تجاوز إلى المحتوى
الخيميائي الميكانيكي

الفصل 436 : اعتذار دوق الظل

الفصل 436: اعتذار دوق الظل

يعد فندق غوثيا المكرم من الفنادق الراقية جدا في الجزء الجنوبي من مدينة لينغدون، وكانت زينة الغرفة فاخرة ومتقنة

في الليلة الماضية، عندما مرا قرب الفندق، فكرا في العثور على مكان للمبيت

وإذا أمكنهما اختيار مكان جيد، فمن الطبيعي ألا يبخلا على نفسيهما

لكن بعد ما حدث للتو، فإن تسجيل الدخول عند منتصف الليل قد يجذب بسهولة انتباه من يراقبون

لذلك لم يسجلا في مكتب الاستقبال، وتسللا مباشرة بتسلق الجدار إلى الغرفة 4001

كان مبيتا سريا لتلك الليلة

في الصباح استيقظ سو لون على السرير الفاخر الكبير في الغرفة

نظر إلى سابينا الممددة بجانبه، وأثنى في نفسه على قدرتها الفطرية التي تمتص الحيوية وتستفيد منها

صفاء بلا رغبات

يا للعجب

أمام شيطانة، لا يكاد يوجد مجال لادعاء الهدوء

كانت تلك الليلة قد استنزفت الكثير، حتى إن سو لون، رغم قوته البدنية الممتازة بين أهل الرتبة الخامسة، ما زال يشعر بأثر تعب خفيف بعد راحة الليل، وهذا يوضح حجم ما بُذل من طاقة

قدرة “الشيطانة” الفطرية لا تقتصر على القوى الأخرى، بل إن جانب اللهو فيها شديد التأثير ويستنزف الرجال بقوة

وفوق ذلك، تنمو القدرات الفطرية كلما ازداد المرء رتبة

ورغم أن سو لون عرف ذلك منذ وقت مبكر، فإن سابينا كانت قد صارت أكثر مهارة وإحكامًا، حتى جعلته يعيش ليلة متواصلة من لهو يعلو ويعلو، كأن الحواس تتأرجح في غمام بعيد

ربما كان صوت خفيف صدر منه، ففي تلك اللحظة فتحت سابينا عينيها أيضا

نظرت إلى سو لون الذي كان يتأملها، وسألته بابتسامة: “يا سيدي، هل ارتحت جيدا الليلة الماضية؟”

نظر سو لون إلى الغموض العميق المازح في عينيها الجميلتين، وهز رأسه بعجز

الشيطانة ممتعة، لكنها حقا قد تستهلك العمر إن أُفرط فيها

وعلى العكس، بعد ليلة مرهقة، لم يظهر على وجه سابينا الساحر الناضج أي أثر للتعب، بل كان لونها ورديا وأكثر إشراقا من قبل

وعندما رأت ملامح سو لون المتعبة، لم تستطع إلا أن تضحك بخفة

فهذا كله من صنعها، فكيف لا تسعد به

في تلك اللحظة شعرت سابينا بشيء، فأضاءت عيناها فجأة، ولم تستطع إخفاء حماسها: “آه يا سيدي، أشعر أنني أقترب جدا من الترقية إلى الرتبة الرابعة”

تفاجأ سو لون قليلا ورد: “بهذه السرعة؟”

كانت سابينا عالقة في الرتبة الثالثة مدة طويلة، أساسها متين لكنها كانت تفتقر إلى فهم قوانين الرتبة الرابعة، فلم تستطع تكثيف حاجز عنصري

كان هذا الحاجز عتبة كبيرة، ويظل معظم أصحاب الرتب الدنيا محبوسين عندها طوال حياتهم

ولم تكن قدرة سابينا على الفهم بارزة جدا بمفردها، لأن معظم طاقتها كانت تذهب لأعمال المعلومات، لذلك كان تجاوزها لهذه العتبة وحدها شبه مستحيل دون فرصة استثنائية

لكن لديها موهبة خاصة

موهبة سابينا ميراث دم عائلي، “الشيطانة”، ولعائلتها أيضا تقنية سرية للتدريب العميق

