تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 430 : القيّم

الفصل 430: القيّم

“تقنية تحريك دمى مثيرة للاهتمام”

مع أن سو لون كان قد خمن تقريبا أصل الدمية أمامه، فإنه لم يفهم كيف يتم التحكم بها

لم يشعر بأي شد لخيوط، ولا بأي تذبذب للطاقة، وفكر أن هذا “تمثال الشمع المرعب” ربما يكون نوعا من السحر الأسود يشبه التحكم بالأرواح

“يبدو أن الذكاء الروحي ليس مرتفعا، لا بد أنه تحكم مباشر بالروح”

كان سو لون يستطيع الإحساس بتذبذبات الروح، وعادة تكون الحراسات الطيفية مثل الأرواح الشريرة ذات أجساد روحية ناقصة وذكاء ضعيف، وربما يشبه الأمر تدريب كلب، فالتدريب الطويل للأرواح الشريرة قد يجعلها تحتفظ ببعض قدراتها حين كانت حية

وقبل أن يواصل التفكير، تحرك الشخص ذو المعطف الطويل غير البعيد فجأة

لم يقلق سو لون كثيرا، ما دام الخصم ليس محترفا من الرتبة السابعة، فلن يقدر كثيرون على تهديده الآن

وبمجرد أن نظر جانبا، رأى قطرات المطر ضمن عشرات الأمتار حول جسده تتجمد فجأة في الهواء، كانت كل قطرة صافية ترتجف بتموجات عالية التردد على سطحها، ثم تحولت إلى شفرات على شكل ورقة صفصاف

“تحكم مذهل بعنصر الماء، وهذه التقنية مثيرة للاهتمام أيضا”

ضيق سو لون عينيه قليلا وعلّق في نفسه بصمت

“وش”

“وش”

“وش”

في رمشة عين، اندفعت قطرات المطر المعلقة نحو سو لون مثل الرصاص

كانت تغطية كاملة من كل الزوايا بلا أي نقطة عمياء، ومن المستحيل المراوغة في الزقاق الضيق، حتى بدا الصوت كقصف مطر شرس يضرب أوراق الموز

مزقت القطرات الملابس، وبعض القطرات الخاصة اخترقت حتى الحاجز العنصري الواقي وضربت سو لون مباشرة

وعند الاصطدام لم تتبدد القطرات تماما، بل كانت تمر كحد الشفرات على الصخر، وحتى لو لم يكن الضرر كبيرا، فإن الإحساس الحاد كان واضحا

هذه الضربة لو واجهها أي محترف دون الرتبة السادسة وجها لوجه، فإما جرح خطير أو موت

لكن سو لون كان محميا بـ”الجسد الذهبي الروني”، فلم يكن الأمر أكثر من خدش بسيط

“دمية شمعية خبيثة فعلا”

داس سو لون الأرض وانطلق عبر السماء الممتلئة بالشفرات كقذيفة مدفع، ثم لكم الرجل ذا المعطف الطويل في بطنه

غير أن اللكمة التي تكسر الحجر وتشق الذهب أصابت الهدف، لكنها أعطت شعورا كأنه يضرب كيس ماء، فقد بددت طبقات من قوة تخميد متذبذبة أثر الضربة، وخفضت قوتها بنحو تسعين بالمئة

“جسد عنصري”

من هذا الاشتباك السريع، حكم سو لون أن قوة الخصم تقارب محترفا من الرتبة الخامسة، لكن مع إضافة تقارب خاص بالعناصر الأساسية الأربع على طريقة “صلاة المطر رقم 004″، صار يكاد لا يهزم بين أقرانه

وعلى مسافة شبه مواجهة، رأى سو لون وجه الشخص ذا المعطف الطويل

كان وجها مرعبا مخيطا كأنه رقع بغرز تشبه الديدان، وأسنانا حادة غير منتظمة، وجلدا عند الرقبة بلون أزرق قاتم مزعج، وكان الوجه مغطى بطبقة سميكة من مساحيق لا تخفي العروق السوداء ولا زرقة الموت، بل تزيده رهبة، كما كان يضع على رأسه غطاء عروس أبيض، مع أحمر شفاه وظلال عينين سوداء، وكما استنتج، كانت هذه “العروس الشبح”

