الفصل 453 : باب أي مكان لأبعاد فضائية مختلفة
الفصل 453: باب أي مكان لأبعاد فضائية مختلفة
حي الملكة، شارع الببغاء
خرج سو لون من زقاق مهجور بوجه خال من التعبير
وبينما يقترب، بدأ رذاذ خفيف يهبط من السماء، وكان المارة في الشارع قليلين
كان يمسك مظلة سوداء تحميه من المطر، وكانت قطرات المطر تنقر سطحها بخفة
ومد حواسه إلى الخارج، فلم يستشعر أي أعداء مخيفين
كما توقع تماما
فالمدبر الذي يعمل من خلف الستار لن يجعل دخوله صعبا جدا
مرتديا بدلة سوداء، سار سو لون قرب عدة محلات لبيع الأسلحة
لم يبدو المكان مختلفا عن يوم عادي هنا
…
وعندما وصل سو لون إلى مقر شركة أسلحة مارتن، رقم 19 في شارع الببغاء، كان المكتب ممتلئا بالدخان
عصابة الشفرة، نادي الدراجات النارية، جمعية سارقي النار، عصابة الرؤوس الشبحية
كان قادة عدة عصابات كبرى من الحي الجنوبي للمدينة مجتمعين معا
وكان كل واحد منهم بوجه قاتم، يتجادلون بحدة
“لورنس، ما الذي يحدث بحق السماء؟ لماذا هذا الاستعجال المفاجئ على ’البضاعة’؟ لقد جمعنا منذ البارحة 200 إلى 300، أليس هذا كافيا؟”
“بالضبط، لو كانت مجرد فتيات عاديات لهان الأمر، فهن كثيرات، لكن اللعنة عليك، تريد أيضا محترفين، رجالي تحت الأرض ينهارون من التعب، خطفنا كل من استطعنا خطفه في حي الملكة، وتقول ما زال غير كاف وتحتاج 100 أو 200 أخرى؟ إذا استمررنا هكذا فستحدث مشكلة كبيرة”
“همف، أنا أيضا لم أعد أستطيع، الفتيات من العائلات الثرية يصبحن محترفات مبكرا، لكن بعد أن خطفنا عددا إضافيا، يبدو أن الأغنياء انتبهوا لنا، صاروا مستعدين، قبل قليل حاول رجالي خطف ابنة أحد المصنعين في شارع البجع، واندلع إطلاق نار، ومات 8 أشخاص، 8 من رجالي”
“…”
وعند سماع شكاوى زعماء العصابات الآخرين، وقف لورنس، “الدب الهائج” من عصابة الشفرة، بوجه لا يقل ظلمة، وعينين ممتلئتين بمرارة وتعب لا يوصفان
وبعد أن استمع، هز رأسه وتنهد: “يا سادة، أعلم أن الأمر صعب، لكن هذا أمر صارم من الكبار، افعلوا عملكم فقط”
وعند سماع هذا، قال ألبرت “مسدس اللحام” من نادي الدراجات النارية بعدم رضا: “لورنس، أعطنا جوابا واضحا، من الذي يحتاج هذه البضاعة بهذه السرعة وبهذه الأعداد؟ ألا تخاف أن تبدأ الاستخبارات العسكرية بمراقبتنا؟”
هز لورنس رأسه: “هل نسيتم قواعد الشارع؟ حتى لو استطعت أن أقول، هل ستجرؤون على سماعه؟ وكيل شركة بلاكستون موجود هنا، من هو لم يعد مهما الآن”
وعند سماع ذلك، عم الصمت الجميع
فعلا، كما قال لورنس، هؤلاء المجرمون يعملون أساسا في تهريب السلاح، وكل شيء يعتمد على شركة بلاكستون ونصيبها من الأرباح، وأمر من كبارهم لا يمكنهم عصيانه
لكن بعد لحظة تفكير، سأل أحدهم على مضض: “وكم هو كبير هذا ’الكبير’؟”
أراد لورنس أن يتكلم، لكنه لم يجرؤ، فاكتفى بأن أشار إلى الأعلى وقال: “كبير إلى قمة السماء”
