الفصل 444 : الأول
الفصل 444: الأول
ابتسم راعي البقر العجوز كاشفا عن فم مليء بأسنان صفراء سوداء صبغها التبغ وكان يفتقد سنا أمامية فكان يطلق صفيرا كلما تباهى
في الحقيقة لم يكن منظره محببا ولم يختلف كثيرا عن أولئك حراس المستودعات المراوغين عند الأرصفة
لم يفهم سو لون لماذا يبدو هذا راعي البقر العجوز الذي يفترض أنه قوي بهذا القدر خائفا إلى هذا الحد
على الأقل من ناحية الإحساس كان أقوى بكثير من زعيم عصابة الشفرة “الدب الهائج” لورنس
بل إن سو لون اشتبه أنه قد يملك أساليب صوفية سرية تجعل التعامل معه تحديا حقيقيا
ومع ذلك فإن اعترافه بالضعف منذ أول كلمة لم يكن منطقيا لمن يشاهدون
لكن على الأقل لم تكن هناك حاجة للقتال وهذا يوفر متاعب كثيرة
…
بدأ راعي البقر العجوز وبوجه لا يعرف الخجل يروي لسو لون كل ما حدث وهو يثرثر بكل التفاصيل
“لا تسيء الفهم يا سيدي نحن متورطون قليلا لكن ليس ارتباطا كبيرا أنا حقا لا أعرف ذلك ’شيطان البرد’ لقد تلقينا من قبل تكليفا من صاحب عمل للعثور على فتاة مخطوفة وكما ترى أنقذناها”
كان العجوز حكيما في تصرفه فقد كان يعلم أنه إن كان الرجل أمامه قد عرف عن محاولة أميليا التسلل والإنقاذ للمرة الثانية فلا بد أنه رأى كل ما حدث قبل ذلك ولاحظ أيضا محاولته هو للتغطية
لم يكن هناك ما يستحق الإخفاء في سير العملية
وفوق ذلك ووفق نتيجة العرافة بـ “قطعة الدم الذهبية” كان واضحا أن هذا الرجل لا يطرف له جفن عند القتل
كان أفضل أن يقول الحقيقة بدل أن يخفيها فيُساء فهمه
ابتلع لعابه بغير لياقة ثم تابع راعي البقر العجوز “ثم وقعت هذه الفتاة في ورطة وبفضل تدخلك يا سيدي تجنبنا كارثة”
وأثناء كلامه دفع المرأة ذات الشعر القصير بجانبه بمرفقه وهو يلح عليها بضيق “هيه هيه أميليا لماذا لا تشكرين هذا السيد على إنقاذ حياتك؟”
كانت أميليا تعرف في داخلها أن الرجل أمامها أنقذها وأنها يجب أن تكون ممتنة
لكن بمجرد أن نظرت إلى وجهه تذكرت مشاهد النادي منذ وقت قريب ولم تستطع إلا أن تشعر بأنه… يا له من رجل يثير الغضب
إن كان ذلك درسا فقد ترك أثرا عميقا بالفعل
ومع ذلك وبمشاعر مختلطة قالت شكرها “شكرا لك يا سيدي”
رفع سو لون حاجبه بلا مبالاة “إذن؟”
بدا غير مهتم تماما بالمساعدة الصغيرة التي قدمها بلا تفكير
فهم راعي البقر أنه يسأل عن محاولة الاغتيال في الشارع فشرح بسرعة “كما تعلم يا سيدي ذلك النادي يقع ضمن نفوذ عصابة الشفرة ولإنقاذ هذه السيدة المزعجة لم يكن لدي خيار إلا أن أفكر بطريقة أخرى وصدف أنني رأيت الكونت بروني هناك لذلك بعت المعلومة لزميل وحدث ما رأيته”
ثم وهو يرى وجه سو لون بلا تعبير أكد مرة أخرى “أقسم أنني حقا لا أعرف ذلك ’شيطان البرد’”
“أوه؟”
همهم سو لون بخفة وهو يستمع
ربما لم يدرك الرجل بعد أن سو لون قد شعر بشيء مميز جدا في روحه فواصل التمثيل
في النهاية وبقدرة هذا الرجل حتى الهجوم المباشر على النادي لن يكون مشكلة
حتى لو كان في النادي ذلك المحترف من الرتبة السادسة “أوغست”
لكن سو لون لم تكن لديه نية للتنقيب في أسرار الآخرين
على الأقل تصرفات هذين الشخصين في النادي تركت لديه انطباعا جيدا
إن أراد راعي البقر العجوز أن يمثل دور الجبان فسو لون لا ينوي فضحه
كان أسهل أن يتحدثا عن بعض الأمور دون كسر القناع
رمق العجوز بنظرة فاترة ثم اختبره باستفزاز “إذن… لكي تنقذ شخصا سمحت لنَبيل بريء أن يواجه مصيبة؟”
عند سماع ذلك كاد راعي البقر أن يشرح شيئا لكن أميليا ظنت أن سو لون ينحاز لمصالح النبلاء فلم تستطع إلا أن تتدخل دفاعا عن معلمها “ذلك الكونت بروني يستحق الموت كان أحد ملاك ذلك النادي وهو أيضا الحامي وراء تجارة البشر السرية في لينغدون مثل هذا الرجل الملطخ بالجرائم يستحق أن يموت مئة مرة وألف مرة!”