والآن من قرب، استطاع سو لون رؤية طبقة رقيقة من شمع الجثث على جسدها

من الواضح أن لكمته لم تؤذها، فحرّك جسده ليستغل القوة، ثم دار ووجه لها ركلة ثقيلة ضربت رأسها

مع تلك الساق الثقيلة، سمع صوت “رشاش”، كأن رأس بالون ماء انفجر، وتناثر ماء أسود كريه في كل مكان

كان الماء الأسود ذا سمية تآكلية قوية، إذ أطلق أزيزا على الأرض، ثم ظهرت حفر منخورة بعد أن تلاشى الدخان

لكن حتى بعد أن تحطم رأسها تماما، لم تضعف هالة “العروس الشبح”، وفي لحظة أعادت تشكيل رأس جديد من العناصر، وثبتت نظرتها الفارغة على سو لون أمامها

“تسك تسك، قوية جدا، لم أتوقع أن تصل دمية إلى هذا المستوى”

كلما اختبرها، ازداد فضول سو لون

فهو بارع ليس فقط في تقنيات تحريك الدمى، بل أيضا في تحريك الجثث

قدرات “العروس الشبح” التي أمامه كانت تتجاوز كثيرا تحريك الجثث، بل تكاد تضاهي شخصا حيا

ذلك التقارب الهائل مع العناصر لم يكن شيئا يمكن لتقنيات تحريك الجثث البسيطة أن تفعله

لو استطاع أسرها للبحث

مرت فكرة في ذهن سو لون فجأة

لكن من الواضح أن أسرها حية مستحيل

ذكاء “العروس الشبح” لم يكن مرتفعا، ويبدو أنها اعتقدت أنها قادرة على قتل سو لون، وما إن أعادت تشكيل رأسها حتى مدت يدها، مظهرة أظافرها السوداء الطويلة

في لحظة اكتملت التعويذة

تشكلت عناصر الماء في الهواء على هيئة سجن مائي كروي حول جسد سو لون، وأينما حاول الفرار التصق به السجن المائي كأنه شبح لا يتركه

ازدادت كثافة عنصر الماء حوله أكثر فأكثر، وشعر سو لون كأنه وقع في حفرة من صمغ يشتد بسرعة، وصارت حركته أصعب مع كل لحظة

لم تقيد التعويذة حركته فقط، بل بدأت تسحب الماء من جسده بسرعة أيضا

وبعد وقت قصير، خشي أن يتحول إلى جثة جافة ويموت في مكانه

“نزع عنصر الماء باتجاه محدد؟ فهم قوي للسحر، على الأقل فهم ناقص لقانون من الرتبة السادسة، لا بد أنها قدرة امتلكها الجسد حين كان حيا، ما يعني أن هذا الجسد قبل موته كان على الأقل محترفا من الرتبة السادسة، وربما من الرتبة السابعة؟”

حلل سو لون في ذهنه، وشعر أخيرا بقدر من تهديد الموت: “تذبذب الروح ليس مستقرا جدا، إذن الروح الحاقدة داخلها ليست الأصلية”

كان عليه الاعتراف أن هذه “العروس الشبح” قوية حقا، قدرتها على التحول إلى هيئة عنصرية جعلتها شبه منيعة ضد الهجمات الجسدية، كما أن تحكمها بالعناصر الأساسية كان صعب المواجهة، وفهم الجسد الأصلي للعناصر وصل إلى الرتبة السادسة

يمكن القول إن أي محترف دون الرتبة السادسة لا فرصة له ضدها

بعد عدة تبادلات، اختبر سو لون ما يريد من معلومات، ورأى أن محرك الدمى خلف الستار لا بد أنه أدرك ذلك أيضا، فلم يماطل أكثر، وفجأة التفّت حول قبضته طبقة من طاقة لا ترى

لم يحتج حتى إلى تشكيل أختام السحر للانتقال على هذه المسافة، فانتقل خلف “العروس الشبح”، وبلا توقف وجه لكمة مكسوة بطاقة جارفة فتحت ثغرة في صدر الوحش

