الفصل 434 : حفلة البدر
الفصل 434: حفلة البدر
كان سو لون قد سمع من قبل عن “المنطاد غوسماو” وقد حصل على هذه المعلومة من ذكريات فارس ميكانيكي ملكي من مافا كان قد خدم الأميرة ستيكا في بحر الشمال
كان لدى جيش مافا معلومات شديدة السرية تقول إن وزارة جيش لوينغ تطور حصنا جويا فائق القوة بهدف السيطرة على المجال الجوي لمواجهة ميادين القتال في المستقبل
لم يكن هذا النوع المعتاد من المناطيد التي تتدلى منها سلة تحت بالون ضخم بل كان وحشا فولاذيا حقيقيا حتى إنه يمكن وصفه بقلعة فولاذية تعمل بالبخار في السماء
ومع ذلك لم تكن هناك تقارير عن استخدامه في ساحة القتال حتى الآن
حتى جهاز استخبارات مافا لم يسمع سوى شائعات عن أن جيش لوينغ يطوره سرا ولم يره أحد فعلا
لم يتوقع سو لون أن يرى الشيء الحقيقي هنا بالفعل
أيًّا كانت الوسيلة التي استخدمها “دوق الظل” للحصول على هذا المنطاد فإن هذا الإنجاز وحده يبرر لقبه كملك العالم السفلي في لينغدون
عند رؤية المنطاد العسكري بدأت أفكار سو لون تتسارع “زعيم عصابة لا يمكنه الوصول إلى هذه الخطوة وحده فمن هو الداعم المالي الحقيقي وراء جمعية البلوط الأحمر؟”
في النهاية تمتلك إمبراطورية لوينغ إرثا عمره ألف سنة وهناك كثيرون يخفون أنيابهم تحت السطح
مثل عائلة لانس المنخفضة الصوت والدوق رافائيل الطموح
وهذا جعل سو لون يشعر أكثر أن عليه أن يكون حذرا في حفلة الرقص هذه
….
باستثناء الارتجافة الخفيفة التي شعر بها قبل قليل وكأنها هزة أرضية لم تحدث أي أمور أخرى غير طبيعية
لكن ضمن إدراكه المكاني كان سو لون يعرف أن هذا الجسم الهائل يصعد ببطء
لم يظهر أي علامة غرابة وواصل الدردشة بهدوء مع سابينا
بعد نصف ساعة شعر سو لون أنهم صاروا على ارتفاع لا يقل عن 3,000 متر وما زال المنطاد يصعد
وفجأة جاء صوت فتح آلية من خلف أحد جدران الغرفة التي كانوا فيها
التفت سو لون وسابينا ليريا أن الجدار الزخرفي السابق قد انطوى كاشفا عن لوح كبير من الزجاج المقسى
عند رؤية الغيوم الطافية في الخارج ظهر أثر دهشة في عيني سابينا الصافيتين وكأنها لم تتوقع أنهم صعدوا إلى السماء بالفعل نظرت إلى سو لون ثم اختفى في عينيها وميض غريب بسرعة وابتسمت بسحر “سيدي هل تود الاستمتاع بالمنظر؟”
“بكل سرور”
نهض سو لون وأمسكت سابينا بذراعه بطبيعية وسارا نحو نافذة المشاهدة
من هناك كانت مدينة لينغدون كلها تحت أقدامهما
شوارع المدينة ليلا كانت مضاءة ببراعة وقد تجاوزوا طبقة الضباب الكثيف لذلك كان كل شيء واضحا
كان الضباب الدائم الذي يلف لينغدون يضع ستارا غامضا فوق المباني المتدرجة
كانت الأضواء على طول نهر لوكوارين هي الأشد لمعانا وكانت مصابيح الغاز على ممشى النهر ترسم صفوفا طويلة من نقاط برتقالية تقسم المدينة بوضوح إلى نصفين شمالي وجنوبي
كان الضباب أثخن في جنوب المدينة حيث مداخن المصانع تنفث الدخان الأبيض بلا توقف ورغم أن الإضاءة في حي النبلاء في الشمال لم تكن كثيفة فإنها كانت شديدة السطوع
بدت المدينة كلها كوحش عملاق نائم على الأرض والمباني كأنها أشواكه