ثم أضاف: “نفذوا العمل يا سادة، أضمن لكم ألا يتدخل المسؤولون في لينغدون، لم تستطيعوا خطف ابنة تاجر؟ إذن استهدفوا النبلاء، أو فتشوا في الأكاديميات التحضيرية الكبرى، مهما كان، يجب أن تجمعوا عددا كافيا، أقولها بوضوح، إن نجحتم سنغتني جميعا، وإن فشلتم، إن غضب الكبير فسأهلك أنا بلا شك، وأنتم لن تنجوا أيضا”
ظهرت على وجوه قادة العصابات تعابير متقلبة، كانوا يدركون خطورة الأمر
وبحثا عن حل، عضوا على أسنانهم وبدؤوا بإبلاغ أفراد عصاباتهم لمواصلة الخطف
…
واصل سو لون طريقه
أراد أن يستشعر إن كان هناك محترفون من القمة يترصدون حول المكان، وأن يرى إن كان يستطيع التقاط أي أثر لكارما
وبينما يمشي، وصل أخيرا إلى مبنى تحمل بوابته الحديدية الرقم 19
كانت سابينا قد جمعت معلومات تقول إن هذا المكان كان مستودعا عسكريا مهجورا تابعاً لجيش إمبراطورية لوينغ، والآن أصبح مكتب “شركة أسلحة مارتن”
كان عدة أفراد من العصابة يراقبون تحت السقف ويتحدثون بملل، واضح أن الوقت يمر عليهم ببطء
عرف سو لون أنه وجد المكان الصحيح
لأنه في استشعاره، داخل غرفة في الطابق الثالث من هذا المبنى، كانت هناك مجموعة من المحترفين من الرتبة الثالثة أو الرابعة
ورغم أنه لم يستشعر وجود كارما أو أوغست، إلا أن بين هؤلاء الأشخاص واحدا كان سو لون قد رآه من قبل
إنه لورنس “الدب الهائج” من عصابة الشفرة
وبناء على ما حدث سابقا في نادي الموسيقى، فمن المرجح أن هذا الزعيم هو من يتولى الأعمال القذرة لصالح عائلة رودريغيز، وهو أيضا من يوفر الدم العذري لأوغست
ومجرد العثور عليه سيكشف أين يوجد أوغست
توقف سو لون عند الباب نصف دقيقة، يراقب محيطه، وكان على وشك الدخول، لكن في تلك اللحظة اقتربت بسرعة من جانب الشارع سيارة بخارية سوداء
وبمجرد أن وصلت، فتح السائق النافذة وصاح: “يا أخي، تسليم”
نظر الحارس إليه ثم فُتح حاجز المدخل، فدخلت السيارة مباشرة
وفي استشعاره، عدا السائق كان في السيارة ثلاثة أشخاص آخرين
ومن حديثهم، بدا أن أحدهم على الأرجح هو “البضاعة” التي تم خطفها
عادة، هذا لا يجعل سو لون يلتفت ثانية، لكنه اكتشف بشكل غير متوقع أن شخصا كان متشبثا بأسفل السيارة
وفوق ذلك، تذبذب روح ذلك الشخص كان مألوفا، إنه راعي البقر العجوز “المحقق الروحي” جيروم الذي رآه من قبل
“كيف وصل هذا الرجل إلى هنا؟”
مرت في ذهن سو لون لحظة حيرة
لكن حين رأى هذا الرجل يتسلل بالتشبث بأسفل مركبة، فهم فورا أنه جاء على الأرجح للتحقيق
فهو محقق خاص شديد الكفاءة
“لكن هذه القضية واضحة أنها كبيرة جدا، وبحذر هذا الرجل، لا ينبغي أن يجرؤ على توليها…” ثم خطر ببال سو لون أمر وقال في نفسه: “هل يمكن أن مساعدته أميليا قد خُطفت؟”
وبعد التفكير، بدت الفكرة هي الأرجح
فبحسب المعلومات حتى الآن، قد يكون أوغست من عائلة رودريغيز وحشا قديما جدا