“دوي”

لكمة اخترقت مباشرة

بالنسبة للجسد العنصري، كانت الطاقة الجارفة فعالة جدا

لكمة سو لون لم تكسر الشكل المستقر لعناصر الماء فقط، بل أبادت جزءا من العناصر على مستوى دقيق جدا

وفي الأيام الأخيرة، كان قد أتقن استخدام الطاقة الجارفة، وعندما ضرب، تحكم في لولب الطاقة لينفجر، فمزق النصف العلوي من جسد “العروس الشبح” إلى شظايا

في الظروف العادية، كان هذا القصف كافيا لقتل هذه الدمية الشمعية

لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، حدث مشهد غريب أمام عينيه

مع أن الهدف تلقى ضربة قاصمة وتلاشت هالته لحظة، فإن سو لون لم ير “الضباب الرمادي” يظهر

“لم تمت؟”

راقب الماء الأسود المتناثر على الأرض بحيرة

وفجأة

على بعد عدة أمتار قرب فتحة المجاري، شعر مجددا بتذبذب الروح المألوف

“هربت؟”

ارتجف طرف عين سو لون، وفهم ما حدث

كان الهروب شديد السرعة، أراد المطاردة لكن فات الأوان

“العروس الشبح” أدركت بوضوح أن سو لون قادر على قتلها، وهذه المرة من دون تردد أعادت تشكيل نفسها واختارت الفرار، وقدرتها على التحول إلى هيئة عنصرية تجاهلت قيود التضاريس، فذابت إلى ماء أسود وتدفقت إلى تحت الأرض عبر أنابيب التصريف

“هه هه”

ضحك سو لون بسخرية من نفسه

كان يظنها نصرا مؤكدا، لكنها أفلتت بشكل غير متوقع

لكن ما حيره أكثر من ذلك

“هذا غير منطقي، كيف لم تمت؟”

فكر سو لون، فلكمته بالطاقة الجارفة لا ينبغي أن تسمح لـ”العروس الشبح” بالنجاة

أعاد في ذهنه ما حدث للتو وقال: “لا، لم تحي نفسها وحدها، هل كانت هناك قوة غامضة أخرى أعادت تشكيلها قبل قليل؟”

سرعان ما التقط نقاطا مهمة، وعمل عقله بسرعة

وفي لحظة تقريبا تذكر أنه رأى وضعا مماثلا من قبل

في ذلك الوقت حين كان يستكشف فضاء لعنة “فندق 1911” داخل آثار الفجر، واجه أربع ظواهر غريبة لا تموت

السحر الأسود الشرير الذي صنع تلك الظواهر كان يسمى “تشكيل تضحية الأرواح الآثمة الأربعة”، وكان يقوم على جمع جثث تحمل خصائص الأرض والرياح والماء والنار، والنتيجة النهائية كانت دورة طاقة تعيد الإمداد لنفسها وتستمر بذاتها، لتبلغ نوعا من عدم الفناء

إذا قُتلت جثة، أعادتها الأخريات للحياة، فتتشكل حلقة مغلقة شبه مستحيلة الحل

لا عجب أنه استعمل للتسليم، فمثل هذه الدمى لا تمس ولا تموت، وتناسب المهمة تماما

“هل يمكن أن محرك الدمى خلف الستار قد جمع بالفعل تماثيل الشمع العنصرية الأربعة؟”

قطب سو لون جبينه وشعر أن صعوبة الأمر ارتفعت عدة درجات: “لا تموت ولا تقتل، هذه الدمى مخيفة فعلا”

لحسن الحظ أنه لم يواجه سوى واحدة اليوم، ولو كانت أربع كما يشك، فربما لا خيار له سوى الهرب

لكن من جهة أخرى، من يستطيع التحكم بتماثيل شمع كهذه، بالتأكيد ليس شخصا عاديا في لينغدون

ومع وجود شخص آخر على صلة بتقنية تحريك الدمى، تضيق قائمة المشتبه بهم أكثر

في الأصل كان الهدف تتبع مصدر الجرعة، لكن بعد أن هرب المرسل، لا معنى لتأخر سو لون أكثر

