصنوعة من بلورات دم معالجة بشريا، وتحتوي يرقات طفيليات؟

كان يظن أن جمعية ناسك العملاق تتسلل إلى طبقات لوينغ العليا على نطاق محدود، لكنها تصنع هذا المخدر وتسمم به الطبقات الدنيا مباشرة

ومع التفكير في الجرعة وتذكر ما حدث على متن “الملكة رودريكا”، قفزت إلى ذهن سو لون إمكانية: هل يحاول الحاكم الخارجي استخدام هذه الطريقة لتنقية لينغدون بأكملها؟

لينغدون هي عاصمة لوينغ، وفيها أعلى الخيميائيين رتبة وتحرسها نخبة من الرتبة التاسعة، وحتى الحاكم الخارجي لن يجرؤ على العبث فيها علنا

لكن الآن ثبت أن جمعية ناسك العملاق تسللت إلى العائلة المالكة وطبقة النخبة في لوينغ، وهي تفسد الطبقات الدنيا بهذه المخدرات

العواقب لا يمكن توقعها

صحيح أن من يتعاطون المهلوسات ليسوا كثرا، لكن حتى لو كانت النسبة 1% فقط، ومع وجود عشرات الملايين في مدينة لينغدون، فهذا يعني مئات الآلاف

وإذا حدث تفش مثل الذي وقع على متن “الملكة رودريكا”، فستتحول لينغدون كلها إلى جحيم حقيقي للموتى الأحياء

تكونت في ذهنه فورا صورة لمؤامرة ضخمة

ثم تذكر سو لون شظايا ذاكرة رئيس الأساقفة المنفصل، وكأن قطعة أخرى من الأحجية قد وضعت في مكانها

وبينما تتدفق هذه الأفكار، حثه الرجل ذو قبعة منقار البط: “يا أخ، ستأخذها؟”

أخذ سو لون جرعة واحدة، ووضع قليلا على ظهر يده ثم شمها

وبصفته عضوا سابقا في عصابة، كان يملك المهارات الأساسية لاختبار البضاعة

وبعد أن شم الرائحة وبدا راضيا إلى حد ما، سأل بلا مبالاة: “بكم؟”

وبتردد قال صاحب القبعة: “150 ليرا للجرعة”

لم يرد عليه سو لون، واستدار ليغادر

“هيه، هيه، هيه، يا أخ، إن كنت مهتما حقا أستطيع أن أعطيك خصما”

أسرع صاحب القبعة ليوقفه وشرح: “هي غالية قليلا، لكن أقسم لك، لا توجد بضاعة أفضل من بضاعتي في لينغدون الآن”

حصرية؟

التقط سو لون شيئا بسرعة وسخر: “بضاعة جيدة كهذه ليست سهلة، لا يصنعها إلا خيميائي عظيم…”

بدت سخرية لكنها كانت اختبارا

وعند سماع ذلك، أسرع صاحب القبعة يبرر فعلا: “يبدو أنك تفهم، هل سمعت عن نادي إخوة فون؟ لن أكذب عليك، خيميائي كبير في عصابتنا هو من صنعها، لا أستطيع كشف التفاصيل، لكني أضمن أن الجودة لا يُشك فيها…”

تذكر سو لون هذا الاسم

كانت مدينة لينغدون تضم عشرات العصابات في مناطقها المختلفة

وكان “نادي إخوة فون” عصابة صغيرة تتمركز قرب الرصيف

هل هذه العصابة موزع؟

أم أنها من أتباع الحاكم الخارجي؟

كانت الجرعات أمامه مخففة بوضوح، وهذا أمر شائع بين العصابات

فمن يحصل على بضاعة نقية تماما يبيع الجرعة بـ 100 ليرا

ثم يخففها ليصنع جرعتين بنسبة نقاء 50%، ويبيع كل واحدة بـ 60

وهكذا يربح أكثر

طالما أن لها أثرا، سيُغرى الناس بالسعر الأرخص

والتخفيف أبسط بكثير من خلط مواد نقية، ولا يكاد يحتاج إلى مهارة

اذكر الله، ولا تجعل الفصل يأخذك من واجباتك.

