تجاوز إلى المحتوى
صياد الألغاز

الفصل 206

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل 206

[عندما أكبر]

عندما سمع السيد شاو اسمه، غمره شعور مفاجئ بالسعادة، تمامًا كما يشعر أطفال الروضة حين يثني عليهم والدوهم؛ وهو شعور لم يختبره منذ زمن بعيد. فالجميع في سلك الشرطة الجنائية يعرفون “شاو لاو”، حتى إن أكاديمية الشرطة تعتمد كتبه كمناهج تعليمية.

كثيرًا ما يلتقي بأشخاص غرباء يناقشون معه قضايا علم النفس، وتحدث الكثيرون أمامه عن مؤلفاته، لكن “شاو لاو” شعر هذه المرة بشعور استثنائي يلامس قلبه.

كانت الجدة لا تزال تتحدث، بينما كان “شاو لاو” يتفحص المنزل بعين خبيرة، تارةً بعمد وتارةً دون قصد. لم يكن هناك سوى زوجين من النعال عند الباب، وملابس الرجل العجوز كانت وحدها المعلقة على المشاجب. كوب ماء وحيد على طاولة القهوة، وبقية الأكواب مقلوبة في مكانها المخصص. وفي إطارات الصور الموضوعة بجانب خزانة التلفاز، لم تكن هناك سوى صورة لشخص واحد.

في حوالي الساعة العاشرة من ليلة أمس، سمعت هذه العجوز وحدها صوت شجار قادم من الشقة المقابلة.

مسح “شاو لاو” يديه بمنديل وسأل: “هل تعيشين بمفردك؟”

ردت الجدة: “وهل آكل لحم الخنزير السمين؟”

قال: “لقد قال الطبيب إنه لا يمكنني تناول الكثير من الدهون، فهذا ليس جيدًا لصحتي.”

هز “شاو لاو” رأسه مكررًا سؤاله: “أقصد، هل تعيشين بمفردك؟”

أجابت: “نعم، أعيش وحدي.”

“أين أطفالكِ؟” استغرب الشيخ شاو، لأنه لم يرَ أي شخص آخر في الصور، ومن خلال تفاصيل المنزل، بدا أنها تعيش بمفردها طوال الوقت.

قالت الجدة مبتسمة: “لم أتزوج أبدًا، لذا ليس لدي ابن أو ابنة.”

“لم تتزوجي أبدًا؟” تعجب شاو؛ ففي مثل سنه، يكون لدى الآخرين أحفاد، لكنه هو الآخر ظل وحيدًا. وبالنظر إلى الثلاثين عامًا الماضية، لم يكن السبب هو انعدام المعجبين أو الرفض، بل لأنه منذ رحيل تلك الإنسانة، لم يستطع أحد دخول قلبه.

حين كان يستيقظ وحيدًا من أحلامه، أو حين يرى نكتة مضحكة، كان يفكر دائمًا: “لو لم أكن وحيدًا…”، لكنه حين يرى صورة تلك المرأة بجانب سريره، يهمس لنفسه: “لو لم تكن هي، فمن الأفضل أن أظل وحيدًا”.

قالت العجوز بنبرة غامضة: “لستُ من أولئك الفتيات اللواتي لم ينظر إليهن أحد أو لم يطاردهن أحد! عندما كنتُ صغيرة، كان الطابور يمتد من شرق القرية إلى غربها. لكنني كنتُ دقيقة في اختياري، ولم أجد من يستحق، لذا لم أتزوج أبدًا.”

تابعت العجوز بوقار: “لكن أوه! كانت المرة الأولى التي أحببتُ فيها حين كنتُ في الخامسة عشرة. في ذلك الوقت، لم تكن الأمور ميسرة كما هي الآن، وكان الحب المبكر من المحرمات الكبيرة، وربما يُعرض صاحبه للنبذ والشتائم طوال حياته.”

قال “شاو لاو” بقلة حيلة: “يا أختاه، ما تتحدثين عنه هو الآن، أما في ذلك الزمان فلم يكن مسموحًا لنا بالحب المبكر…”

تنهدت الجدة: “ومن يهتم؟ لقد أحببتُ! ثم خمن ماذا حدث؟ لاحقًا أجبروه على الزواج مبكرًا! كنتُ في التاسعة عشرة حينها، ورفضتُ الزواج. لم يعجبني أي شخص قدمه لي الوسطاء، فكيف لي أن أقبل به؟”

قالت والدتي إنني وقعتُ في الحب في سن صغيرة، وضيعتُ سن الزواج. ضحكت الجدة حين تذكرت ذلك: “هل كنتُ أهتم بكلامهم؟ قلتُ إنني لن أتزوج، وكنتُ أريد إكمال دراستي! لقد بذلتُ جهدًا جبارًا لألتحق بالجامعة.”

