تجاوز إلى المحتوى
صياد الألغاز

الفصل 71

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل 71

[قضية الاختطاف]

حين استرجع “دينغ ديرون” شريط حياته، وجد أنه أضاع نصفها الأول هباءً. كان يدرك وجود طرق سريعة وسهلة لجني المال، ومع ذلك ظل يعمل ميكانيكي سيارات طوال تلك السنين. لم يسعه إلا التفكير في اللقب الذي أطلقه عليه الآخرون: “المحتال الأول” في قرية العمال الجديدة.

كان “دينغ ديرون” يعتز بهذا اللقب كثيرًا، فقد جلب له مكاسب مالية طائلة؛ فها هو الآن قد ادخر 400 ألف يوان، وصار بإمكانه شراء منزل آخر في مدينة “جينغتشونغ”. واليوم، خرج مع زوجته لمعاينة المنزل الجديد، وبإضافته إلى منزله القديم، سيصبح لديه ثلاثة منازل في المدينة.

في هذه الأيام، يزداد العالم سوءًا ولم تعد قلوب الناس كما كانت؛ فالجميع يسخر من الفقير ولا يبالي بمصدر ثروة الغني. ومهما قال الناس، فإن حياة الأثرياء رغيدة حقًا، وعلى الأقل لم يعد مضطرًا للعيش كما كان في السابق. تذكر “دينغ ديرون” تلك الأيام الخوالي حين لم يكن يملك ثمن طعامه أو ملابسه، أما الآن، فلم يعد القلق بشأن المال يراوده.

ربت “دينغ ديرون” على صدره بزهو؛ فرغم أنه في الستينيات من عمره، إلا أن جسده لا يزال قويًا، ولن يواجه مشكلة في الاستمرار في عمليات الابتزاز بالحوادث لعشر سنوات أخرى، وبحلول ذلك الوقت، ربما يكون قد “اصطاد” منزله الرابع.

“يا زوجتي! يا زوجتي!” صاح “دينغ ديرون” وهو يطرق الباب بقوة، “تعالي وانظري إلى المنزل”.

لكن لم يأته رد رغم طرقه المستمر، وكأن البيت خاوٍ. أخرج “دينغ ديرون” مفتاحه من جيبه على مضض وفتح الباب.

“زوجتي؟” وضع مفاتيحه ونظارته الشمسية ونادى عدة مرات، لكن لا حياة لمن تنادي. اتصل بهاتفها، فسمع رنينه داخل الشقة. تتبع الصوت حتى وجد الهاتف في غرفة النوم، فأغلقه والشكوك تساوره؛ فقد اتفق معها أن تعود للمنزل بعد الظهر وتنتظره هناك.

الجو حار جدًا في الخارج، ومن المستبعد أن تخرج للتسوق في هذا القيظ. علاوة على ذلك، كانت دائمًا تحرص على ألا يفارق الهاتف يدها خوفًا من أن تفوتها مكالمة من ابنها. فلماذا تركته في المنزل الآن؟ هل بدأ الخرف يتسلل إلى ذاكرتها مع تقدم السن؟

وضع “دينغ ديرون” الهاتف جانبًا وجلس يشاهد التلفاز. مرت ساعة دون أي أثر لزوجته، فوقف بجانب النافذة يراقب المارة في الشارع خارج المجمع السكني، لكنه لم يرَ لها أثرًا.

بعد مرور ساعتين، بدأ التوتر يتسلل إلى قلبه. هو يدرك طبع زوجته جيدًا؛ فبمجرد أن تكتشف نسيانها للهاتف، ستعود فورًا، ومن المستحيل أن تغيب كل هذه المدة. بدأ عقله يصور له سيناريوهات مرعبة. اتصل بأقاربه واحدًا تلو الآخر، لكن لا أحد يملك جوابًا. لقد اختفت زوجته.

في تلك اللحظة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة ليجد سلسلة طويلة من الأرقام لا تشبه أرقام الهواتف المعتادة. لم يعرف هوية المتصل، لكن حدسه أخبره أن للأمر علاقة بزوجته، فأجاب بسرعة.

“أسمعني جيدًا، زوجتك في قبضتي. إذا أردت بقاءها على قيد الحياة، فجهز مبلغ الـ 400 ألف يوان التي تنوي شراء المنزل بها، وسأعاود الاتصال بك. أعلم أن سحب هذا المبلغ يتطلب موعدًا مسبقًا، لذا سأمهلك يومًا واحدًا.”