في تلك اللحظة كان قمر ساطع معلَّقا في السماء وكان ضوءه الشاحب ينسكب فوق الأرض المغطاة بالضباب ليضيف لمسة غموض إلى المشهد
كانت هذه أول مرة يطل فيها سو لون على لينغدون هذه المدينة العملاقة من هذا العلو
ضيق عينيه أمام الأضواء الباهرة في الأسفل وشعر براحة غريبة وقال “الوقوف في الأعلى يعطي منظرا مختلفا فعلا”
وبينما يستمتع بالمشهد عبر نظره زجاج المشاهدة ليفحص هذا الحصن الجوي
كان بدن المنطاد مصنوعا من مسامير معدنية ضخمة مركبة لتشكل قشرة فولاذية ومن الجانب كانت مراوح كثيرة بأحجام ووظائف مختلفة واضحة ومن هذه الزاوية يمكن رؤية أجزاء من معدات الطاقة وأنابيب البخار تنفث دخانه الأبيض ولم تكن هناك أكياس غاز ظاهرة وكان الشكل غريبا يشبه حوتا عملاقا ممتلئا
إحساس بخار وآلات كثيف
نظر سو لون بإمعان وفهم تقريبا بنية “المنطاد غوسماو” لكنه لم يستطع أن يعرف كيف تطير هذه القلعة الفولاذية الثقيلة لأن مفتاح نظام الطاقة كان مخفيا داخل المنطاد
فكر في نفسه “هل يمكن أن تكون تقنية غوبلين قديمة؟”
لا شك أنه إن كان منتجا ميكانيكيا يتجاوز مستوى التكنولوجيا الحالية فمن المرجح أنه مستخرج من آثار تقنية سوداء قديمة
ورغم أن سو لون لم يفهمه فإن ذلك لم يمنعه من سماع أساطير حضارة الغوبلين التي قيل إنها امتلكت “مدنا في السماء”
ومع كون مغامري إمبراطورية لوينغ ينقبون عن الكنوز منذ سنوات طويلة فليس من الصعب فهم أن العائلة المالكة قد تمتلك بعض التقنيات النادرة في يدها
…
كان سو لون وسابينا يتأملان المنظر من قرب السرير حين عاد صوت تعشيق التروس في الغرفة مرة أخرى
هبط درج قابل للطي ببطء من السقف
قالت سابينا وهي تمسك ذراع سو لون “سيدي حان وقت الحفل”
أومأ سو لون وصعدا معا
كان الفضاء الداخلي للمنطاد الميكانيكي واسعا ولم يقابلا أي ضيوف آخرين في الممر
وسرعان ما بعد أن دفعت فتاة الأرنب بابا انفتح المشهد فجأة
كانت هناك قاعة ولائم فاخرة بإضاءة خافتة
عندما وصل سو لون ومرافقته كان في الداخل بالفعل عشرات من الأشخاص المقنعين من الرجال والنساء يرتدون أزياء فخمة ومن الحلي التي يضعونها يمكن معرفة أن هؤلاء ليسوا أشخاصا عاديين
كان الهواء مشبعا برائحة بخور خفيفة شعر سو لون بأنها منعشة
ركز على مبخرة في الزاوية وحددها على أنها “أسطورة العذراء” وهو جرعة تحمل اسما غريبا
ورغم غرابة الاسم فقد كان سو لون قد سمع بسمعتها منذ زمن
لأن الجرعة لها آثار مدهشة مثل تحسين المظهر وإطالة العمر وكانت وصفة خيميائية أسطورية
قيل إن من يقترب عمره من نهايته إذا استنشقها يمكنه أن يعيش نصف سنة إضافية وإن الاستخدام المنتظم يطيل العمر سنوات عديدة
كانت المادة الأساسية فيها أحفورة لا توجد إلا في طبقات الجليد الدائم في حقل جليد أقصى الشمال وهي نادرة للغاية وقيل إنها جرعة خاصة تصنعها نقابة الصيادلة للعائلة المالكة في لوينغ ولا وجود لها في السوق إطلاقا
“يا له من كنز…”
عند رؤية ذلك شعر سو لون فجأة كأنه قادم من مكان بسيط
كان قد جمع ثروة في أطلال البحر من قبل ورغم أنه يملك المال فإن ملامح العيش بين هذه الطبقة لم تلحق به بعد
