الفصل 446 : القيّم هو هو نفسه
الفصل 446: القيّم هو هو نفسه
كان حفل ذكرى تأسيس المدرسة هذا المساء حفلا تنكريا بموضوع محدد، وكانت الأكاديمية ممتلئة بطلاب يرتدون أزياء غريبة ومتنوعة
مصاصو دماء، قراصنة، مهرجون، مومياوات، محاربون يقتلون التنانين، كتل هلامية، وكل أنواع الملابس العجيبة والمرحة
وأثناء سير سو لون، رأى عدة طلاب يقلدون اللص الشبح كيت، يرتدون بدلات بيضاء وعباءات ونظارات أحادية، ويبدون أنيقين جدا، ولاحظ أيضا عشرات يقلدونه هو، كلهم على هيئة غراب وعباءة ومنجل
كانت سابينا تراقب باهتمام، وقد شبكت ذراعها بذراع سو لون، وعلى زاوية فمها ابتسامة خفيفة
وكان كيجي إلى جوارها يشعر بحماس هائل في قلبه
لقد كان محتارا من قبل بسبب الزيادة المفاجئة في عدد سادة الدمى داخل المدرسة، ولم يدرك إلا الآن أن السبب كله هو معلمه نفسه
وبعد مسافة قصيرة وصل الثلاثة إلى قاعة الولائم الكبرى في الأكاديمية
وبعد أن قدمت سابينا بطاقة الدعوة المذهبة، دخلوا إلى الداخل
كان الحفل التنكري شكلا تقليديا من الولائم بين طبقة النخبة في مجتمع لوينغ، وحتى السادة والسيدات النبلاء المتزنون الذين لا يميلون لتلك الملابس الغريبة كانوا مضطرين إلى ارتداء شيء مناسب للموضوع
وعند الدخول وضع سو لون أيضا قناع عين زورو
أما سابينا فارتدت قبعة قوطية واسعة الحواف مزينة بوردة سوداء، وكانت الستارة السوداء على الحافة تغطي معظم وجهها الجميل، لتظهر شفتيها الحمراوين الجذابتين
…
كانت قاعة الولائم في الأكاديمية الملكية مزينة بزينة مهيبة، قاعة واسعة تتسع لآلاف الضيوف
وبمجرد أن دخل سو لون من الباب رأى عشرات الثريات البلورية الضخمة تضيء القاعة كلها، وكانت تلك البلورات عالية النقاء، التي تعد ثمينة في سوق الخيمياء، مجرد أدوات إنارة هنا، وكانت الأعمدة البيضاء المنحوتة تعلوها قواعد ذهبية لامعة، وتزين الجدران لوحات ضخمة عالية القيمة الفنية، وفي السقف جداريات ملونة متعددة
حتى أصغر التفاصيل كانت تفوح فخامة
وعندما دخل سو لون ورفيقاه كان المكان يعج بالحركة بالفعل
وبقي عشر دقائق فقط على البداية الرسمية، فوجدوا منطقة للراحة وانتظروا هناك
وبمجرد وصوله مدد سو لون إحساسه، فوجد حضورا قويا كثيرا داخل القاعة، وكان هناك أكثر من عشرة أشخاص يبدو أنهم لا يقلون عن الرتبة السابعة بحسب إدراكه للروح
لم يكن هذا مفاجئا، فالأكاديمية الملكية للخيمياء تضم كثيرا من الأقوياء، ومعيار تعيين رؤساء الأقسام المختلفة هو الرتبة السادسة على الأقل، وكان القيّم وينيفريد كروفتس محترفا رفيعا من الرتبة الثامنة
وبوصفها ضابطة معلومات محترفة، كانت أول خطوة لسابينا أيضا مسح ما حولهم بعينيها
وفي تلك اللحظة، كأنها اكتشفت شيئا، أشارت فجأة إلى سو لون لينظر إلى جهة أخرى، وقالت بتعبير مازح: “انظر يا سيدي، خطيبتك وصلت أيضا”
نظر سو لون ورأى إيكاترينا تتحدث وتضحك وسط حشد
حتى مع قناع الماس البراق، كان شعرها الأرجواني يلفت الأنظار بقوة
وبصفتها خريجة بارزة، فمن الطبيعي أن تتلقى دعوة من إدارة المدرسة
لم يهتم سو لون إطلاقا
خطيبة أو غير ذلك