كانت هذه التقنية تشبه قليلا قدرة سو لون “حاصد الموت”، إذ يمكنها امتصاص بعض فهم الآخرين وتحويله إلى فائدة لها

وقد أظهرت التجارب السابقة أثرا واضحا

لكنها كانت ما تزال غير كافية بشكل كبير، فمن كان يتوقع أن ليلة واحدة قد تكفي لتجاوزها

أومأت سابينا، واستغلت الفرصة لتدلل سيدها: “نعم، والسبب الرئيسي أنك مدهش يا سيدي، فهمك للقوانين قد وصل إلى الرتبة السادسة، أي أعلى مني بثلاث رتب كبيرة، مجرد امتصاص قليل منك يفيدني كثيرا، وفي الليلة الماضية لم أمتص قليلا، بل مرارا كثيرة”

“أوه؟”

شعر سو لون بالبهجة في نبرة سابينا وفرحها، وكان سعيدا لها بصدق

ومع تعقد الوضع في لينغدون، إن استطاعت خادمته أن تترقى بسرعة إلى الرتبة الرابعة فستزداد قدرتها على حماية نفسها كثيرا

كان هذا خبرا جيدا

لكن مجرد الكمية وحدها لا ينبغي أن تجعل الأثر بهذا الشكل المبالغ فيه

ولما رأت سابينا حيرته، رمشت بحماس وشرحت: “في الليلة الماضية استخدمت المستوى الثاني من التقنية الفطرية السرية، ولم أتوقع أن يكون الأثر بهذا الحجم، ليس فقط الرتبة الرابعة، بل أشعر أيضا أن لدي لمحات فهم من الرتبة الخامسة وحتى السادسة”

عندها فهم سو لون السبب

لكن حين سمع عن المستوى الثاني من موهبتها، صار نظره غير مرتاح قليلا

عادة، المستوى الثاني يعزز قدرات المستوى الأول كثيرا ويوقظ قوى خاصة للغاية

وبعد الوصول إلى المستوى الثاني، صارت شيطانتُها تُعرف باسم “الشيطانة متعددة التحولات”

وكما يوحي الاسم، بعد هذا التحول لم تتعزز قوتها الروحية وتقنيات الجاذبية والتحمل الجسدي فقط، بل اكتسبت قدرة جديدة هي “تعدد التحولات”

ولمحترف يعمل في المعلومات، كانت هذه القدرة مهارة مثالية لا تضاهى

فما دامت سابينا قد رأت شخصا، يمكنها تقليده بلا عيب

ليس الشكل وحده، بل حتى الهالة تصبح مطابقة تماما

ولولا قدرة إدراك الروح لدى سو لون، لكان التفريق بين الحقيقي والمقلد صعبا للغاية

لكن إدراك الروح لديه قدرة جاءته من المستوى الثاني لموهبة نادرة جدا، وحتى إن وُجد شخص آخر في هذا العالم يملك موهبة بهذه الندرة، فإن الوصول إلى المستوى الثاني يكاد يكون مستحيلا

لذلك في الظروف العادية، كانت قدرة سابينا على التحول صعبة الكشف

ولهذا أيضا استطاعت أن تثبت قدمها في لينغدون بسرعة وتجمع المعلومات بأمان

كانت ممتازة للتخفي وجمع المعلومات في الأيام العادية

لكن الليلة الماضية أظهرت سابينا وجها آخر لاستخدام هذه القدرة في اللهو

فهل يعني تعدد المتعة تعدد الفهم

يا للعجب، إنها موهبة مدهشة حقا

تذكر سو لون بعض المشاهد الساحرة من الليلة الماضية

والتقطت سابينا تغيره بسرعة وقالت بإغراء: “يا سيدي، هل تريد أن أساعدك على الاستعداد؟”

وأثناء ذلك اقترب جسدها الرقيق أكثر

وفي لحظة أحاطت به حرارة قريبة

كان سو لون قد استيقظ ولم تكن لديه نية للبقاء في السرير

ورغم أن جسده ما زال يشعر بنداء بعد إجهاد شديد، فقد سمع عرضها المغري

لكنه رفض بحزم

الشيطانة ممتعة، لكن لا يجوز الإفراط

ثم إنهما تسللا إلى غرفة في الفندق، ورغم أن أحدا لم يزعجهما في عمق الليل، فإن الفندق سيعود لاستقبال الضيوف مع ضوء النهار، ويمكن استشعار وصول الناس مسبقا، لكنه قد يربكهما ويعكر الحال