ظل وجه سو لون بلا تعبير وكأنه لم يفاجأ بانفجارها
لم يكن يهتم بقتل أي نبيل
وبما أن العجوز يحب تمثيل دور الجبان تابع سو لون السؤال “حدثني عن التكليف إذن كيف انتهى بكم الأمر هنا؟”
قال راعي البقر العجوز “كما رأيت نحن محققون خاصون قبلنا تكليفا من تاجر للعثور على ابنته الصغيرة المخطوفة ثم تتبعنا بعض الخيوط وانتهينا هنا ثم أنت تعرف الباقي”
فعلا هما محققان
وهذا تقريبا يطابق ما خمّنه سو لون فسأل أكثر “هل تعرف لماذا خطفوا تلك الفتيات؟”
ارتعشت عين راعي البقر بشكل غريب ثم قال بحسم “لا أعرف”
“همم؟”
خرج صوت شك من سو لون بنبرة باردة
كان واضحا أن العجوز يعرف شيئا وإلا لما كان حذرا إلى هذا الحد
وحين رأى أن سو لون يضغط أكثر تبدل وجه راعي البقر إلى ملامح حزينة “يا سيدي لا تجعل الأمر صعبا علينا نحن المحققين الذين نحاول كسب رزقنا بصعوبة تجارة البشر آفة في نظام الإمبراطورية وخلفها نبلاء كبار وأصحاب نفوذ فماذا تتوقع مني أن أقول؟”
بدا كلامه منطقيا
لكن سو لون لم يرد أن يترك هذا العجوز المراوغ يفلت بسهولة وقال مباشرة “قل لي ما تعرفه”
تكشر راعي البقر العجوز وتردد ثم قال في النهاية “في السنة أو السنتين الماضيتين وقعت عدة حالات اختفاء لفتيات من عائلات مدنية في لينغدون وما حولها أمم ربما بدأت قبل ذلك أيضا لكني بدأت أتابعها في ذلك الوقت”
حين سمع سو لون هذه البداية عرف أن هذا الرجل يعرف الكثير “ثم؟”
تابع راعي البقر “توليت بعض قضايا الاختفاء ولم يكن ممكنا دائما العثور على الشخص ثم لاحقا أثناء التحقيق اكتشفت قواسم مشتركة بين القضايا الفتيات المختفيات كن كلهن بين 12 و26 سنة وكلهن يعملن والخاطفون لم يريدوا فدية ولم يكن الأمر انتقاما…”
تجعدت ملامح سو لون قليلا وهو يستمع ورغم أنه كان قد خمّن مصير تلك الفتيات فإنه ظل يشعر بضيق في صدره
سأل “هل عرفت لماذا خطفوا هؤلاء الفتيات؟”
هز راعي البقر رأسه بسرعة وكأنه يتجنب السؤال عمدا “لا”
حدق فيه سو لون بنظرة باردة “????”