ما علاقة خطوبة فيك بسو لون
وليس إيكاترينا وحدها، بل ذلك الابن الأكبر لعائلة ريغادي، ويليام ريغادي، الذي كان قد قتله من قبل
أظهر سو لون أثرا خفيفا من نظرة غير مألوفة حين رآه
لأي سبب كان، العدو الذي يحمل نية القتل لا ينبغي تركه إن وجدت فرصة
ثم إن سو لون كان يشعر أن الزواج من إيكاترينا ليس مجرد مكاسب، بل له تكاليف أيضا
مثل التعامل مع انتقام بعض الخصوم
كانت سابينا ضابطة المعلومات الخاصة بسو لون، وتعرف كل شيء، ويبدو أنها فهمت أيضا فقالت بمزاح: “يا سيدي، عليك أن تحذر إن انكشف اسمك الحقيقي، تقول تقارير المعلومات إن هناك ما لا يقل عن 1,000 وربما 8,000 من الشبان الموهوبين في طبقة النخبة في لينغدون يسعون لكسب ود الآنسة إيكاترينا، وكثير منهم أعلنوا في الصحف أنهم يريدون تحدي فيك بمبارزة، لديك خصوم كثيرون”
استمع سو لون وهز رأسه قليلا
هو بالتأكيد لا يريد أن يتورط في هذه المتاعب
قبل أن يذهب إلى القصر بعد نصف شهر لتلقي بركة الإمبراطورة، لم يكن ينوي استخدام هوية فيك
وبعد استخدامها، كان ينوي تركها
أما هوية نبيل رفيع، فلم تكن تهم سو لون من قريب أو بعيد
بالنسبة للطرفين كانت مجرد صفقة مصالح
لم يشغل سو لون نفسه بتلك الأفكار التي لا فائدة منها
مر في ذهنه بعض الأسئلة وهو يراقب ويليام ريغادي الذي بدا ما يزال ملازما لإيكاترينا
لم يكن يفهم من قبل لماذا طارده هذا الرجل إلى ذلك الحد ليقتله، لكنه أدرك الآن أن الأمر كان بسبب الإرث وتحالف زواج
لا أحد يقبل أن تتزوج المرأة التي يريدها من شخص آخر، خاصة عبقريا متعجرفا مثل ويليام ريغادي الذي كان محترفا من الرتبة السادسة وهو في سن صغيرة
لكن الدافع لم يعد مهما
فقد تصادما بالفعل
ثم إن سو لون تساءل، هل سيظل هذا الرجل، رغم تحديد موعد الزفاف، يريد قتله
لا شك أن الإجابة نعم
لكن سو لون لم يعد ذلك الضعيف من الرتبة الثانية، وحتى إن وصلت الأمور إلى قتال الآن فهو لا يخاف
ومع ذلك، بعد لحظة تفكير، أخبره حدسه أن هذا الرجل سيلجأ لحيل قذرة
فالتحالف بالزواج قد تأكد، ولن تسمح عائلة ريغادي ولا عائلة لانس لويليام أن يقدم على فعل يضر بمصالح عائلتيهما
لم يكن مهما أن فيك قد قُتل سابقا، لكن الوضع الآن مختلف
“إذن لو كنت مكانه، من أين سأبدأ؟”
مع هذا الافتراض صار تفكير سو لون أكثر نشاطا فجأة
….
بعد ذلك بقليل بدأ حفل الاحتفال
وخلال النهار كانوا قد أنهوا كل إجراءات ذكرى تأسيس الأكاديمية المملة، وجاء المساء لعروض الاحتفال
عزف الطلاب آلات موسيقية، وباليه، ومبارزة بالسيوف
لم تكن الأكاديمية الملكية للخيمياء تعلم الخيمياء فقط، بل كانت آداب البلاط والرسم والآلات الموسيقية والرقص مواد إلزامية لأبناء النبلاء في المجتمع الراقي، وكان المدرسون فناني الصف الأول داخل الإمبراطورية
ذلك النوع من التهذيب الفني الذي يصعب على الطبقات الدنيا الوصول إليه أو تقديره كان أساسيا للدخول إلى مجتمع النخبة
وجد سو لون هذا مثيرا للاهتمام
وكان العرض الأخير في الحفل باليه البلاط، وسينتقل بسلاسة إلى الرقص الذي يليه
