الفصل 433 : العمل أولا
الفصل 433: العمل أولا
نظر سو لون إلى سابينا، التي كانت متكئة بقربه براحة كأن لا أحد حولهما، فشعر بالعجز قليلا
رغم أنها خادمته بعقد، فإنها بعد أن كانت شديدة الانتباه في بداية لقائهما، صارت مع الأيام أكثر جرأة كلما ازدادا ألفة
كانت تفهم طبع سيدها تماما، وتعرف كيف تمازحه بالقدر الذي يحرّك الأعصاب دون أن تتجاوز الحد
وسو لون لم ير في ذلك مشكلة كبيرة
فخادمته الشيطانة كانت جميلة إلى حد يصعب أن يلومها عليه أحد
لكن المشكلة أن هذا المقهى مكان عام
رغم أن مكانهما في زاوية، فإن في المقهى أشخاصا آخرين
رأت سابينا نظرات سو لون المتفقدة حوله وفهمت على الفور، فلوحت بيدها بخفة، فجاء نادل بسرعة ووضع حاجزا للخصوصية ليحجب الزاوية، وكان الحاجز منقوشا بتعاويذ عزل الصوت، فصار الركن كأنه غرفة صغيرة منفصلة
قالت بابتسامة لامعة: “يا سيدي، أنا أيضا من المساهمين في هذا المقهى”
لم يتفاجأ سو لون حين سمع ذلك
فبالنسبة لعميلة استخبارات محترفة، اختيار مكان اللقاء لا بد أنه كان لأسباب أمنية بالدرجة الأولى
بعدها اقتربت سابينا أكثر وقالت بنبرة مدللة: “يا سيدي، هل اشتقت إلى خادمتك الأكثر لطفا واهتماما؟”
كان من المستحيل الشك في ذوق سابينا في الملابس، لكنها لم تكن تقصد الاستعراض بقدر ما كانت تريد إرباكه بابتسامة وكلمة محسوبة، وكانت تعرف كيف ترفع حرارة الجو بحديث خفيف ثم تعيدها إلى حد مقبول
وبينهما لم تكن هناك غربة، فاعتبر سو لون ملاطفتها إجابة ضمنية على سؤالها السابق
قالت سابينا بفرح واضح: “كنت أعلم أن سيدي اشتاق إلي”
لم يلتقيا منذ مدة، فصار لديها ما تود قوله، فاقتربت وهمست: “يا سيدي، لقد ازددت وسامة، عندما قرأت عن معركة اتحاد موروس في الصحف، لم تتخيل كم شعرت بالحماسة، لقد قرأت كل ما كُتب عنك مرات كثيرة حتى حفظته”
كان حديثها أقرب إلى كلمات لطيفة منه إلى تبادل أخبار
شعر سو لون فقط بأنفاس دافئة قرب أذنه
وعندما تذكر المبالغات التي تملأ الصحف، ظهرت على شفتيه ابتسامة ساخرة من جديد
فقد سمع التفاصيل كاملة من لينا من قبل
وسمع الكثير أيضا من السيد هي
وبما أن أمامهما عملا مهما تلك الليلة، لم يطِل في الموضوع، وسأل مباشرة: “هل نستعد للذهاب إلى حفلة الرقص الآن؟”
لم تتعجل سابينا أبدا: “لا داعي للعجلة، ما زال أمامنا ساعة، هذه الخادمة المتواضعة جاءت فقط لترى سيدها أولا”
رفع سو لون حاجبيه: “حسنا”
ثم سألت سابينا: “هل جلب سيدي هدية لي؟”
وبين عينيها لمعة ماكرة، ثم قالت بعتاب مصطنع: “رينا قالت إنها حصلت على هديتها، وعندما سألتها قبل قليل ذكرت أن سيدي غادر الشقة مبكرا هذا الصباح”
هز سو لون رأسه ولم يخف شيئا، وأخرج خاتما من زمرد يلمع بقوة تحت الضوء
كان واحدا من الغنائم التي حصل عليها من أطلال البحر، وكان جميلا جدا
كان سو لون ينوي أن يعطي كل من حوله هدية، حتى يستطيع لاحقا تحديد مواقعهم عبر انتقال موجه
قال: “هذا لك، عليه نقوش فضائية، وإذا ارتديته سأستطيع أن أشعر بمكانك في أي وقت”