وفوق ذلك، قد يرسل الطرف الخفي تحذيرا إلى “جمعية الإخوة فون” بعدما اكتشفوا أنهم تحت التتبع

البضائع مجهولة المصدر حتى العصابات لا توزعها بتهور، وعلى الأقل فإن صاحب اللحية الكبيرة فوغليريس، الرئيس، لا بد أنه يعرف بعض المعلومات عن المزوّد الذي يقف خلف هذه الدفعة

لم يرد سو لون أن يفلت أي خيط ولو كان صغيرا

أحس بموقع السيدة الثرية لينا، وشكلت يداه أختام السحر بسرعة، وبعد أن كثف الطاقة الداكنة المطلوبة للإزاحة الموجهة، تذبذب الفضاء لحظة

وعندما نظر مجددا، كان قد صار واقفا فوق ذلك المبنى المتهالك

كانت السيدة الثرية لينا تزحف على السطح ببندقية قنص، تراقب المستودع عبر المنظار، وفجأة حين رأت سو لون يظهر بجانبها، لمع بريق في عينيها الصافيتين: “السيد سو لون، عدت؟”

وبينما تتكلم، أشارت إلى بضعة أفراد عصابة قرب باب المستودع وقالت بسرعة: “قبل قليل بدا أنهم تلقوا رسالة ما، ودخل أحدهم مسرعا”

استمع سو لون لتقرير السيدة الثرية لينا، وخمّن أيضا أن محاولة الاغتيال انكشفت، فأومأ بحزم: “كوني حذرة، سأدخل”

ثم فكر لحظة وأضاف: “إذا خرج أحد، اقتليه، وحاولي ألا تتركي ناجين”

أومأت السيدة الثرية لينا بجدية: “نعم”

لم يضيع سو لون وقتا في الكلام، وانتقل مجددا، فظهر مباشرة عند مدخل المستودع

أصيب الرجال الضخام ببدلاتهم والوشوم على أجسادهم بالصدمة حين ظهر شخص إضافي فجأة، وقبل أن تتحول دهشتهم إلى حذر، ظهرت خطوط دامية على أعناقهم

اندفع الدم مثل نافورة بشرية، وعندها فقط ظهرت خيوط الحرير الدموية اللامعة

طوال العملية لم يمنحهم سو لون حتى نظرة مباشرة، ودخل المستودع مباشرة

الشخص الذي خلف الستار غالبا في طريقه إلى هنا، ولا وقت لانتزاع معلومات ببطء من هؤلاء، قتلهم وسلب شظايا أرواحهم كان أسرع طريقة

انتقل سو لون مرة أخرى وظهر داخل المستودع

وجود شخص إضافي في المستودع جعل نحو 20 رجلا مسلحا بالكامل يوجهون إليه نظرات قاتلة، ووجهت نحوه عشرات فوهات البنادق

كان القائد، صاحب اللحية الكبيرة، يمسك سلاحا ناريا بطاقة سحرية، كان “المدخن العجوز” فوغليريس

كانت عينا سو لون باردتين بلا مبالاة، ومن دون شرح، قرص أختام السحر، وبعثت عيناه ضوءا حادا: “انفجار الهرمونات·الذوبان الرباعي”

وبحركة من أصابعه، ظهرت كائنات حجرية مجنحة وعدة دمى من العدم داخل المستودع

ثم اندلعت معركة شرسة

دوي دوي دوي دوي

كان صوت إطلاق النار داخل المستودع المغلق يصم الآذان مثل الرعد المتدحرج

ركز سو لون على توجيه ضربة قاسية لـ”المدخن العجوز” فوغليريس

فهذا الرجل، كمحترف من الرتبة الرابعة، احتاج بعض الجهد للتعامل معه

كان بعض التابعين يحاولون المقاومة، وآخرون رأوا أن الخصم قوي جدا وأن الأمور تنقلب عليهم فحاولوا الهرب، لكن الهاربين لم يصلوا حتى إلى النوافذ، إذ انفجرت رؤوسهم برصاصات قنص دقيقة، وتناثر الدماغ كأنه بطيخ مهروس