صعدت طالبات صغيرات بملابس الباليه إلى المسرح، يرقصن برشاقة وجمال على الموسيقى، مشهدا يسر العين
تعرف سو لون فورًا على الراقصة الرئيسية بينهن، تلك الفتاة الجميلة
كانت زميلة كيجي، فيبي
ابتسمت سابينا وهي إلى جواره وقالت ممازحة: “هاه، زميلتك فيبي تبدو جميلة جدا وهي ترقص”
وبالقرب منها كان كيجي يراقب بتركيز، لكن ملامحه صارت متوترة قليلا
انتهت الرقصة مع آخر نغمة، وانتهى العرض
ثم عاد صوت الموسيقى الناعم من جديد
وحان وقت الجزء الرسمي من الحفل، حيث يمكن لكل من في القاعة أن يدعو من يعجبه للرقص
في مجتمع النخبة في لوينغ، تعد حفلات الرقص أفضل طريقة لتعارف الرجال والنساء
كان الطلاب الشباب المفعمون بالحيوية يدعون الفتيات اللواتي يملن إليهن، وإذا لم ترفض الفتاة فإنهما يرقصان معا ويتعارفان أكثر، وإذا رقصا أكثر من مرة فعادة لا يُرفض التقارب بعدها
وليس هذا للشباب وحدهم، فالسادة والسيدات من النبلاء يحبون هذا الجزء أيضا
في النظام النبيل القديم في لوينغ كانت النظرة للعلاقات أكثر انفتاحا، فالزواج مجرد صفقة مصالح وليس له علاقة كبيرة بالمحبة، ولذلك كان من المعتاد بين النبلاء أن تكون لهم علاقات عاطفية جانبية
قد لا يكون الشخص الذي تتزوجه المرأة هو من تميل إليه، لكن العاشق يكون كذلك
لذلك، إلى جانب التعارف الاجتماعي، كانت حفلات النخبة تحمل هدفا خفيا وهو العثور على عشاق
والرقص الاجتماعي الذي فيه تلامس جسدي كان منصة مثالية لهذا، فرقصة واحدة قد تكشف وجود اهتمام متبادل
كان الرجال والنساء على هذا الحال
ومع بدء الموسيقى بالهدوء، لم ينتظر السادة كثيرا، بل أسرعوا نحو من أعجبهم وقدموا الدعوات
إن ترددت في هذه اللحظة فقد تسبقك الأيدي الأخرى إلى شريكك المرغوب
حتى لو لم تكن المرأة مهتمة، فإنها بعد رفض عدة مرات قد تقبل دعوة أحدهم بدافع اللياقة
وبمجرد انتهاء عرض الرقص، غمرت الدعوات أولئك الفتيات الراقصات، وسرعان ما تشكلت الأزواج في كل مكان
وكانت الراقصة الرئيسية فيبي، بجمالها وهدوئها، الأكثر تلقيا للدعوات بطبيعة الحال
لكنها رفضت كثيرا، وكانت تنظر حولها كأنها تنتظر شيئا آخر
…
في زاوية من منطقة الاستراحة، لم يبد سو لون أي اهتمام بالرقص، بل كان يستمتع وحده بحلوى البلاط المتقنة الطعم
وبجانبه كانت سابينا تراقب وجه كيجي المتوتر وتقول ممازحة: “يا كيجي الصغير، إن لم تذهب الآن فقد تقبل فيبي دعوة غيرك وتضيع فرصتك”
وعند سماع ذلك بدا القلق على كيجي
كان يعرف أنه إن فوّت هذه اللحظة فلن تتاح له فرصة أخرى حقا
لكن ماذا لو رُفض
كان الصراع داخله يجعل قدميه ثقيلتين، لا يستطيع التحرك، فلم يجد إلا أن ينظر إلى سابينا ويسأل بتردد: “سيدتي، هل… هل أذهب الآن؟”
أعطته سابينا ابتسامة مشجعة وقالت: “اذهب وكن شجاعا، حتى لو فشلت، على الأقل ستقول إنك حاولت، أليس كذلك؟”
“نعم”
تأثر كيجي بكلامها، وجمع شجاعته أخيرا
نعم
حتى لو رُفض
على الأقل يكون قد حاول
…
“زميلة فيبي، هل تسمحين لي برقصة؟”
“آسفة يا غارن، أنا متعبة قليلا وأريد الراحة”
“زميلة فيبي، هل لي بشرف الرقص معك؟”
“آسفة يا غافين، التوى قدمي قليلا أثناء الرقص قبل قليل، أشعر بعدم راحة”