وحين رأى النظرة المهددة كأنه سيبدأ قتالا دون كلمة أخرى أضاف راعي البقر على مضض “سمعت أن بعض الطقوس الشريرة تحتاج دماء طازجة لعذارى نقيات أما سبب اختيار هذا العمر بالذات فلأن الصغيرات جدا لا يكون مصيرهن قد استقر فتضعف فاعلية الطقس وإن كن كبيرات جدا فحتى لو كن عذارى فقد لوثتهن الدنيا ربما… أقول ربما قد يكون الأمر لطقس يستخدمه أحد أصحاب النفوذ”
فكر سو لون قليلا بعد سماع ذلك
لا بد من القول إن راعي البقر العجوز كان كفؤا
رغم أنه يتظاهر بالمراوغة وعدم الرغبة في التورط فقد كان واضحا أنه حلل الوضع جيدا
لو لم يحقق بطريقة ما لما وصل إلى هذا
كان بين حديثهما تفاهم خفي
كان راعي البقر يرى ما يريد سو لون سؤاله وهو في الحقيقة ما كان هو يريد قوله أيضا
أخرجاه بهذه الطريقة عبر سؤال وجواب
أما أميليا على الجانب فلم تفهم خفايا الحوار بينهما وشعرت أكثر أن هذا الرجل المدهون مزعج ويهدد عجوزا ويتكلم بحدة فصار نظرها له أكثر عداء
عند هذه النقطة سأل سو لون مجددا “إذن ما قصة ’شيطان البرد’؟”
أجاب راعي البقر “هذا حقا لا أعرفه كل ما في الأمر أن وافدا جديدا ظهر مؤخرا في ’رابطة القتلة’ في لينغدون ويلقب بـ ’شيطان البرد’ هذا الرجل قوي جدا ويتقن قوة قوانين الجليد وفوق ذلك معظم اغتيالاته تستهدف أصحاب نفوذ ورتبته ترتفع بسرعة لكن خلفيته غامضة جدا ولم يكن هناك من قبل من يمتلك قدرات مشابهة لذلك أنا لم أسمع سوى أخبار عنه”
يمكن فحص صدق هذه المعلومات فواصل سو لون “لماذا يريد أحد قتل الكونت بروني؟”
قال راعي البقر “هذا حقا لا أعرفه أمور السياسة ليست شيئا يمكن لعامة الناس أن ينبشوا فيه”
هذه المرة لم يضغط سو لون أكثر
قال العجوز إنه لا يملك جوابا لكنه في الحقيقة أعطى جوابا
ما دام اغتيالا سياسيا فهذا يعني أن ’شيطان البرد’ يعمل لصالح صاحب عمله
كان سو لون يعرف أن خلف الستار هو الدوق رافائيل وأن الكونت بروني الذي قُتل ينتمي إلى تيار عائلة رودريغيز وهو عدو سياسي
بعد هذا الاستجواب تأكد سو لون أن هذين الاثنين لا علاقة لهما بـ ’شيطان البرد’ السابق ومعرفتهما محدودة
لم يكن ينوي حقا مضايقتهما
لكن سو لون تذكر شيئا وسأل للتأكيد “أنت محقق صحيح؟”
توقع راعي البقر ما سيأتي فأطلق اعتذارا مسبقا بسرعة “نعم لكننا مجرد محققين من الدرجة الثالثة في لينغدون متخصصون في قضايا الخيانة والعثور على القطط والكلاب الضائعة… لا نتولى القضايا الكبيرة”
لم يرد سو لون سماع هرائه ودخل في صلب الموضوع “لدي طلب لن يسبب متاعب”
كان راعي البقر قويا جدا ومحققا لافتا وربما يستطيع المساعدة في التحقيق ببعض المعلومات
“لن يسبب متاعب؟”
حين سمع ذلك تجرأ راعي البقر على مواصلة الحديث ولم يسأل حتى عن الطلب بل نظر بجشع “وما الأجر؟”
كان سو لون مباشرا فأخرج رزمة من الأوراق النقدية “100,000 كدفعة مقدمة وبحسب نتائج التحقيق سأدفع الباقي لاحقا”
حين رأى راعي البقر الدفع السريع ظهر اهتمام كبير على وجهه ومع المال بدا كأنه يلبس وجها آخر وابتسم بتملق “سيدي العميل الكريم ماذا تريد أن نحقق فيه؟”
أخرج سو لون بطاقة تواصل وقال “في الآونة الأخيرة ينتشر مرض ’الموت الأحمر’ في لينغدون أريد أن أعرف من أين بدأ تواصل معي في أي وقت مع الأخبار معلومات الاتصال على هذه البطاقة”
كان راعي البقر قد سمع بهذا المرض بالفعل ولمعت عيناه بالتفكير ثم وافق فورا “حسنا!”