ارتجفت يدا “دينغ ديرون” وتسارعت دقات قلبه حتى كاد يختنق. صاح بذعر: “ماذا؟ ماذا تقول؟ تكلم بوضوح! هل اختطفت زوجتي؟ من أنت؟ وماذا تريد؟”

أجابه الطرف الآخر ببرود: “لا يهم من أنا، المهم هو من تكون أنت. لقد أخبرتك للتو، زوجتك عندي، اذهب واسحب الـ 400 ألف يوان، وسأتصل بك غدًا. وبالمناسبة، هناك أمر آخر عليك سماعه جيدًا”.

قاطعه “دينغ ديرون” متوسلًا: “أفهم، أفهم! أرجوك لا تؤذِ زوجتي، سأوافق على كل شروطك. سأحجز موعدًا لسحب المبلغ الآن وسيكون المال جاهزًا غدًا. أرجوك لا تمسها بسوء، ولن أتصل بالشرطة أبدًا، أعدك”.

لقد مضى على زواجهما قرابة خمسين عامًا؛ رافقته منذ أن كان شابًا فقيرًا، وصبرت معه على ضيق الحال طوال حياتهما. لم تذق معه طعم الراحة، بل كانت تكتفي بما يسد الرمق ويستر الجسد. والآن، حين ابتسمت لهما الحياة وصار بإمكانها أن تنعم معه بالثراء، يختطفها أحدهم في هذه اللحظة الحرجة.

لم يكن “دينغ ديرون” أحمق، وإلا لما نجح في كل عمليات النصب التي قام بها. جرت العادة أن يُختطف الأبناء، لا الزوجات المسنات، كما أن الخاطف طلب 400 ألف يوان تحديدًا؛ فكيف عرف بوجود هذا المبلغ في حسابه؟ لا بد أن هذا الشخص يعرفه جيدًا، ربما يكون أحد المعارف.

كان “دينغ ديرون” في حالة من الذعر تجعله مستعدًا للتخلي عن المبلغ كله في سبيل إنقاذ شريكة عمره.

“لا”، قال الخاطف فارضًا شرطًا غريبًا: “يجب عليك الاتصال بالشرطة”.

لم يصدق “دينغ ديرون” ما سمعه؛ ظن أنه أخطأ السمع أو أن الخاطف زلّ لسانه، فسأل بذهول: “تقصد ألا أتصل بالشرطة؟ لن أفعل، أعدك! أرجوك لا تؤذِ زوجتي، فصحتها عليلة وتعاني من مرض في القلب، لا تروعها”.

أكد الخاطف بصرامة: “لقد كنت واضحًا؛ أريدك أن تتصل بالشرطة، وعندما تفعل، عليك أن تبلغهم بعبارة محددة، وحينها سيتدخل من يساعدك”.

رغم أنه لم يمر بموقف كهذا من قبل، إلا أنه شاهد ما يشبهه في التلفاز؛ لكن لم يسبق لخاطف أن طلب إبلاغ الشرطة! ومع ذلك، وبما أن زوجته لم تعد بعد مرور ساعات، أدرك أن الخطر حقيقي، ولم يجرؤ على مخالفة أوامر الخاطف، فوافق مرغمًا.

سأل “دينغ ديرون”: “أعدك بذلك، ولكن ماذا أقول لهم؟”.

“قل لهم فقط: (فلنلعب لعبة)، واطلب منهم إيصال هذه الجملة إلى الفريق الخاص بقيادة (شاو شيلين)”. نطق الخاطف الكلمات بوضوح، واستوعبها “دينغ ديرون” جيدًا.

قال “دينغ ديرون”: “حسنًا، سأفعل”.

رد الخاطف برضا: “جيد جدًا، تذكر أن تنفذ ما قلته بدقة، وإلا ستكون حياة زوجتك في خطر. انتهى الكلام”. وقبل أن ينطق “دينغ ديرون” بكلمة أخرى، انقطع الاتصال.

سقط الهاتف من يده، وانهار هو الآخر على الأرض. بدا وكأنه كبر عشر سنوات في لحظة واحدة. جلس في غرفته الفارغة محطمًا، ومرت دقائق قبل أن يستجمع شتات نفسه ليقرر خطوته التالية.