في هذا الحفل كانت هناك أشياء كثيرة لم يرها من قبل لولا ما تحدده العين العليمة
ما لم يفهمه سو لون هو كيف يمكن تقديم أشياء بهذا القدر من الرفاه مجانا
نظر مرة أخرى إلى بوفيه الشراب والطعام فوجد أنه مليء بأطباق نادرة ومشروبات معتقة ليست للملء أو المذاق فقط بل تمنح آثارا مختلفة أيضا ولم تكن بالتأكيد طعاما عاديا
عندها أدرك سو لون أن ما يقدمه منظمو الحفل للضيوف أشياء لا تُشترى بالمال أو يصعب الحصول عليها بشدة
بدأ بعض الضيوف يخرجون من زوايا خفية واحدة تلو الأخرى وكان من السهل التمييز فالحاضرون جميعا يضعون أقنعة خاصة تغطي وجوههم أما الشبان والشابات بلا أقنعة فكانوا طاقم خدمة مخصصا
سيدات مجتمع راقي وراقصات باليه ملكيات ومغنون مشهورون
ومن بين فتيات الأرنب تعرف سو لون على عدة وجوه مألوفة
هذه الجميلات بملابسهن اللافتة اللواتي يصعب على الناس العاديين الوصول إليهن كن مجرد جزء من أجواء الحفل بالنسبة لأصحاب النفوذ الحقيقيين
لاحظت سابينا إلى جوار سو لون أنه يتفقد المكان فقالت بدلال “إن كان سيدي مهتما فيمكنه أن يجرب~”
ضحك سو لون بخفة لم يكن يحدق بالجميلات بل كان يريد أن يرى من يحضر الحفل بوضوح ليستنتج ما لديهم من معلومات
راقب كل شيء حوله بحذر لكن للأسف كانت الأقنعة التي يوفرها المنظمون تحمل تعاويذ تشوش الإدراك فلا يمكن رؤية الوجوه
لم يستطع سو لون إلا أن يحفظ تموجات أرواحهم مفكرا أنه قد يتعرف عليهم إن صادفهم لاحقا
….
كان “حفلة البدر” بالدعوات فقط ونادرا ما يضيف أعضاء جددا لذلك كان معظم الحاضرين من الرواد
في حفلات الطبقة العليا تُخفى الرغبات خلف الأقنعة أما هنا في هذا الحدث السري فتتحرر النفوس من التحفظ
لم يستغرب من يضعون الأقنعة شيئا وكان كل واحد منشغلا بما يريد في زوايا القاعة وكان الجو مليئا بالحديث والضحك والاحتفال في كل مكان
في النهاية هو حفل وبمجرد أن بدأت موسيقى هادئة تعانق الناس ورقصوا ثم تعانق سو لون وسابينا أيضا في رقصة بطيئة
لاحظت سابينا حيرة سو لون من مظاهر الاحتفال التي لا تتستر فمالت نحو أذنه وهمست “في الحقيقة كثيرون هنا لا يمانعون كشف هويتهم لأن كل ما يتعلق بالحفل سري للغاية وحتى الحديث عنه على انفراد ممنوع وإلا سيطاردهم دوق الظل وشبكة معلوماته دقيقة جدا وتغطي العالم السفلي والواجهة الشرعية حتى إنها تفوق جهاز الاستخبارات في إمبراطورية لوينغ ولم ينجُ أحد ممن سرب معلومات عن الحفل ثم إن الانضمام إلى الحفل أصبح علامة مكانة عند الطبقة العليا وكثيرون يرون أن كشف الهوية يرفع حضورهم في علاقاتهم خارج الحفل…”
بدأ سو لون يفهم
في الواقع كانت فضائح الطبقة العليا معروفة للجميع بشكل غير معلن والآن تحت قاعدة “لا تسريب” لم يعد الناس يخشون شيئا
كان الحفل قائما على العضوية وكثير من الحاضرين يعرفون بعضهم أو بينهم روابط ما
كان هذا نوعا من تحالف خاص
وعندما يكون لدى الجميع ما يربط الجميع يصبح التحالف أكثر ثباتا
يمكن تخيل أن “دوق الظل” المنظم لا بد أنه يملك قدرا كبيرا من معلومات محرجة تخص الطبقة العليا
….