لم ينوِ سو لون البقاء أكثر فاستدار وغادر ببساطة
…
راقبت أميليا الرجل وهو يبتعد ثم انفجرت أخيرا بضيق “أيها العجوز لماذا كنت لطيفا مع ذلك الرجل؟ شخص مزعج كهذا لماذا تحدثت معه كثيرا؟”
ربت راعي البقر العجوز على كيس المال المنتفخ وقال بمعنى “ذلك الرجل ليس بسيطا”
“همف!”
كانت أميليا ما زالت منزعجة لأن معلمها بدا وكأنه يتعرض للضغط قبل قليل فتمتمت بغيظ “حسنا هو قوي بعض الشيء لكن ليس كأنك لا تستطيع هزيمته يا عجوز”
هز راعي البقر رأسه فقط ولم يجب ثم تنهد “يا فتاة أنت ترين السطح فقط قوته تتجاوز ما تتخيلين ثم هل تعتقدين أن شخصا عاديا يهتم بتلك المعلومات؟ ثم إنه أنقذك يجب أن تشعري بالامتنان”
كانت الجمل القليلة قبل قليل كلها جس نبض والعجوز رأى ما هو أعمق
“…”
حين سمعت أميليا ذلك ورغم رفضها اعترتها الشكوك هل كانت حقا بهذه السذاجة؟
كيف شعرت أنها سمعت الحوار كله ومع ذلك لم تفهم شيئا؟
…
قراءة ممتعة، ولا تنسَ ذكر الله ولو بكلمة طيبة.
كان سو لون ينوي التجول في هذا الحي ليرى إن كان سيعثر على خيوط أخرى لكن لم تتح له فرصة كبيرة
اغتيال إيرل من الإمبراطورية في الشارع وهو أيضا عضو في البرلمان أثار ضجة هائلة
خلال دقائق قليلة تجمعت عشرات من شرطة الخيالة من عدة شوارع قريبة ووصلت سيارات كثيرة من مركز شرطة لينغدون المركزي كما امتزج ضباط بملابس مدنية مع الحشد وكان واضحا أنهم من أجهزة الاستخبارات
ثم جاء الصحفيون الذين تدفقوا فور سماع الخبر
أغلق هؤلاء حي الترفيه كله إغلاقا تاما حتى إن قطرة ماء لا يمكن أن تمر
فُتشت النوادي الليلية واحدا واحدا وفُحص أي شخص مشبوه في المكان
لم يرد سو لون أن يجلب المتاعب لنفسه فقرر أن يغادر مبكرا
تواصل مع سابينا عبر جهاز الاتصال
كان القاتل ’شيطان البرد’ قد صار مشهورا بالفعل مؤخرا لأنه يستهدف السياسيين تحديدا وكان الجميع يظنه محترفا من عنصر الجليد والمعلومات عنه قليلة جدا
لو لم يرَه سو لون بعينيه لما خمّن أن هذا نتاج أبحاث متقدمة لدى الدوق رافائيل
بعد سؤال الدكتور بانكس في عالم الفراغ الصغير عرف المزيد
في “مشروع الأعصاب الميكانيكية” لدى الدوق رافائيل كان هناك محور بعنوان شبح شيطان البرد
كان يقوم على إبقاء دماغ الإنسان وجهازه العصبي فقط مع إزالة كل الأنسجة الأخرى من الجسد
وبذلك تفتقر الروح إلى وعاء مناسب فتتفكك بسهولة وتتحول إلى حالة مكثفة خاصة قادرة على حمل طاقة برد مطلق شديد وهي الهيئة الشبحية التي رآها سو لون عبر العين العليمة
كان هذا مجرد مشروع نظري
لكن الآن رأى نموذجا حقيقيا
لو أمكن إنتاجه بكميات كبيرة فقد يغير شكل ميادين القتال المستقبلية بقدر ما فعلته الثورة الميكانيكية في إمبراطورية مافا
لكن أنماط الحرب بين الإمبراطوريتين العظميين لا تتغير بسهولة كما أن سو لون شخص صغير لا يهتم كثيرا بذلك
كما سأل عن وضع راعي البقر العجوز ولم يتوقع أن سابينا سمعت به فعلا
كان ذلك راعي البقر مشهورا جدا في أوساط محققي لينغدون ويعد “فريدا من نوعه”
لم يكذب العجوز فقد كان خبيرا في قضايا الخيانة المختلفة ولقبه العاملون في المجال بـ “صديق زوجات لينغدون الثريات”
كان معروفا جدا لكنه لا يتولى القضايا الكبيرة أبدا بل يختار ما يدفع جيدا ولا يسبب متاعب ويتجاوز قدرات بقية المحققين
وكانت شخصيته كلها توحي بالمراوغة والخوف من المتاعب
وجد سو لون ذلك ممتعا جدا
لأن حديثهما القصير قبل قليل جعله يشعر أن هذا العجوز يشبهه من نوع ما
على السطح يتظاهر بالضعف ليقمع الوحش المرعب في داخله
تماما مثل نفسه سابقا
شعر سو لون مرة أخرى أن لينغدون مليئة بالتنانين الخفية
….