كانت المعركة عنيفة لكنها انتهت بسرعة كبيرة

خلال دقيقتين، قتل سو لون كل من في المستودع

وبعد أن سلب روح فوغليريس، وجد بالفعل معلومات عن المزوّد

لم يتأخر سو لون، جمع الغنائم، وخرج مباشرة من باب المستودع

وحين خرج، رأى السيدة الثرية لينا فوق السطح تقنص هدفا تلو الآخر، وأفراد العصابة الذين سمعوا الضجة وجاؤوا للتعزيز وقعوا تحت الضغط قبل أن يقتربوا من المنعطف

أشار سو لون بإشارة انسحاب إلى الظل فوق السطح، فردت لينا بابتسامة مشرقة

جمعت بندقية القنص، وبخفة تشبه القطة اختفت بصمت داخل الزقاق

سحب سو لون بصره، ورمى خلفه جهازا حارقا ليتلف الجثث ويمحو الآثار

دوّى انفجار قوي واشتعل المستودع كله بالنار

أطباء التحقيق في عالم الخيمياء بارعون جدا، يستطيعون جعل الموتى “يتكلمون”، يستنتجون شخصية القاتل وطريقته من آثار الجسد، وبعضهم يعيد تشكيل ملامح الوجه، وإن لم تكف جثة واحدة، كفت جثث كثيرة تجمع الأدلة وتكمل الصورة

كان سو لون قد شهد هذا من قبل، فلم يجرؤ على الإهمال

الآن، مع عدم وجود ناجين داخل المستودع، صار الأمر مثاليا

شكل أختام السحر، وفي لحظة كان واقفا بجانب السيدة الثرية لينا في زقاق يبعد مئات الأمتار

بدلا ملابسهما إلى ما كانا عليه سابقا، ثم مشيا إلى الشارع من دون جذب أي انتباه

وفجأة انفجرت أصوات قتال من مستودع، ففزعت المنطقة كلها

وبدون أن يفهم معظم الناس ما حدث، ظنوا غالبا أنها معركة بين عصابات، فظهر أفراد عصابات مختلفة في الشوارع مسلحين وبوجوه شرسة، لكنهم لم يعرفوا بعد من هو العدو

أما المتفرجون من سوق الليل فاندفعوا أيضا إلى الشوارع عند سماع الخبر، يتزاحمون كالنمل الخارج من جحره حتى امتلأت الطرق

وبذراعه حول خصر السيدة الثرية لينا النحيل، اندمج سو لون أيضا في حشد المتفرجين من دون أن يلاحظه أحد

لا أحد عرف من أطلق الرصاصة داخل الحشد، لكن فجأة انفجر الشارع بـ”دوي دوي دوي” وبدأ إطلاق نار

تفرق الجميع كطيور ووحوش، ولم يعودوا يجرؤون على التفرج، وخلال لحظات دوى هدير الدراجات النارية من الأزقة

استعاد سو لون والسيدة الثرية لينا دراجتهما من مرآب “حانة الحجر المتدحرج”، وانضما إلى سيل المركبات المغادرة من “شارع الثعلب”

وعلى غير ما كان قبل، كانت السيدة الثرية لينا تعانق سو لون من الخلف، وعلى وجهها ابتسامة فرح

وسط اندفاع الريح، وقبل أن يغادرا الحي، اقترح سو لون: “هل تريدين طعاما متأخرا؟”

وبعد قفزات الليل كله، كانت السيدة الثرية لينا جائعة أيضا، فأجابت بسعادة: “نعم”

المطاعم العادية تكون مغلقة في هذا الوقت، وكان يمكن لمطاعم لينا الراقية أن تفتح خصيصا لهما، لكن سو لون لم يرد إزعاج الطهاة للعمل في منتصف الليل

ولم تمض وقتا طويلا حتى توقفت الدراجة البخارية في حي مان

كان هذا حي طبقة عاملة، وبالقرب منه مصانع كثيرة، وكان العمال يخرجون ليلا بحثا عن الطعام، ومع الوقت تشكل هنا سوق ليلي نشط