لم يمض وقت طويل حتى دخلت قاعة الولائم شخصية غامضة ترتدي رداء أسود وتضع قناعا ذهبيا
لاحظ سو لون هذا الشخص فورا وشعر بتموجات روح فريدة وتمتم “قوي جدا”
هذا هو “دوق الظل” الغامض
من الصعب على المحترفين رفيعي المستوى تمييز الرتب من تموجات الروح لكن بالنسبة لسو لون بدا أنه على الأقل من الرتبة السابعة بل إن تموجه يشبه إلى حد ما تموج السيد جينغ الخافت
“لكن تموج روحه… هل يقترب عمره من نهايته؟”
على الرغم من الهيبة القوية شعر سو لون بمعلومة لا يدركها غيره
مثل مرة لقائه بالجدة كاتيوشا على السفينة المتجهة إلى أمة ناسك الجبل كان لهب روح الرجل ذي القناع الذهبي يشبه شمعة ترتجف في الريح
وهذا يعني أن هذا الرجل يقترب من نهاية حياته وعلى وشك الموت
عندها فهم سو لون أن وضع “أسطورة العذراء” في المكان كان لاستخدامه هو نفسه
وبما أن هذا الرجل كان ملك العالم السفلي في لينغدون قبل أكثر من عشرين سنة فإن تقدمه في السن يبدو منطقيا
توقف الجميع وانحنوا باحترام
أشار الرجل ذو القناع الذهبي إليهم أن ينهضوا وقال “نحن هنا أصدقاء قدامى لا حاجة لكل هذه الرسمية وقبل أن يبدأ الحفل المقنع رسميا لدينا عرض رقص تقدمه السيدة الماركيزة أغنيس وأظن أنكم تفضلون مشاهدة سيدة جميلة ترقص على أن تستمعوا إلى رجل مسن مثلي يطيل الكلام…”
ومع كلامه سقط ضوء على سيدة ترتدي فستان سهرة أسود في القاعة ورغم أن وجهها كان مقنعا ولم تتضح ملامحها فإن لباسها وحده يدل على مكانة نبيلة رفيعة
اتجهت الأنظار كلها إليها
نزعت هذه النبيلة قناعها دون تردد وأظهرت ابتسامة فيها شيء من الدعابة “يا للسخرية الرقص في عمري قد يكون محرجا”
كانت جميلة ناضجة آسرة ورغم مزاحها عن عمرها فإن بشرتها كانت ناعمة كأنها شابة وقوامها يحمل سحرا هادئا يميز النضج
تابعت قائلة “الرهان رهان وبما أن الحفل السابق طرح طلبا وقد أوفى أحد السادة بذلك الطلب وأراد أن يراني أرقص أمام الجميع فلا يسعني إلا الوفاء وأتمنى ألا أخيب الظن…”
لم يُبدِ أحد دهشة بل صفقوا بانسجام مع الأجواء
وقف سو لون مذهولا وهو يرى سيدة ماركيزة بالفعل تصعد تحت الضوء وتقدم عرضا راقصا أمام الجميع بثقة عالية
كانت سيدات النبلاء يتقن كثيرا من الرقصات ولم تكن السيدة الماركيزة أغنيس استثناء فقد قدمت عرضا متقنا وحيويا يسر العين
كان هذا الافتتاح لافتا دون شك
كان سو لون معتادا على رؤية عروض كثيرة في أجواء الليل لذلك لم يكن مثل هذا يربكه عادة
لكن مشاهدة عرض سيدة نبيلة بهذه المكانة وفي هذا الجو الخاص أثارت فضوله بطريقة غريبة
كما أعجبته صرامة قواعد هذا الحفل
فكرة “تحدي أو التزام” ومن يلتزم ينفذ حتى لو كانت السيدة الماركيزة نفسها
نظرت سابينا إلى جواره باهتمام وقالت بصوت دافئ وهي تهمس في أذنه “إذن هذا ما يعجبك؟”
لم ينكر سو لون أنه وجد الأمر ممتعا “ليس سيئا أبدا”
ضحكت سابينا بخفة ولم تقل شيئا
فكر سو لون واستوعب الأمر
حياة نبلاء لوينغ الخاصة كانت مليئة بالقصص وبالنسبة للسيدات اللواتي نشأن في بيوت النبلاء لم تكن لديهن دائما قناعات صارمة في هذا الجانب وكن يدركن أن قيمتهن الكبرى في التحالفات عبر الزواج وأن الجمال مجرد أداة تفتح أبوابا عند توفر المقابل المناسب وليس قضية إعجاب من عدمه
كون السيدة الماركيزة تؤدي عرضا هنا يعني أن ما تحصل عليه في المقابل أكبر مما تقدمه الآن
وبالمقابل يمتلك “دوق الظل” نفوذا أكبر عليها
وهذه النفوذات موارد نادرة بحق
وعندما تُجمع الموارد تظهر استخدامات مذهلة
كان هذا السبب الأهم لتوسع تأثير هذا الحفل
شعر سو لون وهو يفكر بذلك كأنه يرى طرف جبل جليد وصار “حفلة البدر” يبدو له أكثر دهاء
ما داموا ليسوا أعداء فسيكون هذا الحفل رصيدا كبيرا بلا شك
….