أزاح سو لون الغطاء ونهض بحزم قائلا: “لدي أمور مهمة علي إنجازها اليوم”

“حسنا”

أجابت سابينا بطاعة، ثم أضافت: “إذن دعني أساعدك في ارتداء ملابسك”

كان هذا النوع من الخدمة أكثر لياقة

نهضت سابينا وانشغلت

في مملكة الإمبراطور لوينغ، كان من المعتاد أن يملك النبلاء خادمات يعتنين بتفاصيل حياتهم اليومية، ومن لا تسانده ثلاث أو خمس فتيات بالزي الموحد صباحا قد يظنه الناس مفلسا

لم يكن سو لون مولعا بمظاهر الترف، وكان يريد فعل ذلك بنفسه، لكن سابينا لم تسمح له

من الغسل إلى اللباس، لم يرفع إصبعا تقريبا، فقد أنجزت سابينا كل شيء بإتقان كخادمة مؤهلة

سرعان ما أشرقت السماء خلف النافذة

دوّت أصوات المركبات البخارية من الشوارع، وكانت مدينة لينغدون تستيقظ تدريجيا

وبينما كانت سابينا تنهي ترتيب ملابس سو لون، رن جهاز الاتصال المشفر لديها فجأة

تقدمت والتقطت حقيبة اليد من جانب السرير، واطلعت على الرسالة، ثم التفتت إلى سو لون لتقريرها: “سيدي، وصلت رسالة من إيرل الظل، يقولون إن مشكلة الليلة الماضية حُلّت، وإن الشخص الذي سرّب المعلومات في الحفل قد أُلقي القبض عليه، وإن الأمر وُضح، لذلك يريدون تقديم تفسير لنا”

“…”

استمع سو لون بصمت، وظهر في عينيه تفكير عميق

كان هذا أمرا توقعه منذ الليلة الماضية، فالأشخاص الذين يخالفون قواعد الحفل يتكفل المنظمون بمعالجتهم

لم يتوقع أن تُحسم خلال ليلة واحدة فقط، كان نفوذ ذلك الطرف كبيرا فعلا

لم يكن سو لون يريد أن يخاطر بانكشاف جديد، لكنه كان ما يزال مهتما بتلك الدفعة من المعدات المستوردة

وبعد أن فكر في المخاطر المختلفة ورأى أن الوضع مع منظمي الحفل يبدو آمنا حاليا، قال أخيرا: “حسنا، تواصلي معهم وانظري كيف يريدون تقديم التفسير”

وبعد سماحِه، ردت سابينا عبر جهاز الاتصال

وسرعان ما وصلها جواب: “أمسكنا بكل من شارك، عدا قلة ماتت أثناء الاستجواب، والبقية ما زالوا أحياء وقد أُحضروا لتروهم، وهناك أيضا تعويض بوصفه اعتذارا من إيرل الظل”

“أحضروا الأشخاص إلى هنا؟”

تحركت عينا سو لون، وبدأت خطط تتشكل في ذهنه: “إذن لنرتب اللقاء في مكان مفتوح”

كان هذا مناسبا

ما داموا أحياء، يمكنه تفتيش أرواحهم

حقيقة الأمور لا يمكن تغطيتها ببضع كلمات

أومأت سابينا ثم سألت: “ما رأيك أن يكون اللقاء في ساحة المكتبة الوطنية؟ لا تكون مزدحمة صباحا وهي واسعة، ثم إن السيد هي موجود هناك أيضا، فلا ينبغي أن تكون مشكلة”

كانت سابينا تعرف وضع لينغدون أكثر منه، فرأى سو لون أن الترتيب مناسب وقال: “جيد، لنلتق هناك”

….