قالت سابينا بفرح صادق: “هذا أجمل خاتم رأيته في حياتي”
كانت السعادة واضحة في عينيها
فالزمرد وحده كنز نادر، لكن معنى الهدية جعلها أسعد بكثير
لم يقصد سو لون المبالغة، لكنه بعد التجربة توصل إلى أن حجرا كريما بهذا الحجم ضروري لنقش إحداثيات فضائية كاملة
وسابينا لم يكن يهمها ذلك أبدا
حتى لو أعطاها حجرا عاديا، لاعتبرته كنزا لا يقدر بثمن، وستفرح به جدا
لكنها في تلك اللحظة لم تأخذ الخاتم، بل مدت يدها الناعمة وقالت بصوت رقيق: “يا سيدي، هل تساعدني في ارتدائه؟”
نظر سو لون إلى وجهها المتطلع وهز رأسه بلا حول، ثم وضع الخاتم في إصبعها الأوسط من يدها اليمنى وقال: “حسنا، قدمت الهدية، والآن لنتحدث في الأمور المهمة”
بعض الأمور لا تصلح عبر جهاز الاتصال، ولا بد من قولها وجها لوجه
كان سو لون يعلم أنه إن تركها تواصل المزاح بلا ضبط فسيضيع الوقت في غير محله
بعد أن ارتدت الخاتم، ظلت تقلب يدها وهي تنظر إليه بإعجاب متزايد
ما أسعدها حقا أنها شعرت بمكانتها في قلب سيدها
هذه سعادة أن يشعر المرء بأنه محل تقدير
ولم تنس سابينا الحديث في المهم، فقالت: “هويتي الحالية هي ’الكونتيسة ديمكولا’، سيدة نبيلة صغيرة تعيش أرملة في قلعة الحجر الأبيض جنوب مقاطعة أنروغوس، أما أنت يا سيدي فهويتك هي طبيبي الخاص، ومن الواضح أن علاقتنا وثيقة جدا”
ابتسم سو لون ابتسامة خفيفة: “حسنا”
تابعت سابينا: “هذه الهوية تحتاج الانتباه إلى بعض الأمور”
بعد شرحها فهم سو لون مسار الأمر كله
تذاكر “حفلة البدر” صعبة المنال، وتحتاج إلى تزكية من ثلاثة أعضاء قدامى
هذا النظام يستبعد أغلب أصحاب النيات السيئة، أو من لا يملك جذورا واضحة
عادة لا يدخل إلا علية القوم من إمبراطورية لوينغ، ممن لديهم أملاك ثابتة، ونسب يمكن تتبعه لأجيال، وسجل واضح
وإذا وقع أحد الأعضاء في مشكلة، فإن ذلك يؤثر على المزكين وعائلاتهم أيضا
لهذا استمرت حفلة البدر زمنا طويلا بلا مشكلات، بل ازدادت قوة مع الوقت
سابينا رغم موهبتها الاستخباراتية، كانت وحدها أضعف من أن تحصل على تذكرة بمفردها
لكن شبكة الدم التي تعود إلى السيد جينغ كانت تدير عملا استخباراتيا منذ مئات السنين
وبمجرد انضمام سابينا، صار لديها حل جاهز
أفضل هوية ليست تنكرا، بل استبدالا حقيقيا
هوية “الكونتيسة ديمكولا” كانت شخصية تم إعدادها بعناية منذ سنوات طويلة، والآن جاء وقت استخدامها
كانت ثابتة ويمكن تتبعها دون ثغرات
وبفضلها اندمجت سابينا بسرعة في الطبقة الراقية في لوينغ، وحصلت على كثير من المعلومات المفيدة
وكان سو لون يدرك أيضا أن سابينا تخاطر كثيرا بأخذه إلى الحفلة
فإن حدث أي خطأ، فستتعرض هي وكل شبكة المعلومات التي خلفها لضربة كارثية
لذلك شعر سو لون أنه يجب أن يكون أكثر حذرا، وألا يمنحهم سببا للانكشاف
وبالمناسبة، المنظمة التي تنتمي إليها شبكة السيد جينغ وسابينا صارت تستخدم اسما من زمن لينغدون القديمة، وهو “منظمة جينغ”
…
بعد أن أمسك سو لون بمعظم المعلومات اللازمة للعملية، لم يبق ما يستدعي الإطالة
نظر إلى سابينا وسأل: “هل واجهت خطرا منذ جئت إلى لينغدون؟ أو مررت بتجربة خاصة؟”