كشف عرض الافتتاح ستار الحفل
في النهاية لم يأتِ هؤلاء للاستمتاع فقط بل لتبادل الموارد والمعلومات
بعد ظهور الرجل ذي القناع الذهبي لم يتكلم مجددا بل جلس في زاوية حيث يبرز الضوء ملامح ظله فقط
تولى شخص يشبه كبير الخدم إدارة الحفل بعد ذلك
ثم بدأ قسم التفاعل
بدأ المقنعون يتحدثون وكل واحد يذكر حاجته
“مراسل من أخبار ترفيه لينغدون يملك معلومات فضائحية تضرني وهي تخص السيناتور فيسيس وهو خصمي السياسي هناك من يبتزني بها أحتاج من يتولى الأمر والمكافأة قطعة فضية من شارون”
“يمكنني تولي ذلك وأضمن ألا تظهر في الصحف”
…
“بعد غد سيطرح المجلس مقترحا لإصلاح تجارة الخام أحتاج معلومات داخلية دقيقة والمكافأة قطعتان فضيتان”
“أعرف لكني أريد ثلاث قطع فضية”
“مقبول!”
…
“أحتاج معلومات عن القاتل المرتبط بمحاولة اغتيال الكونت مالوري”
“لدي شحنة أسلحة ثقيلة حساسة يجب نقلها وأحتاج تصريح مرور”
“توجد حرب في إمارة ماستان أحتاج وسيطا والمكافأة قطعة ذهبية واحدة”
…
واحدا تلو الآخر طُرحت المشكلات ثم التقطها أشخاص آخرون
كان الجميع معتادا على هذا الأسلوب بوضوح
وإن لم يستطع أحد تولي الأمر فسينتهي الطلب لدى “دوق الظل”
رغم أن الردود الفورية لم تكن تُعطى فإن الجميع يعرف أن ما دام الطلب لم يُرفض صراحة فيمكن حله
هذه هي قواعد الحفل
تماما مثل التزام السيدة الماركيزة بعرض الافتتاح
…
وبالفعل كان هذا لقاء تبادلا راقيا وكل النقاشات تدور حول أمور كبيرة
استمع سو لون إلى الآخرين وراقب كل شيء بعناية دون أن يتعجل الكلام
من الطلبات المطروحة استطاع أن يخمن عموما هويات بعضهم وانتماءاتهم وهناك من بقيت هويته مخفية
كما لاحظ أن الحاضرين يأتون من خلفيات متعددة ومن كبار كل القطاعات
والمسائل التي تُحل هنا كلها صعبة للغاية
وبالاستماع أدرك سو لون بعمق أن عاصمة لوينغ لينغدون تخفي كثيرا من اللاعبين الكبار وأن أمورا تبدو بلا حل تُحسم أحيانا بجملة واحدة منهم
مجرد مشاركته في هذا الحدث الصاخب جعله يجمع كثيرا من المعلومات السرية ويستنتج تغيرات كثيرة في قمة لوينغ
لكن سو لون عرف أنه لا يمكنه أن يبقى يلتقط المعلومات بلا مقابل طويلا
الأعضاء نشطون لأن هناك قاعدة غير مكتوبة في الحفل وهي أن الحضور المتكرر دون إظهار “قيمة” قد يؤدي إلى الطرد من العضوية
وفهم سو لون معنى آخر لهذه القاعدة وهو أن من لا يقدم لـ “دوق الظل” شيئا يمكن استخدامه كضمان قد يُنظر إليه بعين الشك
لأن المشاركة في التبادل تسمح للمنظمين بتأكيد من أنت وما الذي تحتاجه وغايتك ودوافعك وموقفك
ومن معلومات سابينا كان “دوق الظل” يمثل حيادا مطلقا
ومن شبه المؤكد أنه ليس مع الملكيين ولا هو قوة مدعومة من أي من مستشاري الدول الست الكبرى
ومع ذلك كان يملك نفوذا كبيرا داخل العائلة المالكة والبرلمان معا