لكن المؤكد أن هذا الرجل يملك “مصدرًا” فعليا

في أول لقاء، لم يُظهر سو لون حماسا زائدا كي لا يثير الشك

قال مباشرة: “120 للواحدة، أعطني 10 لأجرب، إن كانت البضاعة جيدة حقا سأعود إليك”

ورؤية لصفقة حقيقية جعلت صاحب القبعة يخرج الجرعات وقال بحماس: “حسنا، إن أعجبتك بعد الاستعمال فتعال إليّ، اسمي باكس، أنا دائما قرب الأرصفة، اسأل أي شخص”

“حسنا”

كان سو لون مباشرا، دفع المال ووضع الجرعات في أمتعته

هذا النوع من الصغار مجرد موزعين، ولا يعرفون الكثير

كان لدى سو لون أمور أخرى، وقرر العودة لهذا الموضوع عندما يتفرغ

وضع الجرعات في عالم الفراغ الصغير وسلمها للدكتور بانكس للبحث

مر سو لون عبر ممر الركاب، وصعد بضع درجات، فصار عند الشارع

كان هذا رصيف قطار بخاري

كانت المنطقة الجنوبية من لينغدون جزءا قديما من المدينة، ويسكنها عامة الناس غالبا، وكانت القطارات البخارية وسيلة النقل الأساسية لعامة الجمهور

كانت الأرض محفرة وممتلئة بآثار الزمن، والمياه السوداء في كل مكان، وبعض أغطية المجاري كانت لا تزال تطلق بخارا أبيض ساخنا بصوت صفير

وعند وصول سو لون، رأى شرطة فرسان مسلحين يجوبون الشارع على خيول لامعة في مجموعات من اثنين

هؤلاء الفرسان الذين كان ينبغي أن تستبدلهم الدراجات البخارية منذ زمن، ما زالوا قوة الدورية الأهم في لينغدون لأن النبلاء يحبون هذا الإحساس بالمراسم القديمة الذي يبرز طابع المدينة

في هذه اللحظة، كانت فتاة شابة نحيلة تقف قرب الرصيف وتنظر حولها كأنها تنتظر شخصا

ورغم أنه كان بعد الظهر، فإن الضباب وحجب المباني العالية جعلا رؤية الشمس مستحيلة، ووسط اللون الرمادي الخانق والبخار الساخن، هبت نسمة فحررت شعر الفتاة الأسود الكثيف، فكشفت عن جانب شاحب جميل من وجهها

تعرف سو لون إلى القادمة، فتقدم نحوها

وفي اللحظة التي التفتت فيها ونظرت، تعرفت فورا إلى الصديق القديم أمامها، فأضاءت عيناها ونادته بحرارة: “يا سيد سو لون”

نظر سو لون إلى الفتاة التي تغيرت كثيرا وابتسم: “لقد طال الزمن يا آنسة لينا”

ابتسمت لينا ابتسامة مشرقة: “نعم، طال بالفعل”

ربما 3 سنوات؟

حسب سو لون الوقت في قلبه بصمت، وأدرك أنه ابتعد فعلا منذ مدة طويلة عن لينغدون القديمة

تفحص لينا، وعندها فقط لاحظ كم تغيرت

آخر مرة رآها كانت تلميذة بملابس مدرسية بسيطة، أما الآن فقد أصبحت شابة فائقة الجمال

كانت ترتدي بدلة مفصلة بعناية تبرز رشاقتها وتمنحها مظهرا ذكيا، وكان أهل لينغدون القديمة يملكون بشرة شديدة البياض والنعومة، ومع شعرها الأسود المستقيم بدا لها حضور نقي، حتى بدت كأنها نقطة ضوء وسط هذا الحي المعتم، تجذب نظرات المارة جانبا

وربما لأن الخادم العجوز أنتوني الذي كان ينتظر قرب دراجة بخارية بدا صارما جدا، لم يجرؤ أحد على الاقتراب

شعر سو لون براحة كبيرة لرؤية صديق قديم

في السابق، خلال اختبارات تحت الأرض على أطراف لينغدون القديمة، تشاركوا الشدة، كما أن هروبه من المدينة الداخلية كان ممكنا بفضل تمثيلها دور “الرهينة”، ومنذ ذلك الحين ظلوا على تواصل قريب، فتكونت بينهما صداقة عميقة