قالت سابينا بعد تفكير: “نعم، عندما وصلت في البداية كانت أسس عملي غير مستقرة، ووقعت عدة مواجهات خفية مع قسم الاستخبارات العسكرية في لوينغ، تلك المنظمات القديمة لديها موارد كثيرة وخبراء كثر، وكدت أن أتعرض للانكشاف أكثر من مرة”
اشتدت ملامح سو لون قليلا وهو يسمع
كانت سابينا تبتسم دائما بسهولة، لكن كلامها كان ثقيلا
العمل الاستخباراتي مليء بالخطر، والانكشاف قد يعني حياة أو موتا
وبجمل قليلة فهم سو لون أنها بذلت جهدا كبيرا في الخفاء
لمحت سابينا تغير ملامحه وعرفت أن سيدها يهتم بها حقا، فابتسمت وقالت: “لكن بعد أن وافق السيد سو لون، اهتم القائد بي بشكل خاص، كما أنني وجدت في قلعة ’دوق الدم’ وازهوواز زيا خيميائيا يسمى ’ذيل الشيطانة القديمة’، وبعد اندماجي به استيقظت لدي موهبة المرحلة الثانية بالصدفة، لذلك لا تقلق كثيرا، احتمال انكشافي الآن منخفض جدا”
شعر سو لون براحة لا يعرف سببها، ثم سأل بفضول: “ما قدرة المرحلة الثانية للشيطانة؟”
كادت سابينا أن تقول، ثم تذكرت شيئا، ولمعت عيناها بمكر وقالت: “لن أخبرك الآن، هذه مفاجأة أعددتها لك يا سيدي، سأخبرك بعد حفلة الليلة”
لم يفكر سو لون كثيرا بعد سماع ذلك
ومن طريقتها كان يستطيع أن يخمن أن المرحلة الثانية ربما فتحت قدرات خاصة جدا
واصلت سابينا الكلام، ثم قالت بنبرة فيها جدية خفيفة: “ظننت أنني حاولت أن أزداد قوة، لكن مقارنة بسيدي ما زلت ضعيفة”
قال سو لون بصدق: “أنت تؤدين عملا جيدا بالفعل”
أجابت سابينا بجدية: “لا، يجب أن أزداد قوة لألحق بخطى سيدي، لذلك على سيدي أن يدفعني للعمل بجد في الزراعة الروحية”
ابتسم سو لون ولم يزد
كان يعلم أنه لا داعي للقلق من هذا الأمر، فسابينا تفهم دورها جيدا
في المستقبل سيزداد قوة أكثر فأكثر
ولن يحتاج إلى زينة لا قيمة لها قربه
القوة وحدها تمنح قيمة للمرافقة
كما أن لشيطانة مثل سابينا طرقا خاصة لتسريع نموها، لكنها لا تنفع إلا مع أساس قوي وانضباط شديد، وهو ما كانت تعمل عليه منذ مدة
وحين رأى ابتسامتها ذات المعنى، فهم ما تقصده دون حاجة لكلمات إضافية
رغم أن سو لون شعر بأنه اشتاق إليها، وكان يرغب في مزيد من الدفء الإنساني بعد طول غياب
لكن ترتيب الأولويات أهم
قال وهو يضحك بلا حول: “توقفي عن المزاح، لدينا عمل مهم قريبا”
قالت سابينا بلا اكتراث: “لكن ما زال أمامنا ساعة”
نظر سو لون حوله وقال: “هذا مقهى”
رفعت سابينا حاجبها بابتسامة مشاكسة: “هل يهمك ذلك؟”
في النهاية لم يجد سو لون ما يقوله، فهز رأسه وتجاهل الموضوع
…
بعد 50 دقيقة من اللقاء
ظهر سو لون وسابينا في شوارع لينغدون ليلا، وكانا يمشيان على الممر قرب نهر لوكوارين ويتأملان منظر الضفة
ليل ساحر، ونهر يتدفق في الظلام، وأحيانا يمر قارب مضاء فوق سطح الماء
ضوء مصابيح الغاز البرتقالي يطيل ظلالهما ثم يقصرها ثم يطيلها من جديد
ومع حلول الليل كان كثير من المارة يقفون قرب الماء يستمتعون بالهواء البارد
كان الاثنان يرتديان معاطف سوداء، ولم يلفتا النظر بين الحشود ذات الملابس الداكنة