ارتدى سو لون وسابينا ملابسهما بسرعة، وتركوا في الغرفة رسوم تنظيف قدرها 1,000 ريسو، ثم علقوا لافتة التنظيف على الباب

سترى خادمة التنظيف المال فتسعد به وتأخذه، ثم تنظف الغرفة بهدوء، بدل أن تنشر حديثا عن لصين باتا في الغرفة وعبثا بها

قفز الاثنان من شرفة الطابق الرابع

في زقاق مهجور عند زاوية شارع، أخرج سو لون دراجة بخارية، شغلها، وانطلق عبر شوارع المدينة مع سابينا

بعد 20 دقيقة كانا قد وصلا إلى حي فرانكلين قرب ساحة المكتبة الوطنية

أوقفا الدراجة مسبقا، ثم مشيا بقية الطريق، ولم يلحظا شيئا غير طبيعي

لم تكن هناك كمائن لمحترفين رفيعي المستوى، ولا مجموعات كبيرة تتربص، كان كل شيء يبدو عاديا

كانت السماء ملبدة بالغيوم، وبين حين وآخر كانت خيوط من ضوء الصباح تخترق الغيوم وتسقط على الساحة

كان النافورة تهمس بالماء، وقد بدأت بعض الطيور المبكرة تبحث عن طعامها في الساحة

وعندما وصل سو لون، رأى صبيا رثا يرتدي قبعة مسطحة يجذب حمامة ممتلئة ببعض فتات الخبز، ثم يخطفها بسرعة ويخفيها في ثيابه ويهرب مسرعا

كانت الساعة 8 صباحا فقط، ولم يكن مسؤول الساحة قد حضر إلى عمله بعد، فكان هذا الوقت الأفضل للمتشردين لاصطياد الحمام وتحسين طعامهم

كان سو لون يتكئ على مظلة سوداء كأنها عصا، وسار مع سابينا إلى وجهتهما

لم يكن اليوم عطلة، لذلك لم يكن حولهما كثير من الناس، وكانت الساحة واضحة للنظر

قرب الساحة كانت شاحنة تبريد متوقفة وعليها عبارة “مصنع اتحاد لحوم المدينة الجنوبية”

كان في مقصورة القيادة شخصان، وكلاهما من محترفي الرتبة الثالثة

وكان في صندوق الشاحنة ستة آخرون

لكنهم بالنسبة إلى سو لون لم يشكلوا أي تهديد

نظرت سابينا بعين خاطفة وأكدت: “هذه سيارة جمعية البلوط الأحمر”

أومأ سو لون، وسارا نحوها

كانت سابينا قد حضرت الحفل وهي متنكرة بصفة “الكونتيسة ديماكيولا”، ولم تكن بحاجة إلى التخفي، لذلك اقتربا مباشرة

يبدو أن الأشخاص داخل المركبة تعرفوا إلى سابينا، ففتحوا الباب ونزلوا

كان الرجلان يرتديان سترات بدلات، وأجسامهما ضخمة، وكان قائدهم يملك ندبة على وجهه، فنظر باحترام إلى سابينا وقال: “سيدتي الموقرة، لقد أحضرنا الشخص إليك”

ثم أشار إلى الآخر ليفتح الشاحنة

نظرت سابينا نظرة سريعة وأظهرت ازدراء يليق بنبيلة عالية، وسألت: “ماذا حدث بالضبط؟”

أجاب صاحب الندبة: “الذي سرّب معلوماتك في الحفل هو مايرا ترومان من شركة تجارة الببغاء الأحمر، شارك أربعة أشخاص بالمجمل، أحدهم السائق وآخر خادمة غناء، للأسف تلك المرأة لم تنج من الاستجواب وقد ماتت، داخل الشاحنة ترومان ووسيطاه، ومعهم بعض الأشخاص ذوي الصلة”

تذكر سو لون على نحو غامض “شركة تجارة الببغاء الأحمر”، وكانت تابعة لعائلة كبيرة من ملاك المزارع في جنوب لوينغ، يتاجرون أساسا في منتجات زراعية وحيوانية كبرى مثل كاكاو بلوري وقطن وأخشاب، وكانوا عائلة غنية في الجنوب منذ قرون، وحتى في عاصمة لينغدون يُعد ترومان من كبار الأثرياء