من لديهم صراعات يمكنهم طلب وساطته لكنه لا ينحاز لأحد
وهذا كان السبب الأهم الذي جعل سو لون يقرر المجيء بحثا عن خيوط
لو كان “الحياد” مجرد واجهة لانهار هذا الحفل منذ زمن لأنه موجود منذ أكثر من عشرين سنة ومر بكثير من التقلبات السياسية
ومع ذلك فإن نسل السيد جينغ من رجال الاستخبارات الذين تمركزوا في لينغدون قرونا لم يسمعوا به أبدا
وعلى العكس صار “دوق الظل” أكثر غموضا مع مرور السنين
الشيء المؤكد الوحيد أنه قوي للغاية
منذ زمن وهناك شائعات من عالم الجريمة ومن جهات إنفاذ القانون عن رغبة كثيرين في قتله ومع ذلك ما زال حيا
أما من حاول قتله فقد اختفى الجميع
….
كان جو قسم التبادل دقيقا ومحملا بالتلميحات
كثيرون يخفون نواياهم وبعد مراقبة قصيرة أدخل سو لون طلبه في جهاز العرض ليظهر على الشاشة “ظهرت مؤخرا وصفة خاصة لجرعة تسبب تشوشا في أوساط عصابات المدينة الجنوبية أريد معرفة مصدر الجرعة ومعلومات تفصيلية والحصول على الوصفة إن أمكن والمكافأة قطعة فضية واحدة من شارون”
كانت “قطعة شارون الفضية” عملة التداول في الحفل وهي رمز يصدره “دوق الظل”
طبيعة التبادل في هذا الحفل مقايضة لكن أحيانا حين لا يملك الطرفان ما يعادل قيمة التبادل تُستخدم هذه القطع الفضية
بطبيعة الحال لم يستطع سو لون أن يسأل مباشرة عن هوية “القيم” فقد كان الاتصال في بدايته وسيكون ذلك مخاطرة إن كان الطرف الآخر حاضرا في الحفل أيضا
كما أن ظهور الجرعة في المدينة الجنوبية لم يعد سرا وقد وصل الخبر إلى قوى كثيرة وتبحث عنه أيضا
لكن العثور على “القيم” لم يكن الهدف النهائي
كان هدف سو لون أن يعرف من صنع تلك الدفعة من الجرعات وكيف نشأ “الموت الأحمر”
ما إن طرح السؤال حتى ظهرت على الجهاز سطور مجهولة تشبه صفحة دفتر “هذه الدفعة طُورت سرا لدى شركة باكيدج للأدوية الحيوية المختبر في مقرهم ولا يسمح للغرباء بالدخول لحسن الحظ أعرف أن لديهم مؤتمرا قريبا لإطلاق دواء جديد وسيطرحون هذه الجرعة لا تنس أمر الوصفة فهي مرتبطة بمصالح كبيرة كعلاج خاص لمرض ما ولن تُباع خارجيا هذا كل ما لدي أما المكافأة فلك أن تقرر وأمر آخر هناك كثيرون مهتمون بهذه الجرعة ويريدون الاستثمار لذلك من الأفضل أن تتحرك بسرعة”
…
بعد قراءة ذلك عرف سو لون أنه جاء إلى المكان الصحيح
هذا السؤال قاده مباشرة إلى مصدر الجرعة
كانت “شركة باكيدج للأدوية الحيوية” واحدة من عمالقة الدواء في لوينغ وهي أيضا من أعمال عائلة رودريغيز
والمستشار الأعلى في عائلة رودريغيز هو أيضا أشد الداعمين لـ “قانون حرية الإيمان”
الآن بعدما عرف سو لون من هو خصمه صارت الخطوات التالية واضحة
لم يتوقع سو لون أن يحصل على معلومات بهذا القدر من الأهمية بهذه السهولة
وبما أنه حقق هدفه الأساسي من الحضور تنفس الصعداء
يمكنه الآن أن يراقب بهدوء من الأطراف