بيدين مرتعشتين، اتصل أولاً بالبنك لحجز موعد لسحب مبلغ الـ 400 ألف يوان نقدًا في اليوم التالي. ثم اتصل بالشرطة وأبلغهم بالرسالة التي أملاها عليه الخاطف: “فلنلعب لعبة”.

حين تلقى مكتب الأمن العام في مدينة “جينغتشونغ” بلاغ “دينغ ديرون”، استوقفتهم عبارة “الفريق الخاص”. أثار هذا الأمر اهتمام القيادة؛ فمن المستحيل أن يعلم عامة الناس بوجود هذه الفرقة، ناهيك عن أن الفريق الذي يقوده “شاو شيلين” (المعروف بـ “شاو لاو”) لا يعلم بأمره إلا قلة قليلة. لذا، فإن ذكر المُبلغ لاسم الفريق وقائده مباشرة كان يمثل معضلة حقيقية.

استشعرت القيادة في “جينغتشونغ” غرابة الموقف، فاتصلوا بالسيد “شاو” مساء الحادي والعشرين من أغسطس. وبعد أن شرحوا له تفاصيل القضية عبر الهاتف، وما إن سمع عبارة “فلنلعب لعبة” المألوفة لديه، قرر السيد “شاو” التوجه فورًا إلى المدينة للتحقيق في هذه القضية التي بدت في ظاهرها مجرد حادثة اختطاف بسيطة.

انتابت قيادة المدينة حالة من الحيرة حين علموا بقدوم السيد “شاو” من أجل هذه القضية؛ فالفريق الخاص لا يتدخل عادة إلا في القضايا الكبرى وجرائم القتل الغامضة، أما أن يأتي من أجل قضية اختطاف، فقد بدا الأمر مبالغًا فيه بعض الشيء.

لكن السيد “شاو” كان له رأي آخر. فقد سبق أن تلقى مكالمة غامضة حين كان في مدينة “شانغشي”، والآن يكرر المُبلغ العبارة ذاتها ويطلب حضور الفريق الخاص بالاسم. كان السيد “شاو” يدرك يقينًا وجود رابط بين الحادثتين. وبعد أن حسم أمره بالذهاب، بدأ بالاتصال بأعضاء فريقه واحدًا تلو الآخر.

كان الفريق يضم حينها: “جيانغ هي”، “وانغ تشاو”، “شو ييمان”، “جوان دينغ”، بالإضافة إلى السيد “شاو” نفسه. وافق “وانغ تشاو” و”جيانغ هي” على الفور، واتفقا على التوجه إلى “جينغتشونغ” بأقصى سرعة. أما “جوان دينغ”، فقد أمطر السيد “شاو” برسائل نصية مليئة بالقلق والتساؤلات، وكان أكثر ما يخشاه هو مواجهة بقية أعضاء الفريق، فاضطر السيد “شاو” لطمأنته بأن زملاءه ليسوا أشخاصًا عاديين أيضًا.

ترددت “شو ييمان” لبعض الوقت ولم تعطه ردًا حاسمًا، بل وعدت بأن تجيبه في وقت لاحق من ذلك اليوم، ولم يشأ السيد “شاو” الضغط عليها أكثر.

بعد إنهاء المكالمات، اختلطت المشاعر في صدر السيد “شاو”. فباستثناء “وانغ تشاو”، كان جميع أعضاء الفريق –بمن فيهم هو نفسه– يعانون من ندوب نفسية غائرة. تساءل السيد “شاو” عما إذا كان عليه الاستعانة بطبيب نفسي لمنع تدهور حالتهم، ووضع هذا الأمر بالفعل ضمن خططه المستقبلية.

لم يذق أي منهم طعم النوم في تلك الليلة. كان “جيانغ هي” و”وانغ تشاو” في غاية الحماس؛ فالأول كان يتوق لقضية جديدة، والثاني كان سعيدًا بانضمامه أخيرًا للفريق. أما “جوان دينغ”، فقد نال منه القلق خشية ألا يتأقلم مع الآخرين أو يحرج نفسه أمامهم. وظلت “شو ييمان” في حيرتها، لا تدري إن كانت قادرة على الاستمرار.

وحتى السيد “شاو” لم ينم، بل ظل يفكر: من هو هذا الشخص الذي يتحداه بهذه اللعبة؟ وهل يمكن أن يكون عدوًا قديمًا؟

[نهاية الفصل]

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
71/258 27.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.