الفصل 80: الهارب اليائس
الفصل 80: الهارب اليائس
حتى بعد أن ركض إلى سفح التل، لم يستطع هويت أن يصدق أنه هرب فعلًا
لم يكن يريد أن يتذكر مقدار الرعب الذي عاشه خلال أيامه في القبو؛ ففي كل مرة كان يسمع الصرخات المرعبة التي لا تنتهي من الأعلى، كان يدرك بوضوح—ذلك هو مصيره القادم!
قبل أن يُقبض عليه ويُستعبد، كان هويت لصًا صغيرًا في عشوائيات الفقراء بمدينة دورايز
كانت حياته اليومية تتكون من البحث المستمر عن الأهداف، ثم الهرب من مطاردة فرق الدوريات، وتحمل استغلال العصابات المحلية
وبفضل عقل ذكي بعض الشيء وحركات رشيقة، لم يقع في أيدي فريق الدوريات بعد بضع عمليات فقط مثل عدد لا يحصى من أقرانه
في ‘مسيرته’، كان أكثر إنجازاته مجدًا هو نجاحه في سرقة محفظة محارب من مستوى المتدرب دون أن يُكتشف
ورغم أن العملات الذهبية الجميلة في تلك المحفظة قد ‘تُبرع’ بها في النهاية للعصابة، فإن ذلك الإنجاز منحه بعض الشهرة بين اللصوص في الحي العشوائي!
لكن مهما بلغت شهرته، ظل مجرد لص، لا محترفًا
وبصفته شخصًا عاديًا، نجحت سرقاته عشرات الآلاف من المرات، من الصغيرة إلى الكبيرة، لكن بسبب خطأ واحد، ولحظة إهمال تعثر فيها بحجر صغير، انتهى كل شيء!
لم تكن مدينة دورايز تعرف الرحمة عند التعامل مع المجرمين
أصحاب الجرائم الخفيفة يُرمون في السجن لبضعة أيام، أما أصحاب الجرائم الخطيرة فيُعدمون في المكان نفسه
أما أصحاب الجرائم ‘التي لا هي خفيفة ولا ثقيلة’… فإذا لم يملكوا ما يكفي من العملات الذهبية ‘للتكفير’، فسيُباعون عبيدًا!
ولسوء الحظ، كان هويت واحدًا من هؤلاء المجرمين أصحاب الجرائم ‘التي لا هي خفيفة ولا ثقيلة’ ومن دون مال، لذلك أصبح عبدًا سيئ الحظ
لكن ما كان أسوأ حظًا… أن مشتريه كان ساحرًا شريرًا!
في الليل القاتم، أخذ هويت نفسًا عميقًا من الهواء الفاسد
كان هذا المكان لا يزال ضمن نطاق فساد الهاوية، لكن هويت وجد الهواء هنا منعشًا ورائعًا، على الأقل أفضل بكثير من رائحة الدم في القبو!
كان خمسة أو ستة عبيد هاربين هزال أيضًا ‘يمسكون’ فتاة صغيرة ويتبعون خطوات هويت
كلهم، مدفوعين بإرادة نقية للبقاء، اتبعوا اقتراح هويت واختطفوا معًا هذه الساحرة الصغيرة التي بدت ضعيفة
سارت الخطة كلها بسلاسة مدهشة
الساحرة الصغيرة، التي استطاعت استخدام تعويذة لحفر نفق، لم تصرخ ولم تقاوم كما توقع، بل لم تُظهر حتى أي علامة على المقاومة، لكن هذا لم يجعل هويت سعيدًا!
حين ركض إلى سفح الجبل، أدرك هويت أن خطته المزعومة لم تكن ذكية على الإطلاق
في الأصل، وفقًا لفكرته، ما داموا يركضون إلى البلدة ويتفرقون في الأزقة، فستكون هناك فرصة ما للهروب
إضافة إلى ذلك، وبوجود الفتاة الصغيرة رهينة، سيتردد الطرف الآخر، مما يؤخر بعض الوقت، وفي النهاية، اعتمادًا على خبرته الطويلة في ‘التجوال في الشوارع’، قد ينجو فعلًا!
لكن في هذه اللحظة، وجد أن كل البيوت حول سفح الجبل كانت فارغة ومهجورة
بسبب أن حتى تسرب بسيط من هالة الهاوية كان يجعل المكان لا يُحتمل بالنسبة إلى الناس العاديين، كان السكان قرب التل الصغير قد انتقلوا بعيدًا على عجل منذ وقت سابق
وتتابعت أمور أشد يأسًا واحدًا بعد آخر؛ فقد اكتشف خمسة أو ستة عبيد هاربين، ومنهم هو، حقيقة مرعبة… قدرتهم على التحمل لم تعد تكفي!
لم يأكلوا شيئًا ولم يشربوا قطرة ماء لأكثر من ثلاثة أيام في القبو
كانوا بالفعل مصابين بالدوار والضعف في كل أجسادهم، وبعد الركض الطويل من الجبل إلى الأسفل، بدأت النجوم تلمع أمام أعينهم ولم يعودوا قادرين على الركض!
حتى هويت، اللص الرشيق في الأصل، شعر بأن أطرافه صارت باردة وبصره أخذ يبهت
كان يعرف أنهم إذا واصلوا الركض بهذا اليأس، فقبل أن يصلوا حتى إلى البلدة، سيموت هؤلاء العبيد الذين بالكاد ‘هربوا من الموت’ على طريق ‘الحرية’!