وهذا يعني أنه يعتمد بشدة على خاتم مصاص الدماء لليليث كي يبقى حيا
لكن التقييم السابق أشار إلى أن خصائص اللعنة في الخاتم تتطلب تضحيات أكبر كلما تأخر الوقت
وبعد أن أصيب بجروح خطيرة بسبب محاولة اغتيال بالأمس، فمن المرجح أن عدد الفتيات اللاتي يحتاج لالتهامهن صار مرعبا
وكما علم سو لون من سابينا، من البارحة إلى الآن، كانت حالات اختفاء فتيات محترفات شابات في جنوب لينغدون كثيرة فعلا، حتى تراكمت البلاغات
لكن في لينغدون، البحث عن مفقودين وما شابه يكون أسرع عبر المحققين الخاصين من الشرطة
خصوصا لدى عامة الناس
ولهذا يحصل المحققون الخاصون على تكليفات كثيرة للعثور على المفقودين
تذكر سو لون أميليا التي تفيض بحس العدالة
وفي هذا التوقيت الحرج، لن يكون غريبا أن تُختطف بوصفها محققة ومحترفة من الرتبة الثانية
…
استشعر سو لون أن راعي البقر العجوز دخل المبنى بالفعل، ولا شك في قدرته على التحقيق
بدت خطته أن يتبع الفتاة المخطوفة التي وصلت للتو، ثم يعرف أين يرسلونها، ومن هناك يقتفي الأثر ليصل إلى الشخص المطلوب
لكن سو لون شعر أن هذا التفاف غير ضروري
فرغم أنه لم يستشعر وجود أوغست قرب المكان، إلا أن عصابة الخطف ما دامت أحضرت الضحية إلى هنا، فمن المرجح أن أوغست يختبئ في مكان قريب
وكارما في خطر وشيك، ولا وقت للتأخير
ولم يكن سو لون مستعدا لانتظار راعي البقر العجوز ليجمع المزيد من الأدلة
ما داموا هنا لإنقاذ، فلا يهم إن أيقظوا الأفعى المختبئة
بل إن إحداث ضجة قد يجبر الثعبان السام المختبئ على الظهور
وبهذه الفكرة، لم يتردد سو لون، نظر إلى مكتب الطابق الثالث، وضم أصابعه بختم ساحر، وتقدم نحو شق مكاني ظهر أمامه
وفي لمح البصر، كان قد انتقل من مدخل المبنى الصغير إلى داخل الغرفة
…
في مكتب “شركة أسلحة مارتن”، كان الضجيج يعم المكان
لكن فجأة دخل الغرفة رجل غريب يحمل مظلة سوداء ومنجلا أسود
“من أنت…”
تغيرت ملامح هؤلاء الزعماء من الرتبة الثالثة والرابعة عندما رأوا متسللا غريبا
لكن قبل أن يسألوا أكثر، لمع منجل سو لون الأسود مرتين بسرعة
حيثما مر نصل المنجل شطر كل شيء إلى قسمين
عرف هؤلاء الزعماء أنهم واجهوا خصما صعبا، وأطلقوا النار وهم يهربون بجنون نحو مخرج المكتب، بعضهم حطم الزجاج، وبعضهم اندفع من الأبواب، وبعضهم اختبأ تحت المكاتب
لم يهتم سو لون بالفارين، بل وجه منجله الأسود مباشرة نحو الرجل ببدلة لامعة، “الدب الهائج” لورنس
تحت الضغط القاسي، ظهر على وجه لورنس رعب شديد، وفهم فورا أن حادثة الخطف انكشفت وأنه وقع في مصيبة
لكن هذا الرجل لا بد أنه يملك مهارة ما ليحظى بتقدير أوغست
وعندما رأى المنجل الأسود يهبط عليه، راوغ بمرونة مذهلة وتفادى الضربة بشكل مدهش
ثم أطلق زئيرا وحشيا، والتوت عضلاته، ونما شعره بسرعة، وتحول إلى هيئة دب هائج في غمضة عين