…
في هذه الأثناء كانت فيبي قد رفضت عدة دعوات، متذرعة بأعذار مختلفة لتقترب من منطقة الاستراحة
لم تكن ترغب بالرقص من دون شخص يوافق توقعاتها
وخاصة أن تيم كان يلاحقها بإلحاح: “فيبي، هل تشعرين بتعب؟ لقد تناولت عائلتانا العشاء معا قبل يومين، وكانت أمي معجبة بك جدا، وبعد عودتنا ظلت تمدحك دائما، وقال أبي أيضا إن عائلتينا يمكن أن تتعاونا أكثر في أعمال الشحن”
جلست فيبي على الأريكة لتستريح، وكانت منزعجة مما يقول
تيم كان يتصنع القرب بطريقة جعلتها غير مرتاحة جدا
لكن الحفل بدأ للتو، ولا تستطيع المغادرة مبكرا، فزاد ذلك إحراجها
وفي تلك اللحظة سمعت فجأة شخصا يسأل: “زميلة فيبي، هل لي بشرف دعوتك لرقصة؟”
“آسفة، أنا…”
ظنت فيبي أنه زميل آخر، فأرادت الرفض تلقائيا، لكنها عندما رفعت رأسها توقف كلامها في منتصفه
رأت وجها مألوفا وغريبا في آن واحد، فهتفت بدهشة: “زميل كيجي؟”
أومأ كيجي قليلا بابتسامة خفيفة
ومنحته شجاعته الجديدة ثقة لم يذقها من قبل
كرر طلبه، وانحنى بأدب ومد يده: “هل لي بشرف دعوتك لرقصة؟”
تلألأت النجوم فجأة في عيني فيبي الصافيتين، وقبلت بسعادة: “نعم، يسعدني ذلك”
كانت قد مسحت الضيوف في القاعة من قبل، وتذكرت أنها رأت رجلا متنكرًا بزي ساحر، لكنها تجاهلته، أما الشخص الذي كانت تتوقعه فكان يحمل آثار حروق على وجهه، ولم يكن ليقف بتلك الثقة
والآن، وهي تنظر إلى كيجي بمظهره المستعاد، كانت سعيدة جدا لصديقها، ورأت يده اليسرى سليمة وثقته واضحة، فامتلأ رأسها بأسئلة لا تنتهي: يا للعجب، ماذا حدث ليصبح كيجي مختلفا إلى هذا الحد
لكن رد فيبي جعل تيم الذي كان يحاول التقرب منها مذهولا
لم تعد قدمها تؤلمها، ولم تعد متعبة
وعندما رأى فيبي تمد يدها وتقبل دعوة كيجي، لم يتمالك نفسه وقال بانزعاج: “مهلا، مهلا، من أنت؟”
كان يعرف أن هذا الشخص المتغير هو كيجي
ولهذا السبب تحديدا كان فظا بلا احترام
في المرة الماضية، بعد أن أفزعته امرأة، استأجر تيم محققا خاصا ليفتش عن خلفية كيجي
وأثبت التحقيق أن ابن تاجر الفراء هذا مجرد مظهر بلا سند، ولا يملك أقارب نبلاء إطلاقا
كان ينوي أن يضايقه إن ظهر مجددا، لكنه لم يتوقع أن يأتي فعلا
وما أشعل غيرته أكثر أن فيبي رفضته هو ووافقت على الرقص مع هذا الذي يعده لا شيء
ومع تلك الكلمات الاستفزازية الواضحة، بدا كيجي كأنه لا يهتم به إطلاقا
وعندما سمع موافقة فيبي اختفى آخر أثر للقلق في قلبه، فقبّل ظهر يدها بأقصى ما يكون من لياقة وقال: “هذا شرف لي”
كان على زاوية فمه ابتسامة هادئة واثقة، متجاهلا تيم الغاضب تماما
نعم
كان يتجاهله
خلال أقل من نصف شهر منذ لقائه بمعلمه، تغيرت نظرة كيجي وعقليته تغييرا كبيرا عما كانت عليه
كان يرى النبلاء من قبل كأنهم بعيدون لا يُنالون، لكنه أدرك الآن أنهم لا يستحقون مشاعر النقص التي تقتل النفس بسبب الفوارق الطبقية
كان كيجي يظن أن أفضل ما يمكنه فعله بعد التخرج هو العمل فنيا في شركة ذخيرة تابعة لنبلاء
لكن بعد أن التقى بمعلمه ورأى المشهد من الأعلى، أدرك أن نهاية طريقه هي “حلمه”