المعطف أخفى تفاصيل سابينا الدقيقة، فحجب كثيرا من سحرها عن العابرين، وكانت تمسك ذراع سو لون بمحبة وهي تمازحه: “يا سيدي، لقد صرت قويا جدا”
ضحك سو لون: “هاه”
فهم تلميحها، وضحك دون أن يشرح
كان قد بذل أقصى ما لديه في عدة معارك كبيرة في بحر الشمال، وسلب فهم القوانين من عدة محترفين من الرتبة السادسة، مثل قانون الفضاء وقانون القوة وقانون عنصر الماء وغيرها
يمكن القول إن مستوى فهمه للقوانين لا يقل عن معظم محترفي الرتبة السادسة، بل يملك تنوعا واسعا، كأنه جمع كل ما يحتاجه المرء
أما طريقة تدريب الشيطانة لدى سابينا، فهي تستفيد من جزء من فهم سيدها وتحوّله إلى فهم خاص بها، وهذا يوفر عليها طرقا طويلة
لكن من الواضح أن سابينا كانت تقصد أكثر من ذلك
قالت وهي ما تزال تحمل احمرار توتر خفيف على وجهها: “كنت عالقة عند عتبة الرتبة الرابعة فترة طويلة، والآن أشعر أنني فهمت ما كان ينقصني، وأظن أن ترقيتي صارت قريبة جدا، لا إلى الرتبة الرابعة فقط، بل إلى الخامسة وربما السادسة أيضا، أشعر أنني لمست شيئا من ذلك”
هذه موهبة الشيطانة، نموها وحده ليس سريعا، لكن مع سيد قوي تستطيع القفز بسرعة كبيرة
وفوق ذلك كانت سابينا مجتهدة وأساسها متين
قال سو لون: “الفهم جيد، وإذا استطعت فحاولي أن تفهمي ’السيطرة’ الخاصة بك، بعد استيقاظ موهبتك في مرحلتين، احتمال ترقيتك إلى الرتبة السادسة كبير، والسيطرة قدرة ضرورية لمن يريد أن يصير محترفا من القمة”
ثم شاركها بعض شروط الترقي التي كان السيد جينغ قد أخبره بها سابقا
وشاركها أيضا بعض خبرته في فهم السيطرة
قالت سابينا باهتمام: “حسنا”
وبعد أن استمعت، نظرت إليه بعينين فيهما حرارة وقالت: “يا سيدي، ستبقى في لينغدون لفترة قادمة، أليس كذلك؟ هل تسمح لخادمتك أن تكون قربك لخدمتك يوميا؟ فأنا ما زلت أحتاج إلى توجيهك”
ضحك سو لون من مزاحها الذي يضغط على الأعصاب
لم يطِل في الموضوع، وقال: “لقد أعددت لك جرعة فراغية، ومجموعة معدات نمو فراغية مناسبة لك، بعد اندماج الرتبة الرابعة ستتقوى قدرتك على الانتقال كثيرا”
موهبة الشيطانة فيها بطبيعتها لمسات من قدرات الفراغ، ومع ترقية مناسبة سيزداد على الأقل عامل نجاتها كثيرا
سمعت سابينا أن هناك هدية أخرى، فشدت على ذراعه وقالت: “شكرا يا سيدي”
شعر سو لون أن قربها يربكه، فحاول تهدئة نفسه
وتذكر أن أمامه عملا مهما، فسأل: “هل سننتظر في الشارع هكذا؟”
أومأت سابينا: “تم إرسال طلب الحضور، وسيأتي أحدهم ليأخذنا بعد قليل”
هز سو لون رأسه، وبدأ يراجع في ذهنه ما يعرفه عن حفلة البدر
واصلا السير قرب الماء
ومنذ أن رأت سابينا سو لون لم تفارق الابتسامة وجهها
نظرت إليه بنظرة شاردة قليلا، ثم قالت بمرح: “يا سيدي، قلت لك إن المقهى كان مناسبا، أليس كذلك؟”
توقف سو لون لحظة، ثم فهم أنها لا تقصد القهوة
لم يشعر أنه يملك ميولا غريبة
لكن ما حدث قبل قليل جعله يعترف في نفسه أن الهدوء والخصوصية قد يغيّران كثيرا من الإحساس
رفع حاجبه وقال بلا تردد: “نعم، كان جيدا”