ظلت سابينا بلا تعبير، ثم التفتت إلى صاحب الندبة وسألته: “لن تمانع أن يتفقد رجلي الوضع بنفسه، أليس كذلك؟”

قال صاحب الندبة باحترام: “بالطبع، لقد أرسلنا الحاصد لإحضارهم كشرح لك، ويمكنك التصرف بهم كما تشائين”

ألقت سابينا نظرة، وفهم سو لون بصفته “حارسها” الإشارة فورا

دخل الشاحنة مباشرة، ثم أغلق الباب بقوة

في الداخل كان هناك ستة أشخاص مغطون بالكدمات، بالكاد يتمسكون بالحياة، ومن الواضح أنهم تعرضوا لتعذيب شديد الليلة الماضية

تعرف سو لون على روح أحدهم، فقد كان من الحاضرين في الحفل الليلة الماضية

وعندما رأوا شخصا يقترب، أظهر اثنان منهم ما زالا واعيين نظرات يأس وتوسل

لكن سو لون لم يكن لديه وقت ليضيعه معهم

أخرج خنجرا حادا وذبح أعناق الستة بسرعة

ظهرت ست سحب من “ضباب رمادي”، وبعد أن حصدها سو لون، اتضحت له أحداث الليلة الماضية بجلاء

كان الوسيطان لا يعلمان شيئا، وقد جُرا إلى الأمر دون قصد

وكان ترومان وحده العقل المدبر

وكما توقع سو لون، فقد استُخدمت تلك الدفعة من المعدات المستوردة طعما

ليس في حفل البدر الكامل فقط، بل كذلك في قنوات عديدة من السوق السوداء

كلما راقب سو لون أخبار المعدات داخل لينغدون، سيقع على الأرجح في نسخ متعددة من “الطعوم”

وإذا أبدى اهتماما فسيُدفع إلى التعلق بها

لكن لأن سو لون لم يمكث في لينغدون سوى يومين ولم يكن لديه وقت للتجول، فقد ذهب أولا إلى الحفل

ومن هنا ظهرت المشكلة، ترومان لم يكن إلا أداة

كان ينفذ ترتيبا معدا لتسريب الخبر، وبعد ذلك لم تعد هناك حاجة لمشاركته، وكان يعرف القليل جدا

وفوق ذلك، اكتشف سو لون المؤامرة وقتل السائق الليلة الماضية، ومن يقفون خلف الستار، عندما عرفوا أن خطتهم انكشفت، قطعوا الخيط بلا تردد

فكل “الروابط العليا” التي يمكن لترومان التواصل معها قد صمتت تماما

وبذلك بقي من يقف فعلا خلف المشهد مجهولا

وبالطبع، لم يكن يهم إن ظل مجهولا

فقد كان سو لون يستطيع التخمين أن من يجعل ثريا ضخما أداة لن يكون إلا إحدى عائلات قليلة

لم يكن سو لون مهتما جدا بكيفية حدوث الأمر مقارنة بما يهمه من تبعاته

إن كان قد جرى اصطياده بطعم الليلة الماضية، فهذا يعني أن بعض المعلومات ربما تسربت

والخبر الجيد أنه بعد تفتيش ذاكرة ترومان بالكامل، وجد سو لون أن هؤلاء لم يعرفوا هوية سابينا الحقيقية في الحفل

كان الأمر مجرد صيد وفق بروتوكول معين

إن تعلق الصيد، تبدأ الخطوات التالية، وتتولى أطراف أخرى الكمين

حتى السائق الذي مات لم يكن يعلم أنه ينقل “الكونتيسة ديماكيولا”

ومادام لا شيء انكشف، فلا توجد مشكلة كبيرة

وتنفس سو لون الصعداء

…..