كان معلمه هو من منحه الشروط والثقة ليتبع حلمه
كانت فيبي تنظر إلى كيجي الذي صار يحمل هالة مختلفة تماما بعينين لا تصدقان، لكن قلبها كان ممتلئا بسعادة صادقة
دخل الاثنان ساحة الرقص بخطوات خفيفة، وتبادلا التحية بحماس، ودارت بهما الخطوات، ثم اقتربا ليرقصا على أنغام الموسيقى الآسرة
وبدآ يتحدثان أيضا
ولأول مرة في مثل هذا القرب، بدا كيجي هادئا ظاهريا، لكن قلبه كان متوترا قليلا
شعرت فيبي بعرق يده وهو يمسك يدها، فضحكت بخفة وقالت: “كيجي، أنت تتعرق”
ومع تلك الضحكة المباشرة اعترف كيجي: “آه، هذه أول مرة أرقص فيها مع فيبي، وأنا متوتر جدا”
ابتسمت فيبي وقالت بمشاكسة لطيفة: “وهي أيضا أول مرة أتلقى فيها دعوة من كيجي”
ثم لمعت عيناها وأضافت: “لو دعوتني من قبل، لكنت قبلت، لكنك لم تفعل أبدا”
وعند سماع هذا شعر كيجي براحة مفاجئة، إذن لم تكن سترفضه، لكنه لم يعرف كيف يرد: “آه… في ذلك الوقت لم أكن أعرف…”
وبينما كان يديرها في دورة، رأت فيبي ملامحه المرتبكة، وكانت عيناها تبتسمان كأنهما هلالان
لكنها لم تتمسك بالموضوع، بل سألت: “يا للعجب… كيجي، آثار الحروق زالت ويدك بخير، ماذا حدث بالضبط خلال هذه الفترة؟”
قال كيجي: “همم… القصة طويلة، التقيت بمعلمي، ثم… أقصد، أريد دعوتك إلى عشاء، قالت السيدة ديماكيولا إنها تريد… أمم، هي صديقة جيدة لمعلمي، وقد التقيتِ بها في المرة الماضية… قالت…”
“هاه؟ كيجي، هل تدعوني للعشاء؟”
استمعت فيبي إلى كلامه المتقطع، ورمشت كأنها فهمت، وامتزجت السعادة بالمفاجأة في وجهها، ووافقت بسهولة: “بالطبع”
قبل أيام كانت تلك السيدة الجميلة قد قالت أيضا إنهما سيتعشيان معا، وكانت قلقة لعدم وصول أي خبر منذ وقت طويل
والآن وقد تلقت دعوة واضحة، صارت سعيدة جدا
قال كيجي: “إذن… غدا؟”
قالت فيبي: “نعم”
قبل أن يأتي كيجي كان قد جهز كثيرا من الكلام، لكن بدا أن فيبي فهمت كل شيء، فلم يعرف ماذا يقول بعد ذلك
ففكر قليلا وتكلم عن أهم ما لديه: “فيبي، هناك أمر آخر يجب أن أخبرك به، أمم… هذا… أنا سأغادر، سأترك الأكاديمية”
“ماذا؟”
سمعت فيبي ذلك وهي في خطوة رقص مرحة، فترددت لحظة، وحتى مع مهارتها الكبيرة كادت أن تطأ قدمها
تابع كيجي: “أنوي الذهاب إلى إمبراطورية مافا للدراسة، لأتعلم هندسة الذخيرة، قد أغادر لوينغ قريبا”
“آه، مافا… هذا مكان بعيد جدا”
خفت وجه فيبي فجأة، وشعرت بحزن لا تعرف سببه: “إذن جئت لتودعني؟”
نظرت إلى كيجي من جديد، وابتسمت ابتسامة مجبرة على وجهها الجميل وقالت كلمات تمنح: “الذهاب إلى مافا أمر جيد، كنت أعرف دائما أن مستقبلك لن يكون عاديا، أتمنى لك التوفيق، اجتهد، وفي يوم ما صر خبير ذخيرة قويا جدا جدا، فقط لا تنس أن لوينغ ما زالت فيها صديقة تهتم لأمرك”
أومأ كيجي، ورغم بطئه في الفهم، رأى اللمعان المرتجف في عيني فيبي، فشعر بوخزة غريبة في قلبه
في تلك اللحظة صارت الموسيقى فجأة أكثر عذوبة وحزنا، وبطؤ الرقص
رأى دموعا تكاد تسقط من عينيها، فسارع يقول: “كنت أقصد… إذا… إذا كنتِ موافقة… سيزور معلمي والسيدة ديماكيولا بيتك ببطاقة… نحن… نحن… في المستقبل…”