انتشر خبر اغتيال الكونت بروني في لينغدون كالنار في الهشيم وخلال دقائق كانت معظم العائلات النبيلة المطلعة قد تلقت الخبر
وفي الوقت نفسه في مبنى فاخر داخل حي النبلاء والأثرياء شمال نهر لوكوارين
كانت فتاة ذات شعر أرجواني ينسدل كالشلال تقف أمام مرآة زينة وتجرب فستانا انعكس في المرآة ثوب بلاطي كلاسيكي بلون أبيض لؤلؤي مع نقوش ذهبية وفضية كان التصميم أنيقا ومهيبا ويمنح شعورا بالفخامة بلا مجال للانتقاد
كانت تنظر إلى الفستان الذي سترتديه في زفافها الذي ستباركه الإمبراطورة بعد نصف شهر ولم يظهر على وجهها الجميل جدا رضا واضح أو سخط واضح وبينما جربت عدة أزياء شعرت ببعض الملل ثم قالت يكاتيرينا بلا مبالاة “حسنا هذا يكفي”
عند سماع ذلك تنفس عدة خياطين كبار من رو بسكينة وغادروا معا
عندها تقدم كبير الخدم العجوز الذي كان ينتظر عند الباب وقدم تقريره “آنستي قبل 10 دقائق تم اغتيال الكونت بروني الفاعل هو ’شيطان البرد’ وعلى الأرجح هو تحذير من الدوق رافائيل لأولئك الذين صوتوا ضد تشريعه العسكري”
لم تبدُ يكاتيرينا مفاجأة على الإطلاق وأومأت ببرود “مم”
تابع كبير الخدم “في الآونة الأخيرة أمرتني بمراقبة تحركات تلك الدفعة من المعدات المستوردة عن قرب الفيكونت برودي المسؤول في حوض السفن مات فجأة في منزله وتلك الدفعة من المعدات اختفت بشكل غامض والقرائن تشير إلى حفلة البدر”
عند سماع ذلك تذكرت يكاتيرينا شيئا وأضافت بضع كلمات “لا تقتربوا من أمر حفلة البدر ذلك العجوز ودود لكنه يقترب من نهاية حياته لا تزعجوه…”
“نعم يا آنستي” أجاب كبير الخدم
هز كبير الخدم رأسه “هل نواصل تتبع مكان تلك الدفعة من المعدات؟”
رفعت يكاتيرينا حاجبيها قليلا “لا حاجة طالما لم تقع في يد الدوق رافائيل فلا داعي للإزعاج ثم إن لدي فكرة تقريبية عن من يملكها”
فكرت قليلا ثم تابعت “أرسل المزيد للتسلل إلى مصنع أسلحة رافائيل السري التكنولوجيا الميكانيكية ستصبح بلا شك المسار الرئيسي في المستقبل وامتلاك تلك التقنيات السرية سيمنحنا كلمة أقوى في ساحة القتال القادمة”
أومأ كبير الخدم كمن اعتاد تنفيذ الأوامر
ثم قال “آنستي بما أنك اخترتِ الزواج من الابن الثاني لعائلة ليغادي فقد يصبح السيد ويليام مشكلة كبيرة لاحقا مصالح العائلة قد تتضرر بسبب وجود منافس قوي على العرش وبعد تقييم مجلس العائلة أرسلوني لأسأل هل نحتاج ترتيبات مسبقة؟”
قالت يكاتيرينا بلا اكتراث “لا حاجة مثل هذا الفعل سيجلب مقاومة ضخمة من كل الجهات وسيجعل عائلة لانس تبدو صغيرة النفس”
تابع كبير الخدم “لكن حسب الاستخبارات يبدو أن ويليام الابن الأكبر لعائلة ليغادي يقترب جدا من الدوق رافائيل ولديه بالفعل تعاون سري معه”
