الفصل 58
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 58
[الفصل 58: انتقام الشبح الأنثوي (الجزء 1)]
كان صوت تشين تشينغ شيو رقيقاً للغاية، كنسيم خريف بارد يداعب قمم الأشجار؛ كانت تلك آخر بادرة لطف يمكنها تقديمها لكونغ أنبينغ. فهذا العالم مليء بالخبث، وهو ما جعل تشين تشينغ شيو تشعر باليأس المطلق. ورغم أن هذا العالم محطم تماماً في نظرها، إلا أنها لم تكن تريد لكونغ أنبينغ أن يرى هذا الجانب المظلم منه.
لطالما كان كونغ أنبينغ في نظرها ذلك الشاب الذي يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً، ويبتسم بجاذبية تحت أشعة الشمس في ظهيرة عامه الثاني من المدرسة الثانوية. كان يستحق حياة أفضل؛ فهو يشبه تنيناً انبعث للتو من غياهب بركة، صبي شجاع يطمح لتغيير هذا العالم، مؤمناً بأنه لا مكان للظلام فيه.
وقف كونغ أنبينغ تحت وابل من المطر، والمياه تبلل شعره وثيابه، بل وتتغلغل لتغسل قلبه أيضاً.
في تلك الليلة، ظل كونغ أنبينغ واقفاً بلا حراك لعدة ساعات، شاخصاً ببصره نحو الحرم الجامعي الذي أُطفئت أنواره وأُغلقت أبوابه.
ما لم يدركه كونغ أنبينغ هو أن تشين تشينغ شيو كانت منكمشة على نفسها في مرآب السيارات تحت الأرض في تلك الليلة المليئة بالبرق والرعد، وهي تجهش بالبكاء.
حين يهطل المطر في قلوب البشر، فإنه يتحول إلى سيل لا ينقطع من الدموع.
عاد كونغ أنبينغ إلى منزله يجر أذيال اليأس.
ولم يمضِ وقت طويل حتى أخرجت الفتاة دراجتها من المرآب. كانت ترتدي ثياباً أنيقة ذلك اليوم، لكنها كانت ممزقة. ولحسن حظها، كان الليل ستاراً واقياً لها، ولم يكن هناك أحد في الطريق تحت المطر الغزير، فلم يلحظ أحد حالتها المزرية. كانت تفكر فيما يجب عليها فعله، وما إذا كان عليها إبلاغ الشرطة.
لكن بمجرد تفكيرها في إبلاغ الشرطة، كانت تهديدات زوانغ زيمينغ تتردد بوضوح في أذنيها. فعائلة زوانغ زيمينغ فاحشة الثراء، بينما عائلتها فقيرة معدمة. والدا زوانغ زيمينغ يتمتعان بنفوذ قوي، ويمكنهما تدمير حياة عائلتها بإشارة من إصبع واحد. ولكن، كيف يمكن لزوانغ زيمينغ أن يفلت بفعلته دون أن يدفع ثمن الجروح التي تسبب بها؟
ظلت تصارع أفكارها طوال الطريق، ولكن عندما وصلت إلى أسفل المبنى تحت المطر، تبددت حيرتها وتوقف قلقها.
فقد رأت دراجة والديها الكهربائية مركونة في ذلك الزقاق الضيق والقذر.
يا لها من دراجة متهالكة علاها الصدأ؛ كانت هذه الدراجة موجودة منذ أن كانت تشين تشينغ شيو طفلة. لقد تآكل طلاؤها الأحمر ليكشف عن الصدأ الكامن تحته، أما ملصق كلمة “فو” (السعادة) الذي وضعته تشين تشينغ شيو على ظهر الدراجة، فقد سقط معظمه الآن.
أمضت تشين تشينغ شيو طفولتها فوق مقعد هذه الدراجة. كانت تدرك مدى انشغال والديها في ذلك الوقت، وتعلم كم كانت تلك الأيام قاسية عليهما.
بدا الأمر وكأن تشين تشينغ شيو قد تجرعت ترياقاً قوياً، فلم تعد تشعر بالتشتت.
استنشقت أنفاساً عميقة، ثم صعدت الدرج الخرساني المتهالك نحو منزلها.
“ماذا حدث؟” سأل والدا تشين تشينغ شيو بقلق.
رسمت تشين تشينغ شيو ابتسامة باهتة وقالت: “كان الطريق زلقاً جداً، فانزلقت من فوق الدراجة عن طريق الخطأ وتمزقت ثيابي.”
أنبتها والدتها قائلة: “انظري إلى حالك، كم أنتِ مهملة! حسناً، اذهبي للاستحمام، وسأقوم بخياطة ملابسك.”
قال والدها بلا مبالاة: “وما الداعي للخياطة؟ أخيراً بدأت العطلة، وسآخذكِ في يوم آخر لشراء ملابس جديدة.”
لم تكن تشين تشينغ شيو تدري كم مرة استحمّت في تلك الليلة، فمهما أفرغت من ماء، ظل شعور الدنس يلاحقها. كانت تبكي بصمت في الحمام، ممتزجاً بكاءها بصوت انهمار مياه الدش.