كان سو لون قد حصل على ما يريد، وتعمد أن يمكث في الداخل قليلا قبل أن ينزل من الشاحنة

كي يبدو كأنه استجوبهم مدة، لا كأنه صعد لقتلهم فورا

لكن الرجلين بالبدلة لم يهتما بما فعله داخلها

فقد استخرجوا المعلومات مسبقا، وأصبح هؤلاء بلا قيمة

وكان من حق الضيوف التخلص منهم

وعندما رأته سابينا ينزل بملامح هادئة، فهمت المعنى فورا

وبما أنه لا تبعات، فقد حان وقت التعويض

وفهم صاحب الندبة أيضا، فقال دون انتظار: “طلب منا الحاصد نقل اعتذاره الأصدق للسيدة، وقال أيضا إن كل المتاعب اللاحقة قد نُظفت، ولن يزعج حياتك إطلاقا، ويضمن ألا تتكرر مثل هذه الحوادث في أي حفلات قادمة، فلتطمئني”

وأثناء كلامه أخرج علبة، وعندما فتحها كان بداخلها عملة ذهبية منقوش عليها شعار غليون قديم

كانت سابينا تعرف ما هي، ولمع في عينيها شعور يصعب تفسيره

ناول صاحب الندبة العلبة التي فيها العملة الذهبية ثم أضاف: “قال الحاصد إن اتفاق الليلة الماضية سيُنفذ حسب العقد، وستُشحن البضاعة حسب احتياجك بشكل طبيعي، وستُعفى المدفوعات اللاحقة للبضاعة بوصفها اعتذار جمعية البلوط الأحمر، وكذلك طلب مني إحضار هذه العلامة اعتذارا عن الليلة الماضية، أرجو قبولها”

تفحصها سو لون بسرعة، ولم يجد فيها شيئا خاصا من ظاهرها، فأخذها لسابينا

وكان الرجلان من العصابة حازمين أيضا، فبعد توضيح الغرض وترتيب تسليم البضاعة في البحر بعد يومين، لم يمكثا طويلا وغادرا مباشرة

انتظر سو لون حتى اختفت الشاحنة عند زاوية الشارع، ثم سأل بفضول: “هل لهذه العملة الذهبية ذات الغليون معنى خاص؟”

لمعت في عيني سابينا نظرة تفكير، وقالت بجدية: “إنها علامة، ويمكن أن تجعل إيرل الظل يتولى شخصيا حل مشكلة واحدة لك مرة واحدة”

ثم توقفت لحظة، وخشيت ألا يفهم سو لون قيمتها فأضافت: “لم أر هذه العملة من قبل، سمعت فقط أن أحدا في الحفل استخدمها لحل مشكلة ضخمة، ولا أعرف التفاصيل، لكن هناك حكاية تنتشر في الحفل تقول إن استخدامها يمكن أن يحل كل المتاعب في مدينة لينغدون، مثلا يا سيدي، إن أردت أن تتقرب من أميرة من العائلة المالكة، يمكنك استخدامها”

“فهمت”

عند سماع هذا، أدرك سو لون كيف تولدت الشائعة

وبما أن سابينا ذكرت ذلك، فالأرجح أنه صحيح إلى حد كبير

كانت عبارة حل كل المتاعب مبالغة واضحة، لكنها بالتأكيد علامة لا تقدر بثمن

ومن حضور الحفل بالأمس إلى معالجة التسريب اليوم، تم كل شيء بسرعة وحزم، فأدرك سو لون أيضا أن “إيرل الظل” أكثر غموضا وقوة مما تقوله إشاعات عالم الجريمة

وعلى الأقل، فإن معدات مستوردة تساوي مليارات من الليرا جرى التنازل عنها ببساطة، وهذا أمر لا يجرؤ عليه زعيم عصابة عادي