وبالمناسبة، كان قد حصل على “المنجل الأسود” في ذلك الوقت الذي التقاها فيه، كما أن البندقيتين الشهيرتين “أفعى البرق” و”الشيطان الأزرق” كانتا هدية منها

بينهما ذكريات كثيرة جدا

تأخرت سفينة الرحلات نصف ساعة، وشعر سو لون بشيء من الحرج: “آسف لأنني جعلتك تنتظرين يا آنسة لينا”

“لا أبدا”

فتحت لينا ذراعيها بسخاء كما لو كانت تستقبل صديقا عاد بعد غياب طويل

تقدم سو لون أيضا واحتضن الفتاة التي صارت أطول منه بنصف رأس مقارنة بما كانت عليه قبل عامين

وأثناء العناق تسللت إلى أنفه رائحة عطرة خفيفة، فزاد دفء اللقاء

وبعد لحظات افترقا أخيرا

رمشت لينا، وكانت عيناها الصافيتان تلمعان

نظرت إلى سو لون وقالت بدهشة: “واو، يا سيد سو لون، أصبحت أكثر وسامة”

هز سو لون رأسه دون تأكيد أو نفي وابتسم: “الآنسة لينا أصبحت أجمل حقا”

أمالت لينا رأسها وابتسمت بسعادة: “حقا؟”

أومأ سو لون، ولم يبخل بالمدح، ورد بجدية على تلك النظرة المنتظرة: “نعم، تبدين أفضل”

لاحظ أن الأمر لم يقتصر على المظهر، حتى شخصية لينا تغيرت كثيرا، فالفتاة الخجولة التي كانت تحمر بسهولة أصبحت الآن تعانق وتمزح بوضوح

بقيت حاجبا لينا مرفوعين بخفة كأن لديها الكثير لتقوله، ثم أشارت إلى عربة القطار البخاري القريبة وقالت: “يا سيد سو لون، لنصعد القطار ثم نتحدث”

“نعم”

أومأ سو لون، ونظر إلى الخادم العجوز الذي ينتظر قرب المركبة وقال: “لقد طال الزمن يا سيد أنتوني”

ارتسمت على وجه أنتوني العجوز ابتسامة نادرة وقال: “يا سيد سو لون، طال بالفعل، تعالوا إلى الداخل، المكان مزدحم هنا”

فتح الباب

“نعم”

أومأ سو لون وأشار للسيدة أن تصعد أولا

ولينا، دون تردد، أمسكت يد سو لون وصعدا معا

ما إن أُغلق الباب حتى صارا في مساحة خاصة بهما وحدهما، وعلى نمط عربات لينغدون القديمة، صمم النبلاء قطاراتهم البخارية لضمان الخصوصية، مع فصل مقصورة الركاب عن مقصورة السائق

كانت العربة معزولة للصوت أيضا، وبمجرد إغلاق الباب انقطع ضجيج الشارع المزدحم تماما، وكذلك صوت المرجل البخاري العالي

جلس الاثنان على وسائد جلدية ناعمة

دخلت لينا مباشرة في سبب اللقاء: “يا سيد سو لون، بخصوص المعادن الخاصة التي أرسلت عنها رسالة سابقا، تمكنت من جمع كمية كبيرة مرة أخرى، وهي الآن مخزنة في مستودع رصيف الشحن وجاهزة للاستلام، وكذلك مخارط الآلات الكبيرة التي تحتاجها، تواصلت مع البائع وأتفاوض على الشراء، ويفترض أن نحصل عليها خلال أسبوع أو أسبوعين…”

“نعم، لقد أتعبت نفسك”

أومأ سو لون

كانا قد أسرعا إلى الرصيف للحصول على تلك الدفعة من المواد بأسرع ما يمكن

فورشة الحرب في عالم الفراغ الصغير كانت قد توقفت تقريبا بسبب نقص المواد

وكان ذلك بفضل لينا ومن يعملون في لينغدون أنهم استطاعوا تدبير هذه المعادن الخاصة الخاضعة لتنظيمات عسكرية

كان السيد جينغ قد ذكر سابقا أن شركة عائلة رايس ثبتت أقدامها في لوينغ، وأن أداء لينا كان لافتا جدا، متجاوزا أداء أبيها، حتى صارت بسرعة شخصية محورية في الشركة