لم تسمع فيبي الجزء المبعثر الذي لم يستطع كيجي نفسه صياغته، لكنها أحست كأن شعاعا دخل قلبها فجأة، فتفتحت ابتسامتها كزهرة عباد الشمس، وقالت: “نعم، أنا موافقة”
وعند سماع هذا أومأ كيجي بسعادة وبجدية: “نعم”
تبادل الشابان النظر، وأومآ قليلا كأنهما يعقدان وعدا طويلا بينهما
وفجأة صارت خطوات رقصهما أخف وأسرع من جديد
…
في زاوية منطقة الاستراحة كان سو لون يراقب كيجي وفيبي وهما يسرعان خطواتهما فجأة، فظهرت ابتسامة على زاوية عينيه
لم يكن مهتما بالرقص، ولم يأت ليبحث عن لهو، رشفة من خمر البلاط المعتق ولقمة من حلوى البلاط تكفيه ليقول إنه شارك في الحفل
أما سابينا فلم تكن تظهر تقربا من أحد أمام العامة، وكانت قد التقطت كأس خمر وبدأت الثرثرة مع سيدات مجتمع لينغدون الراقي، كانت هؤلاء النساء كثيرات الكلام، يتحدثن عن من هو العاشق الأجمل، أو كيف كان أداء رجالهن، لكنهن كثيرا ما يتركن معلومات مهمة تنزلق بين كلامهن
وكان هذا قناة مهمة لسابينا بوصفها ضابطة معلومات محترفة
كان الحفل قد بدأ للتو، وما يزال الوقت مبكرا على التحرك المخطط، فاستغل سو لون الوقت ليراقب النبلاء في القاعة، ويثبت الوجوه في ذاكرته ويحفظ تقلبات الأرواح للخبراء الموجودين
لكن بعد المراقبة مدة لم ير أوغست صاحب خاتم مصاص الدماء، فصار يشك: “غريب، كل من إيكاترينا وويليام هنا، وبصفته الموهبة الأبرز في ذلك الصف، لا ينبغي أن يغيب أوغست”
كان سو لون محتارا قليلا، هل يوجد في لينغدون ما هو أهم من احتفالات ذكرى تأسيس الأكاديمية الملكية
وقبل أن يصل إلى جواب، وبينما كان إدراكه للروح يمسح الحشد، اشتدت نظرة سو لون فجأة
لأنه لمح وجها مألوفا
“هاه… لماذا هذه المرأة هنا؟”
تفاجأ سو لون قليلا
نظر فرأى امرأة ترتدي فستانا من فساتين البلاط ووجهها مغطى، وهذا غير مستغرب في حفلة تنكرية، ورغم أن ملامحها كانت مخفية، فإن سو لون تعرف على روحها
كانت تلك المرأة ذات الشعر القصير من ثنائي المحققين اللذين التقى بهما سابقا، وكان واثقا أنه يتذكر اسمها جيدا، أميليا
تحسس وجود الآخر حولها لكنه لم ير الرجل العجوز راعي البقر
وعندما عرف القادم، صار تعبير سو لون غريبا بعض الشيء، فقد تذكر أنه أعطى الرجل العجوز مبلغا كبيرا قدره 100,000 ليتحقق من مصدر الموت الأحمر
ومن الغريب أنه لم تصله أي أخبار خلال الأيام الماضية
لم يشك سو لون أنهما أخذا المال وهربا، لكنه لم يتوقع أن يلتقي أميليا هنا
راقبها مدة، فازداد يقينه أنها ليست ضيفة مدعوة، بل جاءت للتحقيق في شيء ما، ورغم تنكرها الجيد، فإن نظراتها المتنقلة الحذرة كانت تكشف أنها تبحث عن شخص ما
زاد هذا حيرة سو لون
بحسب طبع الرجل العجوز راعي البقر، فهو لن يقبل بالتأكيد “قضية كبيرة” تخص النبلاء، ومع ذلك ها هي هذه المرأة تتسلل إلى حفل ذكرى تأسيس داخل مدرسة ممتلئة بالنبلاء
“هل جاءت خلف ظهر العجوز، سرا؟”
حين خطر ذلك على بال سو لون، بدا مستمتعا قليلا
مع أنها متنكرة، إلا أن هنا كثيرين من الخبراء
ليس الخطر في اكتشافها، بل إن انكشافها قد يفسد تحقيقها
فكر سو لون قليلا ثم قرر الاقتراب منها
….