وعندما رأى أن هناك من يهاجمه مباشرة، عرف لورنس أنه اصطدم بجدار صلب
لم ينو الاشتباك وجها لوجه، فانطلق للأمام بحسم، ومع “بانغ” حطم جدار المكتب وركض من دون أن يلتفت
هل سيمنحه سو لون هذه الفرصة؟
بدا كأنه توقع ذلك، فأمسك بيده، وظهرت فجأة خيوط شفافة على الجدار، وتحول لورنس المتحول إلى وحش كفريسة عالقة في شبكة عنكبوت، يتخبط بجنون كي يتحرر
وكانت قوة هذا الرجل أعلى بوضوح من محترفي الرتبة الرابعة العاديين، ومع مقاومته العنيفة بدأت تظهر علامات كسر الخيوط
وعند رؤية ذلك، ضاقت عينا سو لون، ورفع يده وضرب بالمنجل الأسود مرة أخرى
لكن مشهدا غير متوقع حدث، إذ انكسر خاتم في إصبعه فجأة، وفي الوقت نفسه أطلق ضوءا أصفر
وكان هذا الحاجز الضوئي قد أذاب الشق المكاني للمنجل الأسود بشكل مفاجئ
“هاه…؟”
قال سو لون في نفسه هه خفيفة
من الواضح أن هذا أيضا غرض ملعون دفاعي ممتاز، لكنه للاستخدام مرة واحدة
وبعد أن نجا من ضربتين قاتلتين، أثبت لورنس أنه استثنائي بين محترفي الرتبة الرابعة
فقد كسر الخيوط بعنف، وقفز عشرات الأمتار في طرفة عين
لكن في اللحظة التالية ظهر سو لون بجانبه كأنه شبح، وقد اكتمل سحره، رفع يده للأمام وقال بهدوء: “خيمياء الفراغ – الحبس المكاني!”
صار الفضاء لزجا كالصمغ، وحاول لورنس المقاومة
لكن هل سيمنحه سو لون فرصة أخرى؟ هبط المنجل الأسود، وفورا اندفع الدم في الهواء
وظهرت “ضباب رمادي” بسرعة فوق الجثة
وبعد أن حصد سو لون ما يريد، هضم المعلومات مباشرة، وتفاجأ حين اكتشف أن أوغست كان يختبئ بالفعل داخل هذا المبنى
…
وفي تلك اللحظة، هرع شخص متسلل أيضا بعدما سمع الخبر، وظهر عند نهاية الممر
وعندما رأى سو لون وقد أسقط ظل الحاصد في مرحلة الموت الثانية، صُدم بشدة: “مرحلة الموت الثانية؟ هل قدم هذا الرجل روحه للحكام أيضا؟”
كما لاحظ سو لون راعي البقر العجوز وهو يسرع نحوه، فنظر إليه بطرف عينه
ورغم أنه لم ينو قتله
فإن موهبة المرحلة الثانية كانت تحمل ضغطا مرعبا، كأن الموت نزل بنفسه
هيبة بلا غضب
وخوفا من ألا يتعرف سو لون عليه، خلع راعي البقر العجوز تنكر العصابة بسرعة وقال بتواضع: “يا سيدي العميل، لا تسيء الفهم، أنا من جماعتك، لا تهاجم”
لم يكن يتوقع أن يلتقي سو لون هنا
كان يريد البحث عن أدلة، لكن الآن، شخص أجرأ وأكثر قدرة اقتحم المكان مباشرة
ومن الواضح أن هذه طريقة أكثر مباشرة
وعندما رأى تَجَلّي ظل الحاصد، عرف راعي البقر العجوز أن هذا سحر موت قوي
سار سو لون نحوه مباشرة دون إضاعة كلام، ورمى جهاز اتصال وقال: “أحتاج أن أعثر على باب عليه سحر في هذا المبنى، قد يظهر عشوائيا في مكان أي باب”
كان راعي البقر العجوز محققا محترفا شديد المهارة، وإضافة شخص للبحث تعني قوة أكبر
“باب خاص؟”
تجمد راعي البقر العجوز لحظة ثم فهم بسرعة: “حسنا!”