أوقف سو لون الدراجة عند بداية الشارع، وعثر على كشك صغير اسمه “فطائر لحم مفروم وبطاطس مهروسة”

كان محلا يتذكر أنه طيب المذاق من ذكريات سلبها من أحد أفراد العصابة قبل قليل

وبما أن العمال لم يناموا بعد، كانت الحركة أبطأ، فوجد الاثنان طاولة وجلسا

كان الطعام لذيذا وسعره مناسب والحصة كبيرة

ورأى سو لون أنه مرض جدا، ففي نظره الأمر كله بروتينات وكربوهيدرات

في الزقاق المظلم، كانت الجرذان تصدر صريرا وهي تبحث عن طعام، وأنابيب بخار مثقوبة في الجدران تنفث دخانا أبيض، وكل من يمر يرتدي ملابس بسيطة من ملابس الطبقة الدنيا

لكن السيدة الثرية لينا، رغم خلفيتها الراقية، لم تمانع الجو إطلاقا، تستطيع الجلوس بأناقة في المطاعم الفاخرة وتشرب، لكنها تستمتع بطعام الشارع بالقدر نفسه

وأثناء الأكل، استأنفا حديثهما السابق

كان سو لون قد سلب ذكريات ذلك “المدخن العجوز” فوغليريس، وتعلم بالفعل من هو المزوّد لهذه الدفعة من البضائع

كان المزوّد شخصية من عالم الظلام تدعى “القيّم”

كان لهذا الشخص سمعة واسعة في عالم لينغدون السفلي، ويقال إنه شخصية كبيرة ذات نفوذ حقيقي حتى في الواقع، لكن مظهره الحقيقي ظل لغزا لأن أحدا لم يره قط

كان يعرف الإخوة فون بسبب بعض صفقات الاتجار غير القانوني بالبشر، وكان يشتري مواد السحر الأسود أو النصوص القديمة عبر العصابات

وبعد أن قاتل سو لون ذلك “تمثال الشمع المرعب·العروس الشبح”، صار شبه متأكد أن هذا “القيّم” هو من يمدهم بالبضائع من خلف الستار

لكن سو لون شعر أن هناك ما هو أسوأ من ذلك

فمن المعلومات التي سلبها من أفراد الإخوة فون، إلى جانب الاشتباه بأن من يمد البضائع من خلف الستار هو “القيّم”، حصل على معلومة بدت مقلقة للغاية

وهي ظهور مرض بين الطبقات الدنيا في لينغدون يسمى “الموت الأحمر”

الأوبئة والأمراض ليست جديدة على البشر، فمن عصر الأساطير إلى العصر الحديث، كانت هناك دائما عدوى لا علاج لها

مثل الطاعون الدبلي، والموت الأسود، والجدري، وغيرها

لكن هذا كان مختلفا

والسبب الذي جعل سو لون ينتبه إليه هو أن طريقة انتقال هذا المرض كانت أيضا عبر سوائل الجسد

كان هذا يشبه بشكل مدهش ما حدث على “الملكة رودريكا” سفينة الركاب

وفوق ذلك، كان الغريب أن هذا المرض لا يعالج بالطرق العادية، لكنه يمكن كبحه، بل وحتى إزالته تماما، باستخدام جرعة تكرر من بلورات الدم

ظهرت مؤامرة في ذهن سو لون فورًا

حتى لو كان معروفا أن الجرعة فيها مشكلة، ثم يظهر مرض لا يعالجه إلا تلك الجرعة، فمن المستحيل ألا تكون هناك صلة

وكان الأمر سيزداد تعقيدا أكثر بكثير إذا صح ظنه أن انتقال المرض مرتبط أيضا

تعقيدا شديدا

كان سو لون قد ظن في البداية أن الجرعة انتشرت فقط بين المدمنين، وأن أثرها سيبقى في نطاق صغير

لكن إن كان المرض مرتبطا بالانتقال كما يشتبه، فالمشكلة تصبح أعقد بكثير

ولو ثبت أن الجرعة بلا مشكلة، فقد تستعمل في النهاية لعلاج المرض على نطاق واسع بين الناس الذين لا يعرفون الحقيقة

التالي
430/630 68.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.