أومأ “شاو لاو” برأسه؛ ففي تلك الأيام، كان عدد الجامعيين قليلًا جدًا، والفتيات منهم أقل بكثير.

نظرت الجدة إليه وقالت: “كفانا حديثًا عني. أنت أصغر مني بكثير، ماذا عنك؟ هل احتضنت حفيدك؟”

هز “شاو لاو” رأسه: “أنا مثلكِ تمامًا، قضيتُ حياتي وحيدًا. لكنني لستُ بذكائكِ، فقد وقعتُ في الحب مرة واحدة فقط في حياتي.”

أومأت الجدة: “إذًا أنت أقل حظًا، لماذا لم تكتمل قصتك؟ هل تزوجت هي شخصًا آخر؟”

تذكر “شاو لاو” السنة التي كان فيها في الثلاثين، أجمل سنوات عمرهما. ارتكب حينها أخطاءً عاطفية كثيرة، لكنه فعل أيضًا أشياءً رائعة. كانا يتشاجران ويتقلبان، وكان يشعر دائمًا أنهما سيكبران معًا.

أشار “شاو لاو” إلى رأسه وقال: “وقع حادث.. دخلت في غيبوبة مستديمة، ولم تستيقظ أبدًا حتى فارقت الحياة.”

سمعت الجدة كلماته وأومأت برأسها قائلة: “انظر، لا يوجد خطأ في ذلك. أن تكون مع شخص لأنك تحبه، فهذا هو الأفضل. أما أن تكون معه لمجرد أنك وحيد، فهذا ليس جيدًا لأي طرف. إذا كنت قد عشت الشغف يومًا، فكن راضيًا!”

أدرك “شاو لاو” أن هذه السيدة ليست امرأة عادية؛ فهي تملك انفتاحًا ذهنيًا وحكمة لا يمتلكها الكثيرون. وبصفته رجلًا مسنًا، اعتاد أن يسأله الناس عن خبرته، لكنه هو من كان يشعر بالارتباك أحيانًا، ولم يجد إجابات لبعض أسئلته إلا الآن.

سأل “شاو لاو”: “ماذا درستِ في الجامعة؟”

مَــ.جـرّة الرِّوايــ.ات: مشاهد القتال والعنف هنا لا تمت للواقع بصلة، حافظ على سلامتك النفسية. galaxynovels.com

أجابت الجدة: “الفلسفة. كما تعلم، جيلنا عاش تقلبات مدمرة، وكل من عاصر ذلك الوقت كان يشعر بالضياع. الأسئلة الثلاثة الأهم في الفلسفة هي: من أنا؟ من أين أتيت؟ وإلى أين أذهب؟ في ذلك الوقت، لم يستطع أحد إجابتي، فكان عليّ البحث بنفسي.”

سأل “شاو لاو”: “وهل وجدتِ الإجابة؟”

هزت الجدة رأسها: “لا، الفلسفة لها معانٍ تختلف من شخص لآخر، ولا توجد إجابة ثابتة للجميع. هذا يتطلب منا بحثًا يستمر مدى الحياة.”

أومأ “شاو لاو” وقال: “مررتُ بثلاث مراحل في حياتي. عندما كنتُ شابًا، كنتُ أؤمن بأن العدالة هي القبض على الأشرار وكشف الحقيقة. وفي منتصف العمر، شعرتُ أن القبض على الشرير يكفي، ولا حاجة للحقيقة أو إخبار الآخرين بها، فآذيتُ شخصًا وثق بي.”

تنهد قائلًا: “الآن وقد كبرت، صرتُ أظن أن العدالة مجرد رأي للأغلبية، والحقيقة مجرد عذر لنفاقهم.”

ثم سأل بصدق: “أنا حقًا مرتبك، قولي لي، ما هي العدالة بالضبط؟”

أومأت الجدة وقالت: “هناك تعريف في الفلسفة يسمى ‘مبدأ العدالة الكونية’، وهو المكان الذي تولد فيه الكائنات وإليه تعود. كل المخلوقات تعيش هنا، ومع مرور الوقت، تُعاقب بشكل طبيعي؛ فتدمير البيئة سيُقابل برد فعل طبيعي، وانقراض الحيوانات سيؤدي في النهاية إلى انقراضنا.”