لا حاجة للأسئلة، فكل من في هذا المكان لا بد أنه جاء للسبب نفسه
ثم انقسما، وكل واحد اتجه نحو درج مختلف
وبعد أن نزع سو لون ذاكرة لورنس للتو، صار يعرف أيضا أن أوغست بالفعل يتعافى داخل هذا المبنى
لكن الموقع ليس مؤكدا
لأن أوغست يمتلك غرضا ملعونا مكانيا شديد الخصوصية، “أبواب الأبعاد الفضائية العشوائية”
كان يختبئ داخلها
…
اقتحم سو لون مكتب شركة مارتن بالقوة، واخترق معقل عصابة كبيرة
وفي لحظة انفجر شارع الببغاء بالفوضى، وبدأت العصابات المختلفة تحرك قواتها
الموجة الأولى جاءت بدراجات نارية كثيرة من الشوارع القريبة، وكان الشارع الذي بدا قبل قليل شبه خال، قد امتلأ فجأة بمئات الأشخاص، ومع انتشار النداء عبر أجهزة الاتصال، واصل أفراد العصابات التدفق إلى شارع الببغاء بلا توقف
ولأن هذا الحي أصلا شارع أسلحة، لم يكن القادمون يفتقرون إلى البنادق، حملوا السلاح واندفعوا نحو المبنى
كان سو لون قد صعد الدرج للتو حين اصطدم وجها لوجه بمجموعة أفراد يحملون أسلحة نارية متنوعة
لم يضيع الطرفان وقتا في الكلام، انفجر إطلاق نار فوضوي
ثم سقطت كومة من الجثث
وبعد أن جمع سو لون الأسلحة، واصل تفقد الأبواب في كل طابق محاولا العثور على “باب” غير طبيعي
ومن الجهة الأخرى، انفجر في درج آخر صوت إطلاق نار عنيف أيضا
لم يقلق سو لون
راعي البقر العجوز قد يبدو خائفا، لكن قوته القتالية الحقيقية قوية جدا بلا شك
صلِّ على النبي ﷺ، ثم أكمل الفصل بروح هادئة.
وهذا يفوق ما تستطيع تلك العصابات تحمله بكثير
كان في مقر شركة مارتن غرف كثيرة مع مستودع في القبو، وبالمجموع عدة مئات من الغرف
فتش سو لون عدة طوابق بسرعة، لكنه لم يجد أي باب فيه شيء غير طبيعي
وفجأة جاءه صوت عبر جهاز الاتصال: “وجدته!”
تصلبت ملامح سو لون، وفي لحظة انتقل مكانيًا إلى جانب راعي البقر العجوز في طابق آخر
وكان راعي البقر العجوز لا يزال يضع جهاز الاتصال قرب فمه، فارتبك قليلا عندما ظهر سو لون فجأة بجانبه
لكن عندما تذكر ظل الموت الذي رآه قبل قليل، خمّن أن هذا هو الرجل الذي تتحدث عنه الصحف
ولم يعد ذلك يدهشه
وبمجرد وصول سو لون، نظر إلى الباب رقم 304 أمامه، ولم يكن يبدو مختلفا، وسأل: “أين؟”
أشار راعي البقر العجوز إلى الباب: “هنا، لكنه هرب”
ثم استعجل وأضاف: “لقد وسمت الباب بالفعل”
تجعدت ملامح سو لون وسأل: “وأين صار الباب الآن؟”
أخرج راعي البقر العجوز من جيبه بوصلة قديمة تفوح منها رائحة النحاس، وتفقدها، ثم أشار إلى الأسفل: “القبو الأول، على عمق 20 مترا، في الممر الأيسر”
وأضاف وهو لا ينسى التحذير: “إنه باب واع، يهرب عند أول إحساس بالخطر، عندما تراه أمسكه فورًا”
“همم”
وبينما كان صوت سو لون لا يزال يتردد في الممر، كان جسده قد اختفى بالفعل
…
في غمضة عين، ظهر سو لون في القبو الأول
وأمام نظرته باب بسيط المظهر، لكن عينه العليمة ميزته ليس “بابا عاديا” بل “باب أي مكان بين الأبعاد”
راقب سو لون تذبذب الطاقة المنبعث منه، وكان واضحا أنه يخطط للهروب