وبعد هذا الحادث استنتج سو لون أيضا أن أهل الحفل ليسوا مع الطرف الذي نصب الفخ

وعلى الأقل الآن، لا يبدو أنهم يحملون عداء لهما

قد يكون هذا اعتذارا بحسن نية، أو حذرا، أو سببا آخر

لكن بمثل هذا الثقل، لم يعد الأمر مجرد عصابة عادية

ذلك “إيرل الظل”، أو القوة التي يمثلها، لا بد أنها تقف في طبقة عالية جدا

عالية إلى حد أنه قد يكون من القلة التي تنظر إلى المشهد من قمة هرم لوينغ

وهذا زاد فضول سو لون بشأن هويته

بل خمن أن إيكاترينا وعائلة لانس وراءها ربما لهم صلة بإيرل الظل

فخطيبته المستقبلية واحدة من القلة في إمبراطورية لوينغ التي تلائم هذا الوصف

لكن المعلومات الحالية لم تكن كافية للحسم

فصار الأمر محيرا

لم يمكث سو لون وسابينا في الساحة، ولم يذهبا حتى لإزعاج السيد هي، بل غادرا مباشرة

لقد حصلا على خبر جيد ومكافأة سخية في الصباح الباكر، وكان مزاجهما طيبا

وبعد ذلك بقليل، وصلت أيضا نتيجة بخصوص ما حدث مع شركة باكتش للأدوية وإنتاج الجرعة

كانت الجرعة الجديدة تُسمى “الجرعة القرمزية”، وهدفها علاج انتشار “الموت الأحمر” بين الطبقات الدنيا في مدينة لينغدون، وكانت الخطة الأصلية طرح الدواء بعد بضعة أيام

لكن المشكلة الآن أن الجرعة لم تكن سليمة

وفوق ذلك، كان المساهم الأكبر في شركة الأدوية هو عائلة رودريغيز، إحدى عائلات مقعد المستشارين الستة، ولم يكن للعامة حق التدخل

لذلك لم تعد الوسائل العادية قادرة على إيقاف الشركة عن بيع الدواء الجديد

وإن طُرح على نطاق واسع، فسيقفز عدد المصابين بالطفيليات بشكل هائل

لكن سو لون لم يعد بحاجة للقلق كثيرا

لقد أرسل الرسالة بالفعل إلى إيكاترينا

قد لا توجد أدلة قاطعة، لكنها ستصدقه بالتأكيد

ورغم أنه لا يعرف ما الذي تنوي خطيبته فعله، إلا أن سو لون كان يعلم أن عائلة لانس، ما دامت اختارت الاصطفاف مع عائلة ريغا مونتيرو الطموحة، فلا بد أن لها خطة كبيرة

إن استولى المتعبدون على السلطة الإمبراطورية فعلا، فلن يكون هذا ما تريده عائلة لانس أبدا

لم يشغل سو لون نفسه بموضوع “الجرعة القرمزية” أكثر، لأنه شعر أنه لا يستطيع التدخل في أمور على هذا المستوى

لكن حدسه كان يقول إن هناك أمرا غريبا ما يزال يتحرك في الخفاء

فمن الواضح أن طرح دواء من شركة كبيرة، لو لم يحصل سو لون على هذه المعلومة مبكرا بالصدفة، لكان انتشار التلوث أمرا لا مفر منه

فلماذا إذن وُجد ترتيب “زائد” لتوزيع الجرعة عبر عالم الجريمة مسبقا

ولماذا تدخل شخص مهم جدا بنفسه في هذا الأمر

تذكر سو لون ذلك “القيّم” الذي واجهه من قبل، فهذا الشخص كان قادرا على التحكم بـ “العروس الشبح”، ما يعني أن قوته هائلة، وحتى بين أتباع الدائرة الخارجية فهو على الأرجح بمستوى رئيس أساقفة

كان حدس سو لون يجعله يشك أن وراء هذا الملف حيلة لا يعرفها بعد

لكن حفل البدر الكامل التالي ما زال بعد نصف شهر

لذلك طلب من سابينا أن تبلغ محترفي معلومات منظمة المرآة بالتحقيق في خلفية “القيّم”، وأن يفتشوا أيضا عن أي شذوذ في المنطقة التي كانت عصابة إخوة فون تسيطر عليها من قبل

….

تم توزيع المهام، وبقيت بقية التحقيقات بحاجة إلى وقت

ثم توجه سو لون وسابينا بالدراجة إلى الكلية الإمبراطورية في لوينغ

ما زال لديه عمل رسمي اليوم

كان ينوي الاطلاع على حالة مخطوطة إسحاق للخيمياء المحفوظة في الكلية الإمبراطورية، وكذلك زيارة تلميذه الأكبر كيجي الذي كان قد أخذه تلميذا وترك له حرية الحركة

التالي
436/632 69.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.