فرحت سابينا برده، ثم لمحت طريق الضفة المظلم وقالت هامسة بمشاكسة: “هذا المكان مناسب أيضا”
لم يستطع سو لون إلا أن يتفقد المكان بعينيه، فكانت هناك شجيرات معتمة توفر سترا كافيا لأي لحظة طيش
شعر فجأة أنه قد ينجرف إلى طريق متهور بفعل خادمته الشيطانة
تنحنح وقال بحزم: “العمل أولا”
غطت سابينا فمها بضحكة رقيقة: “حسنا”
ثم قالت بعينين لامعتين: “ما رأيك في المرة القادمة؟”
…
مع حلول الليل، بدأ الضباب يزداد في شوارع لينغدون وأزقتها
وبينما كانا يسيران قرب النهر، ظهر في وقت الموعد ضوء سيارة يشق الضباب
توقفت سيارة بخارية سوداء لامعة قرب الرصيف
قالت سابينا وهي تمسك ذراعه: “يا سيدي، وصلت السيارة”
أومأ سو لون دون أن يتغير وجهه، وراقب السيارة بحذر
نزل سائق ببدلة سوداء وقفازات بيضاء وفتح الباب
اقتربا وركبا السيارة
لم يتبادلا الحديث أثناء ذلك
وبمجرد جلوسهما، لاحظ سو لون أن المقصورة مصنوعة خصيصا، تعزل معظم الحواس الخارجية، فلا صوت ولا نقاط مرجعية، والنوافذ المغطاة بالضباب معتمة تماما، بحيث يفقد أغلب المحترفين الإحساس بالاتجاه فور ركوبهم
تفقد سو لون الأمر بعين العين العليمة، ولم يلاحظ شيئا غير طبيعي
رغم تقييد الحواس، لم يتأثر إدراك الفضاء
فهم سو لون لقانون الفضاء كان مرتفعا بما يكفي ليعرف أنهم يتجهون جنوبا بمحاذاة شارع الضفة
ثم انعطفوا إلى شارع بيكر
كانت سابينا تمسك يده وقالت: “مكان الحفلة يتغير كل مرة، ولا أحد من الضيوف يعرف أين سيكون”
أومأ سو لون: “حسنا”
لو كان هو المنظم، لاعتبر هذا القدر من السرية ضروريا
فحكام لينغدون القديمة لن يرغبوا بوجود نفوذ سري قوي بهذه الدرجة
تحركت السيارة بسلاسة شديدة كأنها لا تتحرك
وسو لون نفسه خبير في التقنية الميكانيكية، فلاحظ أن السيارة رغم شبهها بسيارة بخارية عادية، إلا أنها تحتوي تقنيات لا توجد في السوق
ولمنع الركاب من تمييز الاتجاه، يجب أن يكون التوجيه ناعما للغاية
على الأقل لا ينبغي أن يشعر الراكب باهتزازات واضحة
وهذا شبه مستحيل لسيارة بخارية عادية ذات نظام تعليق صلب، خصوصا مع طرق لينغدون القديمة غير المثالية
من هذا التفصيل خمّن سو لون أن “اللورد يينغ” ربما يملك تقنيات ميكانيكية عسكرية سرية، أو تقنية قديمة ما
ومع ذلك لم يمنعه ذلك من متابعة مسار السيارة
دارت السيارة في الشوارع والأزقة، ومرت عبر أنفاق خاصة، ثم خرجت مباشرة من المدينة
…
بعد أكثر من ساعة توقفت السيارة أخيرا
استشعر سو لون موقعه بدقة وتمتم: “ضواحي مدينة لينغدون الغربية”
في هذه اللحظة ارتدى سو لون وسابينا قناعين قدمهما منظمو الحفلة
ومع سماع صوت فتح مقبض الباب من الخارج، وقفت امرأة ترتدي زيا رسميا خاصا عند الباب وقالت باحترام: “مرحبا بكما في حفلة البدر”
نظر سو لون إلى المرأة وشعر أنها مألوفة
كانت بشعر أشقر وعيون زرقاء، قوامها ممتاز، وشامة جميلة تحت إحدى عينيها
وبعد لحظة تعرف عليها، إنها سوزانا مكفيرسون، المغنية المشهورة في لينغدون، التي كان المعجبون ينادونها بلقب “الحبيبة”، مغنية بصورة بريئة وهادئة