لم تتأثر يكاتيرينا “هذا طبيعي تماما… كبار ليغادي يريدون استعادة دولتهم من كل قلوبهم لذلك يرون أن تزويج الابن الثاني لعائلتنا ثم التقرب من رافائيل يجعلهم يلعبون على الحبلين والدوق رافائيل بإرثه غير الكافي يحتاج فعلا إلى موارد ليغادي العائلة الملكية العتيقة هيهي… الأفضل أن يتعاونوا حتى عندما أسيطر على عائلة ليغادي سيوفر ذلك علي متاعب كثيرة”
وبينما يتحدثان سُمع وقع أقدام في الخارج فلوحت بيدها بلا اهتمام وقالت “بخصوص أمر عائلة ليغادي أخبر مجلس العائلة أن يتركه لي لدي خططي سواء كان وريث العرش هو الابن الأكبر أم لا فلا فرق حقيقيا”
فهم كبير الخدم ولم يزد شيئا ثم قال “آنستي هناك أمر آخر موعد الزفاف يقترب و’الشاب فيك’ لم يظهر بعد السيدة أرسلتني لأسأل هل ينبغي أن نتواصل؟”
يكاتيرينا “لا حاجة إن قال إنه سيأتي فسوف يأتي بالتأكيد”
انحنى كبير الخدم باحترام واضعا يده على صدره وغادر الغرفة “نعم يا آنستي”
وما إن انتهى حتى وصلت عند الباب صدفة جميلة شقراء نظرت إلى يكاتيرينا بملابسها الرسمية وابتسمت بحماس دون أن تخفي غيرتها وإعجابها “واو~ كاتيوشا فستانك جميل جدا يا لها من حظ أنني عدت في الوقت المناسب لو لم أستطع حضور زفاف أعز صديقة لي لندمت طوال حياتي”
كان اسمها آنا فيليبس ابنة “ماركيز القمر الجديد” وكانت أيضا رفيقة طفولة يكاتيرينا وصديقتها المقربة وزميلتها
تقدمت آنا وأمسكت بحافة الفستان تتفقده بسلاسة ثم مازحت “آه يا كاتيوشا أنت جميلة حقا لو كنت رجلا لأسرتني بلا شك”
ابتسمت يكاتيرينا وهزت رأسها ولم تتوقف عند الموضوع ثم سألت بنبرة مرحة “وماذا عنك يا آنا كيف كانت رحلتك إلى الجنوب؟”
عند سماع السؤال خف بريق الفرح على وجه آنا فجأة “ليست جيدة ذلك كان شريك الزواج الذي اختارته عائلتي لي رجل مناجم ثري من الجنوب وتبين أنه من كبارنا في مدرستنا كنت أعلق بعض الأمل لكن حين وصلت تبخر كل شيء كان مليئا بحبوب الوجه ويزن أكثر من 300 رطل خنزيرا سمينا بحق مهما كانت ملابسه فاخرة لم تستطع أن تخفي ابتذاله وقذارته وسذاجته كان الأمر فظيعا”
ثم هزت كتفيها بعجز
وبوصفها ابنة لعائلة نبيلة كبرى كانت تعرف دائما أن هذا مصيرها المحتوم
وبدت كأنها استسلمت وهي تتابع “لذلك… أخطط للاستقرار في لينغدون بعد شهر العسل ربما سأصبح مثل عماتي وأبحث عن بعض العشاق الوسيمين يا للعجب كنت أتوهم الحب يوما لكن الآن يبدو أنني لا خيار لي سوى السير على خطى الكبار لا رأي لي في الأمر”
عبست يكاتيرينا قليلا وشعرت بالأسف لصديقتها
كانت آنا فاتنة وساحرة ومثقفة وأنيقة ولها موهبة أدبية أيضا
ومن المؤسف أنها ما زالت محكومة بهذا الطريق
لكن يكاتيرينا لم تقل شيئا أكثر واكتفت “لا بأس إن استقريت في لينغدون سنلتقي كثيرا كنت أخشى ألا تعودي من الجنوب”