كان مستعدا، فانقض بسرعة وأمسك مقبض الباب
وتصلبت التموجات المكانية، واستقر الباب فورا، كأنه ثعلب شُد بسلاسل حديدية
وبتفقد أدق، كان هذا الباب يملك تأثيرا شبيها بـ “رقعة شطرنج ستانيتز” التي لدى سو لون، قادر على إنشاء بعد مستقل بديل
لكن هذا ليس فضاء حقيقيا، بل فضاء شبيه بالحلم، يصنف غرضا ملعونا من النوع الغامض
ولهذا لم يستشعره سو لون بحواسه المكانية سابقا، لأن هذا الباب من النوع الغامض لا النوع المكاني، كما أنه ليس من مستوى منخفض
وفوق ذلك، الباب نفسه يملك درجة من الوعي، يستشعر نية من يلمسه ثم يقرر الهرب أو البقاء
ولهذا كان آمنا جدا لأوغست كي يتعافى داخله
لو لم يفهم سو لون قانون الفضاء ويمسكه
لما لاحظ الناس شيئا، وحتى إن لاحظوا، فعند فتحه سيبدو كأنه باب عادي تماما
عند رؤية هذا الغرض الملعون، لم يستطع سو لون إلا أن يشعر بالاهتمام
عائلة رودريغيز، بتراكمها عبر قرون، تملك فعلا كنوزا خاصة كثيرة
وازداد حذر سو لون في قلبه أكثر
فذلك الوحش العجوز على الأرجح لا يملك فقط “خاتم مصاص الدماء لليليث”
…
كان هذا الباب خاصا جدا، ليس فقط صعب العثور عليه، بل إن الدخول إليه يعني السقوط في عالم مبني بقوى غامضة، ويمكنه أيضا أن يحبس من يغامر بالدخول
لكن بالنسبة إلى سو لون، كان هذا أمرا بسيطا
ما كان يقلقه هو حال أوغست في الداخل
فمثل هذا الكائن، حتى لو كان مصابا بجروح خطيرة، لا بد أنه لن يضع نفسه في خطر بلا ضمان
كونه يتعافى هنا يعني أن لديه وسيلة للنجاة حتى لو كُشف
لم يتردد سو لون، وبعد أن ترك إحداثياته المكانية على مقبض الباب، أدار المقبض
وعندما فتح الباب، استقبله فراغ واسع
خطا سو لون إلى الداخل مباشرة
وتبدل المشهد حوله من ممر إلى شيء يشبه… داخل كائن حي
هاجمت أنفه رائحة دم ثقيلة
كانت رائحة دم فاسدة
ورغم أن سو لون لا يملك موهبة شم، فإن تمييزه للروائح قوي، فعرف فورا هذا العفن المقزز، إنه خليط من مئات أنواع الدم البشري
وفوق ذلك، كانت الضغائن كثيفة جدا
كان الفضاء معتما، والجدران حوله حمراء داكنة، بل كانت تنبض كأن لها نبضا
وعند التدقيق، كانت الجدران مغطاة بأوعية دموية سميكة، وكانت بعض الأنسجة اللحمية القرمزية معلقة في الفضاء
إنه فضاء لحمي
لم يتفاجأ سو لون
فقد رأى مشهدا مشابها من قبل، وكان يعلم أن هذا تجل لتشوه جسدي اندمج مع الفضاء
وبمجرد دخوله، عرف أن حال أوغست أسوأ مما تخيل
اتسعت حدقتاه وهو يلتقط الفضاء كله بنظرة واحدة
وكما توقع، الهوية ليست بشرية بل “الطاغية الشره المتحول – أوغست”
…
“لقد تشوه فعلا…”
راقب سو لون بعبوس خفيف، وأحكم قبضته على المظلة السوداء المنقوشة بالرون
لم يهتم بما صار عليه أوغست، لأن ما استشعره لحظة دخوله كان أكثر من 100 تذبذب روح
بعض الأرواح كانت واهنة جدا على وشك التلاشي، وبعضها بدأت تظهر عليه علامات التحول إلى أرواح حاقدة
وهذا يعني أن هناك أحياء وأيضا من ماتوا حديثا
ميز سو لون هذه التذبذبات بحذر، ثم ضاقت حدقتاه فجأة: “كارما هنا حقا!”