كانت أميليا في منطقة الاستراحة، تتسلل لأكل الحلوى
في البداية كان الأمر مجرد تمويه، لكن بعد أن تذوقت عدة قطع اعترفت في نفسها أن حلوى القصر التي لا توجد خارجا تناسب ذوقها جدا
أخذت قطعتين إضافيتين، وكانت تمسح حشد الراقصين، حين سألها أحدهم فجأة من خلفها: “عفوا يا آنسة، هل لي بشرف دعوتك لرقصة؟”
ردت أميليا بهدوء: “لا شكرا، أنا أنتظر صديقي”
لكن بمجرد أن قالت ذلك، رأت بوضوح من اقترب منها
رغم أن وجهه كان مغطى، فإن غريزة المحققة الخاصة لديها سمحت لها بالتعرف عليه من تفاصيل معينة، إنه ذلك الرجل المزعج
هتفت أميليا بدهشة: “كيف أنت هنا؟”
قال سو لون بنبرة غريبة: “كنت على وشك أن أسألك السؤال نفسه”
تمتمت أميليا: “لماذا أصادفك في كل مكان…”
ثم قلبت عينيها وقالت بصراحة: “حسنا، أخذت مالك يا سيدي لكي أنجز تكليفك”
كان في نبرتها ضيق واضح
تفاجأ سو لون قليلا
“تكليفك هو التحقيق في مصدر الموت الأحمر، فلماذا لا تبحثين في الحي الجنوبي بدل أن تأتي إلى حفل الأكاديمية الملكية؟”
لكنه أدرك في لحظة أن التحقيق ربما تقدم بالفعل
فسأل سو لون: “هل وجدتِ معلومات؟”
أجابت أميليا بانزعاج: “نعم”
“إذن لماذا لم أسمع أي رد منكم؟”
وما إن قالها سو لون حتى فهم شيئا
بما أن هذه المرأة ظهرت هنا، فهذا يعني أنها اصطدمت بمعلومة شديدة الحساسية، فقال: “معلمك لا يريد جلب المتاعب؟”
…
طبقت أميليا شفتيها وصمتت، وكان ذلك بمنزلة تأكيد
ثم قالت: “قلت إن هذه المهمة لن تسبب متاعب، لكن بعد التحقيق… المتاعب كبيرة جدا”
فهم سو لون سبب انزعاجها
الوصول بهذا التحقيق إلى هذا الحد يعني أن الأمر أخطر بكثير مما ظن
ومع أنها تعرف الخطر، فقد جاءت، فحاز ذلك إعجابه في قلبه
مثلما حدث في بيت الموسيقى عندما عادت مرة ثانية لإنقاذ أحدهم
كانت متهورة قليلا، لكنها شخص جيد
سألها سو لون: “هل جئتِ خلف ظهر معلمك؟”
أجابت أميليا بنبرة فاترة وبشيء من الإحباط: “نعم”
ثم ردت بسرعة: “لكن يا سيدي، بسبب تكليفك اكتشف معلمي بعض الحقائق، ومع أنه عرف أنها ستجلب متاعب كبيرة، لم يسمح لي بالتدخل”
عند سماع ذلك كاد سو لون يجزم بالأمر
لم يسارع إلى السؤال عما اكتشفوه، بل سألها: “إن قال معلمك إنه خطر، لماذا جئتِ مع ذلك؟ ألا تخافين أن تواجهي خطرا؟”
رأت أميليا هذا الرجل المزعج ولم تعرف لماذا، لكن نارًا اندلعت في صدرها، وقالت دون أن تعطيه وجها لطيفا: “لقد جئت، أليس كذلك؟”
وبعد هذا الرد خف مزاجها قليلا وأضافت: “لو كنا نعلم أن تكليفك سيتورط بهذا القدر، لما قبلنا العربون من الأساس، لكن بما أننا أخذنا المال فعلينا التزام بعض أخلاقيات المهنة، وإن كان العجوز لا يريد المتابعة، فقد فكرت أن آتي وألقي نظرة سريعة فقط”
كان سو لون يرى أنها رغم كثرة كلامها تحمل إحساسا نادرا بالعدل
قال سو لون: “هل تستطيعين الرقص؟”
كانت أميليا تستطيع، لكنها سألت بحذر: “لماذا؟”
ابتسم سو لون ومد يده بدعوة مهذبة: “تعالي نرقص، الشخصان عند جهة الساعة السابعة من مكتب معلومات لوينغ، وهما يراقبانك منذ مدة”
كان هذا أيضا سبب قدومه إليها قبل قليل
مهارات المراقبة لدى محترفي المعلومات ليست مزاحا
رغم تنكر أميليا الجيد، فهي دخيلة في النهاية
وفي هذا الحفل كثير من الأقوياء
الشخص الذي لا يعرف أحدا ولا يسلم على معارف يبرز أكثر من غيره
لم تنظر أميليا حولها، لكن بعد تنبيهه فهمت الأمر، فمدت يدها على مضض وقبلت دعوة سو لون
…