والآن، بعد رؤيتها، بدا واضحا أنها نمت كثيرا بالفعل

وفي تلك اللحظة، شعر سو لون بشيء وسأل: “لينا، هل ترقيت إلى الرتبة الثالثة؟”

أومأت لينا، وعلى وجهها تعبير طفولي كأنها تريد مديحا: “نعم، إلى جانب إدارة الشركة، كنت أعمل بجد لأصبح أقوى”

ثم غيرت نبرتها فورا: “لكن مقارنة بك يا سيد سو لون، ما زلت بعيدة جدا”

ابتسم سو لون ولم يقل شيئا

وأثناء حديثها، أخرجت لينا عدة صحف من المقعد، وأشارت إلى صورة بالأبيض والأسود في واحدة منها وقالت: “رأيتك في الصحيفة من قبل، وعندها فقط أدركت كم أصبحت مدهشا، ’واحد ضد 200,000’، يا للعجب، لن تصدق، بسبب تلك المعركة في مملكة رومان، صار سادة الدمى المهنة الأكثر رواجًا في لينغدون مؤخرا، وارتفعت أسعار المواد المرتبطة بها عدة مرات، وصارت الغربان الحيوانات الأليفة الأكثر أناقة، وحتى نقابة الخيمياء المحلية تنظم ’مسابقة وطنية لسادة الدمى’…”

ضحك سو لون بخفة

نظر إلى الصحيفة ولاحظ أنها تعود إلى ما يقارب شهرا، وكانت الصورة له في ساحة موروس، وهو يرتدي عباءة ثنائية الاتجاه ويحمل منجلا أسود، ورغم أن الصورة لم تلتقط تلك الهيبة التي كانت تلتف حوله، إلا أنها التقطت مزاجه المتعالي وهو يقاتل بعينين محمرتين من شدة القتال

بدت الصورة جذابة فعلا

كانت الآنسة لينا، التي يبدو أنها تجمع هذه الصحف، تقلب الصفحات بمهارة، وكلها تتحدث عن تلك المعركة، وهي تشير بحماس: “وهنا… وهنا…”

ومع حديثها عن قصة شخص آخر، كانت تزداد حماسا

ولأنهما وحدهما في العربة، جلست قريبة منه بطبيعة ودون تكلف

لاحظ سو لون أناقة ملابسها وتناسقها، فكان انطباعه أنها تعكس ثقة ونضجا واضحين، وتلفت الأنظار بأسلوبها دون حاجة لأي مبالغة

لاحظت لينا تغير نظرته الطفيف، فسألت بجرأة: “يا سيد سو لون، هل تعجبك هذه الملابس؟ هذا أكثر تصميم نسائي رواجًا في لينغدون، وقد خيطه خياط سابينا الخاص حسب المقاس”

“تبدو جميلة”

أومأ سو لون وسأل بفضول: “هل أنت قريبة من سابينا؟”

رفرفت رموش لينا قليلا وابتسمت بإشراق: “نعم، لأننا كلتانا من لينغدون القديمة، سابينا كانت معي خلال العامين الماضيين وساعدتني كثيرا، كما علمتني أشياء كثيرة… وهذه الملابس إحدى نصائحها في الأسلوب، بل قالت إنك يا سيد سو لون ستجدها جذابة بالتأكيد”

“…”

شعر سو لون أنه فهم شيئا

علمتها أشياء كثيرة؟

وبما أنه يعرف سابينا، هل تكون قد علمت لينا أفكارا غريبة؟

لمع في عيني لينا بريق ماكر وهي تضيف: “كان يفترض أن تأتي سابينا لتراك أيضا، لكنها الآن تحقق في معلومات خاصة ولم تستطع التفرغ اليوم، لذلك لم تتمكن من الحضور”

“حسنا”

لم يمانع سو لون

سابينا تعمل في مجال المعلومات، ومن الأفضل لها أن تبقى في الظل

وبدت الآنسة لينا غير مكترثة بموضوع الملابس، وقد أظهرت ثبات وثقة تشبه ثقة “ملكة المكتب”، ربما لأن سو لون كان إلى جانبها