انظروا إلى مدى ضعفها، فحتى البكاء لم تجرؤ عليه علانية.
منذ ذلك اليوم، غدت تشين تشينغ شيو فاقدة للشغف، ولم تعد قادرة على النوم. فبمجرد أن تغمض جفنيها، يهاجمها مشهد ذلك اليوم الأليم. كانت تتألم بشدة، وفكرت في الانتحار.
رأت في الانتحار سبيلاً مثالياً للهروب دون أن تجر والديها إلى المتاعب، لعلها تنال حريتها أخيراً.
كان والدا تشين تشينغ شيو يحبانها بشدة، لكنهما لم يدركا قط ماهية العلاج النفسي. تظاهرت تشين تشينغ شيو أمام والديها بأنها حزينة بسبب إخفاقها في الامتحان، وصدق والداها ذلك؛ فبما أنها كانت دائماً ابنة مطيعة لا تكذب، فقد صدقها الجميع.
أخيراً، وبعد معاناة دامت خمسة أيام، حسمت تشين تشينغ شيو أمرها وقررت الانتحار.
وبصفتها طالبة نجيبة، خططت لخطوات انتحارها بدقة. وقبل أيام قليلة من تنفيذ قرارها، ذهبت إلى المتجر القريب لشراء شموع، وحبال قفز، وسكاكين قابلة للطي، وولاعة، وأدوات أخرى.
وبعد أن أحكمت خطتها، صعدت إلى سطح المبنى.
وحرصاً منها على عدم توريط والديها في المشاكل، آثرت عدم إبلاغ الشرطة، لكن جذوة كراهيتها لزوانغ زيمينغ لم تكن لتنطفئ حتى بموتها.
استحضرت تشين تشينغ شيو قصص الرعب التي قرأتها سابقاً.
تقول الأساطير إن الفتاة التي تنتحر وهي ترتدي فستاناً أحمر في تمام منتصف الليل تتحول إلى شبح، وأن الشموع البيضاء الثمانية الموضوعة في الاتجاهات الثمانية تمنع رسل الموت من سحب روحها بعيداً.
لكن تشين تشينغ شيو لم تكن تنوي إيذاء الأبرياء، بل أرادت أرواح ثلاثة أشخاص فحسب:
زوانغ زيمينغ، سونغ يو، وشي وينشان.
كان زوانغ زيمينغ هو الجاني الأساسي، لكن لو أن سونغ يو وشي وينشان قدما لها أدنى مساعدة حينها، لما آلت الأمور إلى هذا الحد. هذا الصمت المطبق جعل تشين تشينغ شيو تشعر بقشعريرة تفوق ما يسببه شر الأشرار أنفسهم؛ لذا أرادت أن يرافقها هؤلاء الثلاثة إلى الجحيم.
وهكذا، أحدثت ثلاثة جروح غائرة في معصمها باستخدام خنجر، ثم قطرت دمها على ورقة أعدتها مسبقاً، كُتبت عليها أسماء الأشخاص الثلاثة. فوفقاً للمعتقد، إذا تلطخت الأسماء بالدم قبل الموت، يمكن للمرء الانتقام منهم. أشعلت النار في الورقة حتى تحولت إلى رماد.
موقع مَجـرَّة الرَّوَايــات يضمن لكم أفضل ترجمة، الرجاء دعمه بقراءة الفصول داخله. galaxynovels.com
لفت حبل القفز حول عمود تجفيف الملابس، ثم عقدته ثلاث مرات حول عنقها، قبل أن ترفع ساقيها وتلقي بكل وزنها على الحبل.
وهكذا وضعت تشين تشينغ شيو حداً لحياتها التي كانت في مقتبل العمر ومليئة بالأمل.
وبصفتها طالبة في الثانوية، كانت تدرك يقيناً أن هذه مجرد خرافات، ولكن ماذا عساها أن تفعل؟ لم يكن هناك من يمد لها يد العون، فما كان منها إلا أن علقت آمالها الضعيفة على فكرة التحول إلى شبح؛ كانت تلك هي صرخة مقاومتها الأخيرة.
غالباً ما يدرك الناس أن الأشباح والحُكَّام مجرد أوهام، لكنهم يجبرون أنفسهم على تصديقها لتعلقهم بأمل ضئيل: أن ينعم الطيبون بحياة هادئة، وأن يلقى الأشرار جزاءهم العادل.
لكن من الجليّ أنه لا وجود للأشباح في هذا العالم.
ومع ذلك، إذا خلا العالم من الأشباح، فقد قرر هو أن يستحيل شبحاً لأجلها.
حينما تناهى إلى مسامع كونغ أنبينغ خبر انتحار تشين تشينغ شيو، شعر وكأن عالمه قد انهار، لكن عقله كان يخبره بأن تشين تشينغ شيو لن تنتحر لمجرد إخفاقها في امتحان القبول الجامعي، فقد اتفقا مسبقاً على أنه في حال رسب أحدهما، سيعيدان السنة معاً في المدرسة نفسها.
بيد أن تشين تشينغ شيو أخلفت وعدها واختارت هذا المسار المأساوي.
