تجاوز إلى المحتوى
عبد الظل

الفصل 499: في مكان ما بعيدًا…

الفصل 499: في مكان ما بعيدًا…

…في مكان ما بعيد، في أعماق كابوس لا نهاية له ولا مهرب منه، كان قرص شمس متوهجة يعمي البصر يغمر كثبان صحراء واسعة بفيض من الحرارة المحرقة. كانت رمال الصحراء بيضاء بلا عيب، وكانت السماء اللازوردية فوقها عميقة وبلا حدود مثل محيط قديم، لا تشوب امتدادها الحريري سحابة واحدة

وتحت ضربات الحرارة، تحركت هيئة وحيدة عبر الرمال

كانت شابة ذات عينين رماديتين لافتتين، وجلدها مغطى بحروق مروعة، وشعرها الفضي متسخ بالدم ومحاط بهالة مشعة من الضوء المنعكس. كانت ترتدي بقايا متفحمة من درع محطم، وتحمل سيفًا مكسورًا، نصله الفضي متشقق وينتهي بحافة مسننة قرب المقبض

سارت الشابة إلى الأمام، وأثر خطواتها يمتد بعيدًا في المسافة ويختفي عند الأفق. إلى يسارها، لم يكن هناك سوى بحر لا نهاية له من الكثبان البيضاء؛ وإلى يمينها، كان خط من الجبال السوداء يصنع في النهاية حدًا للصحراء الحارقة

بعيدًا في الأمام، كانت هناك شجرة ذات أوراق قرمزية، وتناثر من شيء يشبه ثمارًا شاحبة تتدلى من أغصانها العريضة

…كان ذلك هو المكان الذي تتجه إليه نيفيس

كان عليها أن تصل إلى الشجرة قبل أن يحل الليل، وإلا… لا، كان من الأفضل ألا تفكر في ذلك

كان ماؤها قد نفد منذ وقت طويل، وكان العطش يسيطر ببطء على عقلها. كان جسدها المعذب بحرًا من الألم، لكنها كانت لا تزال تستطيع المشي. كانت لا تزال تستطيع القتال

كانت لا تزال غير مستعدة للاستسلام

…بعد فترة، اقتربت الشجرة أكثر

توقفت نيفيس وحدقت في لحائها الأبيض، وأوراقها القرمزية، والأشكال التي ظنتها ثمارًا. لكنها لم تكن كذلك. بدلًا من ذلك، كانت عشرات الآلاف من الجماجم تتدلى من الأغصان الجميلة، مثبتة بها بخيوط لامعة من حرير أسود

كان نبع ماء يشكل بركة صافية في ظل الشجرة العظيمة، وعلى ضفتها، وظهره إليها، وقفت هيئة ترتدي درعًا غريبًا صدئًا

‘أ… إنسان؟’

لا… كانت الهيئة طويلة جدًا لتكون من نوعها

وكأنه سمع أفكارها، استدار الكائن، كاشفًا عن وجه جثة يابس، وعينين جوفاوين ينبعث منهما إشعاع أزرق مشؤوم، وست يدين، كل واحدة منها تقبض على مقبض سلاح. كانت يدان تحملان سيفين طويلين، نصلاهما أحد من موسى ومنحنيان قليلًا، ويدان تحملان منجلين ملتويين مهددين، أما اليدان الأخيرتان فكانتا تحملان صولجانًا ثقيلًا وترسًا مكسورًا

كانت صفيحة صدر درعه الصدئ محطمة، كاشفة عن جرح مرعب تحتها

وقد أكلها العطش والإرهاق، رفعت نيفيس يدًا، كأنها تتوسل إلى الكائن أن يتوقف

لكن، بالطبع، لم يفعل

وبجنون غاضب يحترق في عينيه، اندفع الرجس نحوها، ضاربًا بأحد المنجلين. تحرك أسرع من البرق، مرسلًا سحابة قرمزية من الأوراق الساقطة تدور في الهواء مع هبة ريح قوية