واصلت مشاركة بعض المعلومات الحديثة

تحرك القطار البخاري عبر شوارع مدينة لينغدون، وكانت المباني تومض سريعا على جانبي الطريق

الحي الجنوبي في لينغدون القديمة كان جزءا عتيقا من المدينة، مبانيه كلها قديمة جدا، وكانت الشوارع مليئة بالمتسولين الرثين، ما جعله أرضا خصبة للجريمة والعصابات

تحدث الاثنان عن بعض الوقائع مع استعادة ذكريات الماضي، وكان الجو منسجما إلى حد كبير

فجأة التقطت عين سو لون مبنى ضخما قيد الإنشاء على جانب الطريق

أسقف مدببة، وبرج جرس، وأقواس حجرية كبيرة، ونوافذ زجاجية ملونة توحي بجو طقوسي واضح، وكل ذلك دل على أنه ليس مبنى عاديا

أمام المبنى كانت راهبات بملابسهن يوزعن العصيدة والخبز على الفقراء، وكان صف طويل قد تشكل

كانت الطبقة الدنيا في لينغدون القديمة تعيش في ظروف قاسية جدا، ولم يكن غريبا أن يموت المشردون جوعا يوميا

وعندما لاحظت لينا نظرة سو لون قالت: “هذه الكنيسة الجديدة، كان من المفترض ألا يمر ’قانون الإيمان’ في المجلس، لكن الملكة شارلوت استخدمت سلطة العائلة المالكة لتجاوز المجلس وتمرير القانون، ثم لسبب ما صوّت مستشاران كبيران أيضا لصالحه، والآن لم تعد الإمبراطورية تمنع المعتقدات الدينية، وبالأخص جاء كثير من المؤمنين من الدول الأربع في الشمال إلى لوينغ لنشر معتقداتهم… وبشكل محافظ، يوجد الآن ما لا يقل عن 50 طائفة مختلفة في مدينة لينغدون”

“…”

استمع سو لون وهو يعبس

تذكر ذلك الرجل الذي يبيع المهلوسات على الرصيف، وفهم كلمات السيد جينغ بوضوح أكبر

ثم قالت لينا وهي تستدرك: “لا بد لحضارة الخيمياء ألا تسمح للمؤمنين بحكام أن يمسكوا بالسلطة، آه صحيح يا سيد سو لون، هناك معلومة أخرى مهمة جدا يجب الحذر منها”

ثم أضافت: “قبل أسبوع فقط، مرر الدوق رافائيل التصويت رسميا وحصل على مقعد ’المستشار السادس’، الأسباب الدقيقة غير واضحة، لكن يقال إن قدراته العسكرية القوية نالت اعتراف المستشارين الخمسة الآخرين، والأخت سابينا نبهتنا إلى توخي الحذر، لأن هناك معلومات عن جهاز تجسس منظم يشتبه أنه تابع لـ ’منظمة المظلة’ يعمل مؤخرا في لينغدون القديمة”

“أوه؟”

ظهرت في عيني سو لون نظرة تفكير فور سماع ذلك

كان قد استخدم أخطبوطا ميكانيكيا لمهاجمة غواصة من قبل، لذا من المحتمل أن الدوق رافائيل صار يعرف أن تقنية الأعصاب الميكانيكية تسربت

في الأصل كان رافائيل مجرد نبيل من مكان بعيد، ولا يستطيع مد نفوذه إلى العاصمة

أما الآن وقد صار “مستشارا كبيرا” فجأة

فلا يمكن تجاهل هذا

….

وبينما كان سو لون والآنسة لينا يتجهان إلى أرصفة الشحن

في مكتب الجمارك بميناء كاكيترو، رن جهاز الاتصال

“ماذا، تقول إن بضائع شركة تجارة لي كات الممنوعة جاء من يريد استلامها؟”

“نعم يا رئيس، المستودع تسلم نموذج طلب الاستلام وأكد هذه المعلومة”

“يا للعجب، انتظرنا طويلا، وأخيرا جاء مشتر، بسرعة اجمع الرجال واستعدوا للاعتقال، أخبر المستشار، قل إن لدينا خيطا”

“نعم يا رئيس”

التالي
426/630 67.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.