عادت ذاكرة كونغ أنبينغ إلى تلك الليلة الماطرة.
تذكر رؤيته لزوانغ زيمينغ وسونغ يو وشي وينشان وهم يهرعون خارجين من مرآب السيارات تحت الأرض، ثم اختفوا في عتمة الليل دون حتى أن يحملوا مظلة. ورغم أن الثلاثة زملاء في الصف نفسه، إلا أن علاقتهم لم تكن تتعدى مجرد التحية العابرة، فكيف اجتمعوا معاً في ذلك المرآب؟
والأهم من ذلك، أن أول ما فعله زوانغ زيمينغ فور بلوغه سن الرشد هو الحصول على رخصة قيادة، وكان يذهب إلى المدرسة إما بسيارة أجرة أو بسيارة خاصة، فما الذي يفعله في مرآب الدراجات؟
أما تشين تشينغ شيو، فكانت تعتاد الذهاب إلى المدرسة والعودة منها على دراجتها، لكن كونغ أنبينغ كان غارقاً في حزنه ذلك اليوم بسبب خبر الانفصال، فلم يربط الخيوط ببعضها حينها.
أخبره حدسه أن وفاة تشين تشينغ شيو لم تكن حادثة بسيطة، بل لا بد أن لها علاقة بزوانغ زيمينغ والآخرين.
وهكذا شرع كونغ أنبينغ في تحقيقه، وبدأ بالعثور على شي وينشان؛ لأنه كان يعلم أن شي وينشان هي الأضعف شخصية والأكثر جبناً بينهم، وإذا كانوا قد اقترفوا شيئاً، فستكون هي الثغرة التي ينفذ منها.
أرسل إلى شي وينشان رسالة نصية مجهولة: “أنا تشين تشينغ شيو، هل تذكرين ما فعلتِه بي؟”
ولدهشة كونغ أنبينغ، صدقت شي وينشان تلك الرسالة المجهولة فوراً. وتحت ضغط وتوجيه كونغ أنبينغ، اعترفت شي وينشان بكل ما حدث في تلك الليلة.
كانت يدا كونغ أنبينغ ترتجفان، وقلبه ينزف ألما؛ فقد أدرك أخيراً حجم الصراع المرير الذي كانت تخفيه تشين تشينغ شيو وراء كلماتها الهادئة في تلك الليلة.
كان يتوق للانتقام، أراد الثأر لروح تشين تشينغ شيو الراحلة.
تمنى كونغ أنبينغ لو يمزق جسد شي وينشان -التي كانت لا تزال تتحدث إليه- إلى أشلاء، لكنه كان يدرك أنه إذا أراد القضاء على الثلاثة معاً، فعليه ألا يتهور. فإذا اندفع، ستقبض عليه الشرطة قبل أن يكمل انتقامه، لذا وجب عليه التخطيط بعناية.
وخلال فترة تحضيره، استأجر كونغ أنبينغ الكوخ.
أخبر والديه بأنه سيسافر إلى مقاطعات أخرى، وأعد رسائل نصية برمجها لتُرسل تلقائياً من هاتفه في مواعيد محددة.
وبعد أن أتم كافة التجهيزات، وضع كونغ أنبينغ خطة محكمة.
تلك هي شيمة الأذكياء؛ التفكير ملياً قبل الإقدام على أي خطوة.
وبما أن تشين تشينغ شيو كانت تأمل في التحول إلى شبح لتنتقم، فقد قرر كونغ أنبينغ أن يكون هو ذلك الشبح الذي يحقق رغبتها.
في البداية، تواصل مع زوانغ زيمينغ عبر هاتفه، مدعياً معرفته بما اقترفه بحق تشين تشينغ شيو في تلك الليلة، وأنه لا ينوي إبلاغ الشرطة بل يريد المال فقط. وافق زوانغ زيمينغ الذي لا ينقصه المال، وربما أراد أيضاً معرفة هوية هذا الشخص وكيفية التعامل معه لاحقاً.
استدرجه كونغ أنبينغ إلى غرفة الأدوات البيولوجية في المدرسة الثانوية الرابعة بمنطقة أنشيانغ، وأخبره أن عليه وضع مبلغ 50,000 يوان في الخزانة، حيث سيجد هناك الهاتف الذي يحتوي على فيديو الواقعة.
ولأن زوانغ زيمينغ لم يرد افتضاح أمره، لم يأتِ بسيارته، بل سلك طريقاً جانبياً متخفياً تحت ضوء القمر حتى وصل إلى المدرسة. كان الممر مظلماً تماماً، فمضى مسترشداً بذاكرته حتى وصل أخيراً إلى غرفة الأدوات.
فتح الباب وتوجه مباشرة نحو الخزانة مستعيناً بضوء القمر الخافت.
لكن قبل أن يصل إليها، سمع صوتاً ينادي اسمه من خلفه.
ارتعد زوانغ زيمينغ والتفت ليرى من يناديه، فإذا به يواجه مطرقة ثقيلة تهوي عليه.
توقفت وظائف دماغه عن العمل فوراً.
وكان آخر ما رآه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة هو فستان أحمر.
[نهاية هذا الفصل]
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

تعليقات الفصل