اندفع الفرح في قلبه
وبمجرد أن ثبت الاستشعار
وجد سو لون أيضا أن تذبذب روح كارما ما زال واضحا جدا
لا تبدو كمن ماتت
لكن ما زالت تحمل خيوطا ضعيفة من الحياة
وفوق كارما، اكتشف أيضا أن تذبذب روح أميليا موجود هنا كذلك
“جيد، لم يموتوا بعد”
شعر سو لون براحة كبيرة
وبما أنه جاء للإنقاذ، لم يتردد، انتقل مئات الأمتار وظهر في زاوية من هذا العالم اللحمي
وبمجرد أن نظر حوله، رأى كتل أنسجة قرمزية تشبه أورام الأجنة، معلقة في الهواء بواسطة أوعية دموية متينة
وعند التدقيق، كان داخل كل كتلة من مئات الكتل فتاة شابة عارية، وكأنها كيس نقل دم، كانت الكتلة المحيطة بها تسحب دمها لتغذي الفضاء كله
كانت الفتيات العاريات منكمشات داخل سائل شفاف، يبدون كأنهن نائمات
لكن عندما استشعر سو لون وجودهن، وجد أن أرواح معظمهن قد اختفت، ولم يبق إلا أجساد فارغة شاحبة
من الواضح أنهن ميتات منذ مدة
“أوغست هذا الوحش العجوز امتص مئات الأشخاص في ليلة واحدة…”
ضاقت عينا سو لون قليلا
وفي الوقت نفسه بدأت آلته التي يحملها تلتقط صورا بلا توقف، تسجل كل شيء
والخبر الجيد أن كارما، ربما لأنها أُحضرت متأخرة، لم تُستنزف بالكامل بعد، وما زالت تحمل أثرا من الحياة
لوح سو لون بمنجله الأسود بسرعة، و”سويش، سويش، سويش”، فقطع أكياس الدم الخاصة بكارما وبنحو 20 أو 30 فتاة أخرى ما زلن بالكاد على قيد الحياة
وانسكب سائل شفاف لزج في كل مكان، وسقطت عشرات الفتيات فاقدات الوعي على الأرض
بعضهن كان ما زال شبه واع، وبعضهن استفاق بسبب السقوط، لكن بسبب فقدان الدم الشديد لم يقدرن إلا على رفع عيون شاحبة مستسلمة نحو سو لون الذي جاء لإنقاذهن
وفي اللحظة التي قطع فيها سو لون الأورام اللحمية، بدا أن الفضاء الدموي كله استيقظ، إذ تمددت الأوعية الدموية في الأرض والسقف كعلقات ترفع أعناقها، وتجمعت لتعود وتوصل نفسها وتواصل امتصاص دم الفتيات
وخزت فروة رأس سو لون قليلا
ثم استشعر تذبذب روح خلفه على مسافة ليست بعيدة
استدار بسرعة، فرأى كتلة لحم حمراء تتورم من أرضية الدم، ثم تشكلت بسرعة إلى هيئة بشرية
وبملامح وسيمة، من يكون غير أوغست؟
…
فاجأه الدخيل في فضائه الغريب هو أيضا، وعندما نظر إلى سو لون سأل بصوت غائر: “من أنت؟”
كان يعرف أن تعافي جروحه يحتاج عددا كبيرا من الفتيات، وخطف هذا العدد لا يمكن أن يبقى سريا
لكن أن يُكتشف بهذه السرعة، هذا فاجأه رغم ذلك
وامتلأت عينا أوغست بنظرة قاتمة وهو يرى سو لون يقطع مصادر دمه العديدة، لكنه لم يتدخل
لأنه ما داموا داخل هذا الفضاء، فهم لحم ابتلعه بالفعل
ولم يشعر بأي تهديد من هذا المتسلل
لأنه داخل هذا الفضاء، لا أحد يغادر حيا
حتى محترف من الرتبة السابعة سيموت
والشخص أمامه واضح أنه ليس من الرتبة السابعة
…
ورغم أن سو لون رأى أوغست عدة مرات، فإن هذا الرجل لم يتعرف عليه بوضوح
وعند سماع السؤال، لم يضيع وقتا في المجاملة، وبمجرد أن تقابلا هاجمه بمنجله الأسود
لاحظ أوغست المنجل الأسود، فضاقت عيناه قليلا، لكنه لم يحاول المراوغة، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة
ومع “سويش” انشق الفضاء وشطر جسده إلى نصفين
ثم امتلأ المكان بضحكة باردة متقطعة
وعند النظر مجددا، كان جسد أوغست المشطور يعيد تكوين نفسه بوضوح
صارت عينا سو لون حادتين، وفهم خدعة ما: “لا يمكن قتله داخل هذا الفضاء؟”
وفي تلك اللحظة، لمح سو لون من طرف عينه كارما والفتيات على الأرض، وبدأ دمهن يُسحب مجددا
لم يتردد سو لون، رفع يده وضرب مرتين إضافيتين، فقطع أوغست إلى عدة قطع من جديد
وتكرر المشهد كما حدث قبل لحظات
تجمع أوغست مرة أخرى من جدران اللحم والدم، وواصل ضحكه البارد باحتقار، وهو يسأل بلا توقف: “من أنت بالضبط؟ كيف دخلت إلى هنا؟ تكلم، وربما أتركك تغادر حيا”
كان قد أدرك أن المنجل الأسود ليس غرضا مسحورا عاديا، بل بدا مألوفا، لكنه لم يتذكره
وكان مثل قط يراقب سمكة في وعاء، هذا الوحش العجوز من عائلة رودريغيز لم يستعجل الهجوم، بل أراد انتزاع معلومات مفيدة من فم سو لون
حدسه أخبره أن ما يحدث مشكلة كبيرة
اغتيال بالأمس، ثم اليوم يظهر شخص هنا، في وقت كان يحتاج بضعة أيام فقط ليشفى، ثم يأتي أحدهم الآن؟
ومع وجود عصاباته في الخارج، كون هذا الرجل دخل يعني أن وضعه انكشف
كيف وصل هذا الرجل إلى هنا؟
ماذا يعرف؟
شعر أوغست أنه يجب أن يحسم هذه الأسئلة، وإلا قد يواجه مشكلة أخطر
لكن ما تلقاه كان مجرد شقوق مكانية إضافية من المنجل الأسود
…
“سويش”، “سويش”، “سويش”
تقطع جسده اللحم والدم مرة أخرى
وعند المرة الثالثة، لم يعد جسد أوغست المقطع قادرا على التجدد فورا، واضطر أن ينبت جسدا جديدا من جدران اللحم مرة أخرى
وبعد أن رأى عبث محاولات الغريب، حاول الإقناع: “بلا فائدة، هنا لا تستطيع الهرب، ولا تستطيع قتلي، إن جئت لإنقاذ أحد، قل لي من هو، إن أجبت عن أسئلتي قد أسمح لكم جميعا بالمغادرة”
“…”
لم يصدق سو لون كلماته
بعد أن كشف سر هذا الوحش العجوز، من المؤكد أنه ينوي القتل
يتركه يغادر؟
هل يظن أحدا لا يعرف أنه وحش قديم؟
وقد جرى حسابه من الأعداء إلى هذا الحد، وما زال يظن أنه يستطيع التظاهر بالبراءة
ثم إن سو لون يستطيع الخروج من هذا المكان وإنقاذ الجميع دون أن يسمح له أحد
كان قد نفذ ضربات اختبار ليكسب وقتا ويفهم كيف يقتل هذا الوحش العجوز
والآن حان وقت التنفيذ
مد سو لون يده في الهواء فجأة، وشد الخيوط على أصابعه بعنف
فانجرت عشرات الفتيات المحبوسات داخل كتل اللحم إلى الأمام، وشدت أوعية الشفط بقوة، وفي تلك اللحظة اجتاحت خيوط حادة المكان فقطعت الاتصال بين الأورام والفضاء مرة أخرى
لكن هذه المرة لم يضع سو لون الأورام المقطوعة على الأرض، بل شكل بيده الأخرى ختم ساحر بسرعة، وفتح دوامة ثقب أسود في راحته
وبسحب الخيوط، أُدخلت عشرات الفتيات إلى عالم فراغه الصغير
هناك كان فريق دكتور بانكس الطبي جاهزا، ويمكن للفتيات اللواتي فقدن دما كثيرا أن يحصلن على علاج فوري
وبعد أن فعل ذلك، أخذ سو لون نفسا عميقا وشعر براحة كبيرة
لقد نجاَت كارما أخيرا

تعليقات الفصل