تابعت: “الكون موجود منذ 15 مليار سنة، وأنا وأنت مجرد غبار فيه. ما تفعله لن يؤثر على الكون، وعدلك الخاص لن يتجاوز حدوده. لذا، افعل ما تراه صحيحًا، وتحمل عواقب فعلك.”

“بعض الناس يقدسون الحقيقة، فأخبرهم بها. وإذا كان شخص لا يريد رؤيتها، فأخفها عنه. إذا كنت ترى الفعل عادلًا فافعله، وإن رأيته غير ذلك فلا تفعل. البشر كائنات اجتماعية، وفي النهاية، ما صرتَ إليه هو ما كان يتوقعه أحباؤك.”

وأضافت ببساطة: “تمامًا كما أحب الحلويات؛ سآكلها، ولا يهمني إن متُّ بسبب السكري أو ضغط الدم. الأمر بهذه البساطة.”

أشارت إلى قلبه وقالت: “لا تحتاج للبحث عن العدالة، لأنها موجودة بالفعل في قلوب الجميع.”

أومأ “شاو لاو” برأسه متفهمًا.

أضافت الجدة: “زيي يي كانت فتاة طيبة. أعيش بمفردي، وكانت تأتي دائمًا لرؤيتي ومساعدتي. لذا بالنسبة لي، العدالة هي العثور على الوغد الذي قتلها وقطع رأسه!”

سأل “شاو لاو”: “هل تعرفون جميعًا ما حدث؟”

قالت الجدة: “أعرف، أنتم رجال الشرطة تثيرون الكثير من الضجيج، فكيف لا أعرف؟ الحياة هشة للغاية. عشتُ اثنين وثمانين عامًا ورأيتُ كل شيء. أعيش وحدي وأقول لنفسي قد لا أستيقظ غدًا، لكنني لستُ خائفة. هذا هو معنى الحياة؛ أن تفعل ما تحب وتتحمل العواقب.”

ضحكت الجدة وهي تضغط على شفتيها: “انظر، أنا أحب الحلويات، لذا سقطت كل أسناني وأنا في الخمسين! ها ها!”

حفظ “شاو لاو” كلماتها في قلبه، وفهم أن العدالة ليست معيارًا ثابتًا. ربما يرى القاتل أن القتل عدالته، لكن عليه تحمل العواقب، و”شاو لاو” هو المسؤول عن جعله يتحمل تلك العواقب.

وقف “شاو لاو” وقال: “فهمتُ الآن يا أختاه. سأبدأ التحقيق فورًا.”

أومأت الجدة: “لا تقلق، لقد طبختُ عصيدة حلوة اليوم منذ الصباح. ليس لدي أسنان، لذا لا يمكنني تناول إلا الطعام اللين، لكنها لذيذة! أنوي فتح مطعم صغير في الخارج بعد عام أو عامين لأطبخ لكبار السن!”

توجهت الجدة إلى المطبخ مستندة على عصاها، ثم عادت بوعاء صغير يتصاعد منه البخار. وضعته على الطاولة ونفخت على يديها المحترقتين وهي تبتسم: “هيا، تذوقها بسرعة.”

بعدما تذوقها، وجدها حقًا أفضل عصيدة أكلها في حياته. فكر في نفسه: “من يدري؟ أنا في الستين فقط، ولا يزال أمامي متسع من الوقت لتناول الطعام الجيد”.

أدرك “شاو لاو” أن الشخص قد يعيش وحيدًا، لكن إذا كانت روحه مفعمة بالحيوية، فلن يحتاج لأن يكون مثل “جيانغ هي” الذي لا يشعر بحزن أو فرح. يمكنه أن يعيش حياة ممتعة وغير مقيدة.

على خزانة التلفاز، كانت هناك صورة للجدة في شبابها. لم تكن جميلة بمعايير ذلك الزمان، بل كانت ملامحها عادية جدًا. لكن السيد شاو لم يشك لحظة في أنها كانت رائدة في عصرها، ولا في أن المعجبين كانوا يصطفون لخطبتها.

فالأرواح المثيرة للاهتمام دائمًا ما تكون أعمق وأكثر جاذبية من المظاهر.

تعالى ضحك الجدة من المطبخ وهي تقول: “حلوة، أليس كذلك؟ سأطبخ وعاءً آخر لاحقًا!”

[نهاية الفصل]

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
205/258 79.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.