بعد تفكير طويل، قرر هويت أن يستريحوا أولًا لعشر دقائق في تلك البيوت المتهالكة، على الأقل ليجدوا بعض الماء فيعوضوا ما فقدوه ويستطيعوا الصمود!
على الأقل حتى لا ينتهوا بموت مأساوي كالموت من الإنهاك!
جالسًا على كرسي من الكروم في وسط قاعة البرج الأبيض، ضحك بانك بخفة وهو يدرك المعلومات التي حصلت عليها تعويذة العرافة الخاصة به
هذه الفئران الصغيرة امتلكت الجرأة حقًا على التوقف والراحة في بضعة بيوت مكسورة؟
هل ظنوا حقًا أنهم هربوا؟
هز رأسه، وسخر بانك في داخله من جهل الناس العاديين بالسحر، ثم أعطى غولم اللحم أمرًا…
في الليل القاتم، وبينما انفتحت بوابة البرج الأبيض ببطء، خرج من البوابة ‘كائن’ طويل ذو هيئة بشرية، ملفوف برداء رمادي
داست خطوات ثقيلة على الأرض المتشققة، مصحوبة بهبات من الرياح الباردة العاوية
امتدت مخالب غولم اللحم الحمراء الدموية ببطء من تحت ردائه الممزق، وكانت عيونه الحمراء السبع المتوهجة، مثل نظرة شيطان، تمزق الظلام!
ومع زئير مرعب، اندفع الغولم رقم واحد إلى أسفل الجبل
وتحت تأثير التسارع القوي، مزق جسد الغولم رقم واحد الضخم الهواء الرقيق بسهولة، تاركًا خلفه ظلًا رماديًا ممزوجًا بضوء أحمر!
كانت هذه حاكم قتل وُلدت من أجل المعركة
كان يمكنها تلقي أوامر بانك والتصرف بناءً عليها
والآن، حان وقت اختبار قدرتها على تلقي الأوامر وتنفيذها، وكان هدف الاختبار الأول هو… تلك المجموعة من الفئران الجاهلة!
جلست بي لان بذهول على الأرض الباردة، وكانت الرياح الباردة في الخارج تجعل الباب الخشبي المتعفن يرتجف ويصدر صوتًا مزعجًا
وبجانب الفتاة، كان هناك ‘هيكلان عظميان’ هزيلان منهاران
كان العبيد، المنهكون إلى حد العجز عن الحركة، سيبدون حقًا مثل جثث جففتها الرياح بعد بضعة أيام من الموت، لولا أنفاسهم الخافتة!
رأت بي لان هؤلاء العبيد ‘المساكين’ في القبو
كيف لها ألا تتخيل المصير الذي ينتظر ‘المواد’ التي أراد بانك منها أخذها؟
لقد رأت أكوام الجثث في الزاوية، ولم يكن موت هؤلاء العبيد مأساويًا ومؤلمًا فحسب، بل كانت أرواحهم تُستخرج حتى بعد الموت لإجراء التجارب
كان هذا أمرًا لا تستطيع بي لان، التي طالما عدت نفسها طيبة وعادلة، أن تقبله
حين لم تكن هناك فرصة، كانت بي لان تكتفي بإخبار نفسها أنها، بصفتها ساحرة من مستوى المتدرب، لم تكن لا تريد إنقاذ هؤلاء الناس، بل لم تكن تملك أي وسيلة فحسب
لكن حين احتجزها عبد ظن نفسه ذكيًا رهينة، وسمعت الخطة التي تحدث بها هؤلاء الناس، شعرت أنه لم يعد لديها أي عذر لمواصلة التظاهر بالجهل!
ونتيجة لذلك… ارتكبت بي لان، بدفعة مفاجئة من روح العدالة، هذا الفعل الأحمق الذي صار يبدو الآن، حتى عند التفكير فيه، غير عقلاني تمامًا
أولئك الناس العاديون لم يعرفوا قوة الساحر الرسمي؛ فهل كان ممكنًا ألا تعرف بي لان؟
مع وجود تعاويذ العرافة من المستوى الرسمي، لم يكن ما يسمى بالهروب سوى نكتة
في هذه اللحظة، تلاشت تدريجيًا موجة العدالة المندفعة في قلبها، وبدأت بي لان تشعر بضغط خانق يلتف ببطء حول روحها كلها!
“يا للغرابة! كيف جننت إلى هذا الحد حتى أقاوم ساحرًا رسميًا؟ انتهى أمري الآن!”
مثل كثير من المراهقين المتناقضين، حين يثور دمهم قد يكونون بلا خوف، لكن ما إن تخمد الحماسة الأولى ويعود العقل إلى أذهانهم، حتى تأتي موجات الندم على اندفاعهم الأحمق
كانت بي لان تشعر الآن فقط بأن عيني بانك الباردتين تظهران باستمرار في ذهنها، وتراقبانها
كانت مرعوبة الآن
كان مصير عينات الاختبار تلك لا يزال واضحًا في ذاكرتها، وكانت خائفة جدًا من أن تكون هي التالية التي تُستخرج روحها!
لكن بصفتها ساحرة من مستوى المتدرب فقط، لم تستطع التفكير في أي حل غير الارتجاف قرب جدار خشبي!
الآن، ندمت حقًا
وسط الرياح العاوية، مثل عويل شبح، ظهر وجه فتى صغير ببطء في ذهن بي لان
“ديتشي دوو…”
تحركت شفتا بي لان قليلًا، لكن لم يعرف أحد ما قالته غيرها!

تعليقات الفصل