شعرت آنا أن لقاء صديقة مقربة قد يكون الشيء الوحيد الجيد “بالمناسبة يا كاتيوشا سمعت أنك اخترت الابن الثاني من عائلة لي؟”
وأثناء كلامها ساعدت كاتيوشا في ترتيب الفستان ولم تستطع إخفاء حيرتها “كاتيوشا بما أن الأمر كله لتحالف العائلة لماذا اخترت ’خاسرا’ من عائلة لي؟ في وضع الإمبراطورية الحالي كان اختيار ويليام هو الأنسب وهو أيضا وسيم وموهوب وحتى لو أرادت العائلتان تحالفا فقد يكون مزعجا لفترة قصيرة لكن لا أحد سيجرؤ على عرقلته فعلا”
ابتسمت يكاتيرينا وصححت لها بينما ظهرت في ذهنها صورة “ذلك ’فيك’ ليس بالسوء الذي تردده الشائعات”
رمشت آنا بدهشة خفيفة “آه… هل قابلته؟”
مالت يكاتيرينا برأسها قليلا وأجابت ببرود “نعم”
رأت آنا أن تعبير صديقتها غريب قليلا “كيف هو؟”
“همم… دعيني أفكر”
فكرت يكاتيرينا لحظة كأنها تجد صعوبة في الإجابة
راقبتها آنا بتلهف
ثم قالت يكاتيرينا “في نظر معظم الناس سيعد وسيما وجذابا وذكيا ولبقا ورزينا وموهوبا ومسؤولا ولطيفا بما يكفي… إنه شخص جيد جدا لتكوني صديقة له وبالطبع الأهم أنني أراه مناسبا جدا”
عند سماع سيل المديح صُدمت آنا أولا ثم أدركت ما تسمعه
صرخت بدهشة “آه… أنت… أنت… أنت لا تعنين أنك فعلا تحملين مشاعر لذلك ’فيك’ أليس كذلك؟”
عند هذا السؤال فكرت يكاتيرينا قليلا ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة غير متوقعة
كانت هناك أمور لا تقولها لأحد لكنها لا تخفي شيئا عن صديقتها
ابتسمت بلطف “نعم أظن ذلك”
“يا للعجب… يا للعجب…”
ظهر على وجه آنا ذهول كامل ولمعت عيناها بعدم تصديق كأنها سمعت أغرب شيء في الدنيا “كنت أعتقد دائما أنه لا رجل يمكنه لفت نظرك لكن الآن… أنت… أنت…”
كانت مصدومة لدرجة أنها بدأت تتلعثم
لأنها لم تتخيل أن هناك رجلا في العالم يطابق معايير صديقتها البارزة
شعرت آنا أن عقلها لا يستطيع استيعاب هذا الخبر الصادم
ربتت على صدرها الذي يعلو ويهبط ثم قالت بانفعال “هذا لا يصدق ماذا فعل ذلك ’فيك’ ليحرك قلب حسناءنا الملائكية الآنسة كاتيوشا؟”
ماذا فعل؟
تذكرت يكاتيرينا لقاءهما الأول في مدينة العاصفة الثلجية ثم الأيام التي قضياها لاحقا في الغابة الصامتة
كان الأمر كقصيدة زهور ربيع تتفتح على جبل
لا قوي جدا ولا خفيف جدا بل في منتصف مثالي
لكن بدا من الصعب اختصاره في كلمات قليلة
ولما رأت نظرة صديقتها المتلهفة للثرثرة ظهر على وجه يكاتيرينا الجميل بريق مرح نادر وقالت كلمة واحدة توحي بأشياء كثيرة “بقربي”
“???”
بدت آنا في حيرة
ماذا تقصد؟
ماذا فعل… بقربها؟
وبعد أن أعادت آنا التفكير في الكلام فهمت فجأة
ثم كمن اكتشف قارة جديدة اشتعلت عيناها بنار الفضول ولم تعد تهتم بصورة السيدة الراقية وصاحت بصوت عال “آه… يا للعجب هل جن العالم؟ يجب أن أرى كيف يبدو ذلك ’فيك’!”

تعليقات الفصل