كان قد رأى إعلاناتها على اللوحات عندما ذهب مع لينا إلى حانة الحجر المتدحرج، لذلك بقيت في ذاكرته
هل تكون الشائعات صحيحة؟
نجمة ثرية إلى هذا الحد، ومع ذلك تقف هنا لاستقبال الضيوف فقط؟
تمتم سو لون في نفسه بدهشة صامتة، ثم كف عن التحديق
كان اهتمامه الأكبر أين هو
نظر حوله فوجد أن السيارة توقفت في مرآب تحت الأرض محكم الإغلاق
في تلك اللحظة أشارت موظفة الاستقبال إلى درج قريب وقالت بأقصى احترام: “أيها الضيفان الكريمان، تفضلا من هنا”
شبكت سابينا ذراعها بذراع سو لون بأناقة، إشارة إلى المتابعة
صعد الثلاثة الدرج، وفجأة صار الديكور أفخم بكثير
أمامهم ممر مفروش بسجاد فاخر تكلفته عشرات الآلاف لكل متر مربع، يلمع بالذهب والمواد الثمينة
وعلى الجدران، كل بضعة أمتار، لوحة تبدو من أول نظرة عملا لفنان كبير، وعند التقدير يتضح أنها أصلية
هذه أعمال فنية راقية قد يصل ثمن الواحدة منها إلى ملايين من ريسو في دار مزادات لينغدون، أي أن زينة هذا الممر وحدها تساوي مئات الملايين
بعد خطوات قليلة، قادتهم الموظفة إلى غرفة صغيرة فاخرة بنفس القدر، وقالت: “أيها الضيفان الكريمان، تفضلا بالانتظار هنا قليلا، ستبدأ الحفلة بعد نصف ساعة، وإذا احتجتما أي شيء فأخبراني، سأكون المرافقة المخصصة لكما هذا المساء”
وبعد أن أدخلتهما بقيت في الغرفة وأغلقت الباب بلطف
سابينا كانت قد جاءت إلى هنا من قبل، وبينما كان سو لون يتفقد المكان، قالت: “امتيازات العضوية هنا واسعة، لكننا جئنا لأمر أهم من كل ذلك”
لم يتفاجأ سو لون، ولم يهتم أيضا
ما كان يهمه حقا هو كيف يحصل على المعلومات التي يريدها من هذه الحفلة
وإلا فالحفلة التالية بعد نصف شهر
ومع انتشار “الموت الأحمر” وجرعة الطفيليات، من يدري ما الذي قد يحدث إن انتظر نصف شهر
…
تبادلا حديثا خفيفا، ولم يشعران بالوقت حتى مضت نصف ساعة
ورغم أن الغرفة تعزل الحواس، فإن إدراك الروح وإدراك الفضاء لم يتأثرا أبدا
كان سو لون يعلم أنه أثناء انتظارهما وصلت مجموعات أخرى من الضيوف إلى الغرف المجاورة واحدة بعد أخرى
وكان تنظيم دخولهم متقنا لتجنب أي لقاء غير مرغوب فيه، فكل مجموعة تنتظر في غرفتها الخاصة
في تلك اللحظة اهتزت الغرفة هزة خفيفة
كانت أشبه بارتجاف أرضي
لم تعرف سابينا ما الذي يحدث، وظهر في عينيها ارتباك بسيط
لكن سو لون خمّن مباشرة أنه صوت انطلاق سفينة طائرة
لأنهما كانا على متن سفينة طائرة ضخمة جدا
فكر سو لون بدهشة: “يا لها من قدرة مبذرة، المال والنفوذ والتقنية والعلاقات، من يكون هذا اللورد يينغ؟”
كان وجهه هادئا، لكن ذهنه يعمل بسرعة
كان يستشعر الفضاء من حوله طوال الوقت، وحجم هذه السفينة يفوق أي سفينة طائرة بخارية رآها من قبل
وتأكد أن سفينة مدنية لا يمكن أن تكون بهذا الحجم المبالغ فيه
والمعلومة الوحيدة التي تطابق وصف هذه السفينة هي السلاح السري الأسطوري لجيش إمبراطورية لوينغ، السفينة الطائرة غوسماو
“قلعة ميكانيكية سماوية” يقال إنها تطير بقوة مغناطيسية، أخف من الهواء نفسه

تعليقات الفصل