لم يكن في الحفل طلب فقط بل كان هناك فائض موارد أيضا
وسرعان ما رأى سو لون معلومة أخرى أثارت اهتمامه كثيرا
نشر أحدهم رسالة تقول “ما زالت لدي دفعة من معدات متخصصة كانت قد استوردتها تلك الجماعة التابعة للتيار الجديد من مافا أثناء انقلاب قمر الضباب وكان المقصود بها نسخ الدروع الميكانيكية حالتها 90% وهي مخزنة الآن في مستودع حوض السفن الملكي الدوق رافائيل يتحرك في الظل ليشتريها وإن لم يحدث شيء فقد يبيعها الحوض الملكي له خلال أسبوعين لا أريد أن تقع هذه المعدات في يده من يهتم يمكنه المزايدة تشمل الصفقة قطعتين فضيتين أما ثمن الآلات فيناقش على حدة سأجد طريقة لإخراجها وضمان قناة تبادل آمنة”
“معدات استيراد لنسخ الدروع الميكانيكية؟”
شدت هذه المعلومة انتباه سو لون فورا
بينما تحظر مافا تصدير الدروع الميكانيكية فهي لا تحظر تصدير كثير من المعدات الميكانيكية
كانت نقابة تجارة السيدة الثرية لينا قد ساعدت أيضا في جمع دفعة من المعدات الميكانيكية المستعملة لكن سو لون رأى قوائمها وكانت معظمها معدات قديمة من لوينغ
ورغم أنها بالكاد تصلح للاستخدام فإنها لا تلبي احتياجات إنتاج ورشة الحرب في عالم الفراغ المصغر
لكن هذه الدفعة المستوردة من مافا مختلفة
أثناء انقلاب قمر الضباب عندما استولى التيار الجديد على السلطة خططوا لإصلاح لوينغ بما في ذلك مبادرات كثيرة لتعلم الأنظمة المتقدمة لدى مافا
ومن بينها خطة “مصنع الدروع الميكانيكية”
هذه المعدات المستوردة جُلبت بكلفة عالية وعبر قنوات خاصة من مافا وكان رئيس الوزراء آنذاك يريد البدء بالنسخ ثم البحث تدريجيا لتمكين لوينغ من سلوك طريق القوة الميكانيكية
لكن الإمبراطورة استعادت السيطرة بسرعة وتم إنهاء الحكومة الجديدة التي حكمت بضعة أشهر بقسوة وتم قمع كل المقترحات المرتبطة بالسياسات الجديدة بشدة ونتيجة لذلك لم تدخل هذه الآلات المستوردة الغالية الإنتاج أصلا بل خُزنت
من دون دعم سياسي تصبح هذه الأجهزة المتخصصة عديمة الفائدة في يد الآخرين
لأن الدروع الميكانيكية تحتاج إلى ميكانيكيين رفيعي المستوى ومخططات ونظام تدريب متكامل للمواهب الميكانيكية
ولا يكفي أقل من ذلك
حتى كبار تجار السلاح في لوينغ لم يستطيعوا استخدام هذه الأجهزة بفعالية فهي متخصصة جدا لإنتاج قطع عالية الدقة للدروع الميكانيكية ولذلك حتى لو امتلكوها فلن يخرجوا بدروع مقبولة
واستخدامها لإنتاج أسلحة لوينغ الميكانيكية القديمة سيجعل الإنتاج أقل كفاءة من استخدام معدات قديمة
لكن الأمر مختلف بالنسبة لسو لون
سواء كانت مخططات الدروع الميكانيكية أو المواهب الميكانيكية أو حتى أجهزة النواة الدقيقة فقد كان لديه كل ذلك
حين رأى هذه المعلومة صار سو لون مهتما فورا
بالفعل الموارد الرفيعة لا تكون إلا في أيدي قلة
وكان هذا الحفل يستحق العناء حقا

تعليقات الفصل