دخلا وسط حشد الراقصين وبدآ يتحركان على إيقاع الموسيقى، يرقصان رقصة البلاط الكلاسيكية المفضلة في مجتمع النخبة، بإيقاعها الحيوي
كان الرجال يرقصون بحماس واضح والنساء بابتسامات مشرقة
ومع أن أميليا كانت متضايقة، فإنها ارتدت ابتسامة مهنية، مثلما فعلت تلك الليلة في النادي
عرف سو لون أن ضغينتها غالبا بسبب “الدرس” الذي لقنها إياه في تلك الليلة، فقرر ألا يضايقها أكثر
وبينما يرقصان، كانا يتهامسان
قال سو لون: “بصفتي صاحب التكليف، أظن أن لك حقا أن تخبريني بما اكتشفتِه، إن كان هناك خطر فربما أستطيع المساعدة”
نظرت أميليا إليه بحدة لكنها تكلمت: “بسبب تكليفك حققنا أياما، ثم اكتشفنا الأحياء الفقيرة قرب جادة جوهرة الثعلب في حي الملكة، حيث ظهرت أول حالات الموت الأحمر”
لم يتفاجأ سو لون بهذا
كان هذا هو المكان الذي اكتشف فيه انتشار الجرعة في البداية
تابعت أميليا: “بعد تحقيقنا وجدنا أن كثيرا من الأدلة مُسحت عمدا، فتوقفنا، لكن قبل أيام أعلنت الصحف أن شركة باكاي للأدوية الحيوية ستطرح دواء جديدا اسمه الجرعة القرمزية، وبالصدفة هذا علاج للموت الأحمر، وظهور الدواء بهذه المصادفة جعل معلمي يشك أن انتشار الموت الأحمر بفعل فاعل، فتعقبنا هذا الخيط إلى أدلة أخرى… استخدم معلمي طرقا خاصة في التحقيق وتعقبنا حتى مصدر الأمر”
ثم صار صوتها غاضبا: “أنتم النبلاء لا تعرفون حالة الأحياء الفقيرة الآن! انتشار المرض قد يقتل كثيرين جدا! وأنتم ما زلتم تمسكون الدواء لتربحوا أرباحا ضخمة، هل تدركون كم إنسانا ستقتلون؟”
ثم أردفت بحرقة: “أنت لا تهتم طبعا، بالنسبة لك حياة العامة لا تختلف عن الماشية، مهما ماتوا لا يهمك، لديك العلاج فلا تخاف المرض، وإن خرج الدواء، فالذين في الأسفل ولا يستطيعون شراءه، هل عليهم أن يموتوا جميعا؟”
“حقير”
كانت ستصرخ بهذه الكلمات لولا خوفها من انكشافها
كتمت غضبها لتكمل كلامها، لكنها لم تنس أن تسب: “كل النبلاء أوغاد”
صمت سو لون عند سماع ذلك، فلا عجب أنها ممتلئة بالمرارة، فهي على الأغلب تعده نبيلا أيضا
فمعظم الحاضرين في هذا الحفل نبلاء
ثم إن فيك نبيل رفيع أيضا، لذلك لم يشعر سو لون أن توبيخه ظلم
نظر إلى المرأة أمامه، وعيناها مشتعلة غضبا، ففهمها سو لون وقال بهدوء: “أنا أحقق في هذا لأمنع كارثة”
شخرت أميليا ببرود، ورغم أن غضبها لم يهدأ، فإنها لم تستطع إنكار ذلك
لأن هذا ما قاله العجوز أيضا
وإلا لما تكلمت أصلا
سأل سو لون: “إذن لماذا أنت هنا الآن؟”
ترددت أميليا قليلا ثم قالت: “لأن… معلمي استخرج خيوطا تقود إلى شخصية كبيرة داخل الأكاديمية الملكية بوصفها مصدر الموت الأحمر”
عندها قطب سو لون حاجبيه قليلا
ما عجز عنه محترفو المعلومات، كشفه العجوز بطرق خاصة، لكن هذا لم يعد يهم
أضافت أميليا: “بصراحة، من يقفون خلف الأمر خطيرون جدا، ولهذا لم نرد الاستمرار”
فهم سو لون لماذا لم تصله أخبار، لقد خافوا حتى من إبلاغه
فكر سو لون لحظة ثم سأل مباشرة: “من تظنين أنه؟”
خفضت أميليا صوتها بجدية وقالت: “لسنا متأكدين بعد، لكنه شخص يمارس السحر الأسود، قال معلمي إنه استخدم تعويذة استحضار الموتى للتحكم في دمية تشبه الجثة، وكل الأدلة تقود إلى أن هذا الرجل هو من نشر الموت الأحمر”
عند سماع ذلك تضيق بصر سو لون فجأة، وقفزت إلى ذهنه صورة واحدة: “القيّم”
لم يتخيل أبدا أن القيّم المعروف في عالم الجريمة هو في الحقيقة شخص من الأكاديمية الملكية

تعليقات الفصل