تراجعت نيفيس خطوة، ورفعت سيفها المكسور لصد الضربة المدمرة، كأنها نسيت أنه بلا نصل

لكن في اللحظة الأخيرة، ظهر شعاع من ضوء الشمس النقي حيث كان ينبغي للنصل أن يكون، ومنع المنجل من تمزيق لحمها

تمايلت نيفيس من قوة الاصطدام، لكنها بقيت واقفة. انفرجت شفتاها المتشققتان، وخرج منهما همس أجش:

“فلنحترق إذن… فلنحترق معًا…”

في اللحظة التالية، اشتعلت ألسنة لهب بيضاء في عينيها

توهج جلدها فجأة بإشعاع نقي، ثم صار أكثر سطوعًا، وأكثر سطوعًا… ثم ازداد سطوعًا أكثر

دفعت المنجل بعيدًا، وتفادت سيفين مندفعين، ورقصت حول العملاق المدرع، ونصلها المصنوع من ضوء الشمس يخترق الدرع الصدئ بسهولة مرعبة

قاتل الاثنان في ظل الشجرة القديمة، بينما كانت آلاف الجماجم تحدق في معركتهما بعيون فارغة وهي تتمايل في الريح

كانت نيفيس أبطأ وأضعف بكثير من الشيطان سداسي الأذرع، لكن مهارتها كانت كاملة، لا يمكن تفسيرها، وقاتلة. تحركت مع مجرى المعركة كأنه عنصرها الطبيعي، مسيطرة على إيقاعه بسهولة باردة. كان لحمها يلتئم بعد ثوان من تمزقه، ولم تزد ألسنة اللهب المشتعلة في عينيها إلا حرارة

وبوجه شاحب كالموت من الألم المرعب، صار وجهها الجميل أبرد فأبرد، حتى أصبح شبه غير بشري

أما سيفها المصنوع من ضوء الشمس، فقد ترك علامات منصهرة على جسد الشيطان القديم. ورغم أن مثل هذه الجروح لا يمكن أبدًا أن تؤذيه، فإن الكائن ترنح فجأة بعد فترة

…بالطبع، ترنح. فتلك كانت ذكرى تركتها الشمس بلا اسم من الشاطئ المنسي، في النهاية. كل شيء تلمسه كان محكومًا بأن تُدمَّر روحه

أخيرًا، تمكنت نيفيس من إيجاد ثغرة واندفعت إلى الأمام، ضاربة إلى الأعلى بالشمس بلا اسم. قطع نصل ضوء الشمس الدرع الصدئ وبتر إحدى ذراعي الشيطان، ثم هبط وشق ذراعًا أخرى

وقبل أن يتمكن الكائن من التعافي، كانت قد وصلت إليه بالفعل. انحرفت نيفيس جانبًا عن ضربة ساحقة من الصولجان الثقيل، ووضعت يدها على وجه الشيطان

تجمد الكائن، ثم فتح فمه كأنه سيصرخ

…لكن كل ما خرج منه كان ألسنة راقصة من اللهب الأبيض

ومع خفوت الإشعاع النقي الذي يغلف جلد نيف، بدا كأن الشيطان يحترق من الداخل. انفتحت شقوق ملتهبة في جسده، تسرب نارًا نقية وتشع حرارة مُبيدة. غلى لحمه واسود، وفي النهاية، استُبدل اللمعان الأزرق في عينيه بضوء أبيض يعمي البصر

ثم انطفأ ذلك الضوء، تاركًا خلفه حفرتين داكنتين متفحمتين

أفلتت نيفيس وجه الكائن، وراقبت جسده المحروق وهو يسقط إلى الأرض

حدقت فيه لبضع لحظات، ثم أدارت وجهها عنه ببرود. تقدمت بضع خطوات إلى الأمام، ثم تمايلت نيفيس وسقطت على ركبتيها

بعد ذلك، مدت يديها المرتجفتين إلى البركة، وجمعت كفيها، ورفعت حفنة من الماء البارد العذب إلى شفتيها

أخيرًا، أمكن إرواء عطشها المروع

التالي
499/3٬052 16.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.