تجاوز إلى المحتوى
سيد السيف المحتضن للنجوم

الفصل 108

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

85: الفصل 108 – أبرد من الشمال (1)

في أواخر الشتاء القارس، سحب جوزيف الكرسي الذي كان يجلس عليه بالقرب من النافذة وأطال النظر إلى الخارج. وعند بوابة “سوارا” التي تظهر من خلال النافذة، احتشد عدد كبير من كهنة الكنيسة في انتظار شخص ما.

“أتعرفه؟”

لاحظ ياجر أن عيني جوزيف اللتين ترقبان المشهد من النافذة لم تكونا على طبيعتهما؛ بل كانتا مشدودتين كمن يراقب إعصاراً يقترب.

“يُقال إنه الابن الشرعي للدوق دراجوليا، والأخ غير الشقيق لميرشيا، قائد فرسان قاتلي التنين.”

بمجرد أن أنهى ياجر تقريره، تسارعت تحركات الكهنة في الخارج. ظهرت راية فرسان قاتلي التنين، وعليها خط داكن يقطع عنق التنين، وهم يدخلون “سوارا”.

“اسمه رادو. ورغم صغر سنه، فهو فارس أردى تنانين قتيلة عدة مرات بالفعل.”

كان جوزيف يصغي بتركيز إلى ياجر، بينما لم تحِد عيناه عن البوابة. كان هناك ثلاثة فرسان يدخلون تحت الراية، ومع ذلك، برز الرجل الذي في المقدمة بشكل لافت رغم بعد المسافة. وحتى من مكتبه البعيد، استشعر جوزيف ثقته الطاغية.

“رادو دراجوليا، سليل أمير دم التنين…”

اشتهرت عائلة بايزيد أيضاً بإنجاب فرسان عظماء، لكنها ربما لم تكن تضاهي عائلة دراجوليا المركزية؛ فهم عائلة ورثت دماء التنانين حقاً، ولم يكن ذلك مجرد لقب أجوف، بل حقيقة مسجلة في طيات التاريخ. والآن، يسير فارس من سلالة دم التنين نحو “سوارا” تلبية لدعوة مهذبة من الأسقف بيدرو.

“وهنا أيضاً.”

هذه المرة، قدم ياجر تقريره لجوزيف عبر ملاحظة صغيرة بدلاً من الكلمات.

“يُقال إن عيون عائلة بايزيد قد رصدت تحركات مشبوهة في أنحاء الشمال كافة.”

“…”

تناول جوزيف الورقة التي سلمها له ياجر، ففتحها بحذر وشرع يقرأ فحواها.

“هممم.”

حاول تمالك نفسه، لكنه لم يفلح. كانت الملاحظة تحتوي على جملة قصيرة واحدة، لكنها جعلت جوزيف يعقد حاجبيه وهو يقرأها. لم تكن مجرد توضيح للوضع، بل كانت تحذيراً صامتاً من والده، بيتر.

“…أعتقد أنني كنت مخطئاً.”

“نعم؟”

مع تلك الكلمات، نهض جوزيف واقترب من النافذة. ولأنه لم يكن قادراً على حمل السيف، فقد صقل بصيرته الحادة وأفكاره العميقة. ومع ذلك، وبغض النظر عن مدى شدة تدريبه، بدا أنه لا يزال يفتقر للخبرة أمام محقق الهرطقة الذي قضى حياته كلها في ساحات المعارك الفكرية.

لم يكن فلاد هو هدف الأسقف بيدرو. كان من الواضح أن الأسقف بيدرو وجوزيف يتنافسان على السيطرة على “سوارا”، ومع ذلك، فإن قوة “سوارا” التي كانت غاية جوزيف وهدفه، لم تكن بالنسبة للأسقف بيدرو سوى وسيلة يمكنه التخلي عنها في أي وقت.

كان الأسقف بيدرو ينظر إلى ما هو أبعد من جوزيف. كانت الكنائس الشمالية التابعة للفاتيكان تتحرك، وكان الأسقف بيدرو من “سوارا” أول من رفع العلم، أما المكان الذي كانت تحشد فيه الكنيسة جنودها، فكان إحدى الإقطاعيات العريقة في الشمال؛ مدينة البارون أوتمان، “موسيا”.

***

كانت بركة “الشامة اللامعة” قوية حقاً. فعندما غادر فلاد وغوته غابة “دوبريشي”، لم يتعرضا لأي هجوم من الوحوش أو الحيوانات، بل كانت خطواتهما خفيفة. انتهت الرحلة التي سارت بسلاسة بخروجهما من الغابة أسرع بكثير مما كان متوقعاً، وهنا بدأت المشكلة.

“مهلاً، تناول طعامك ببطء، فلن يسلبك إياه أحد.”

كانت النار تتأجج تحت شجرة كساها الثلج بالبياض، وجلس رجلان يأكلان الحساء بنهم تحت وطأة الحرارة الدافئة والدخان. تحدث الرجل الذي يراقب المشهد أمامه إلى فلاد وغوته بتعبير يشوبه الأسى؛ فقد كشفت شفاهه الشاحبة، رغم حرارة الحساء، عن مدى التعب الذي نال منه جراء الترحال.

“شكراً لك. لو لم نلتقِ بك، لكنت في ورطة حقيقية.”

يجب على المرء أن يتعلم كيف يعبر عن امتنانه لمن يشاركه الطعام. وفلاد، الذي كان صياداً يافعاً قبل أن يحترف النشل، يدرك تماماً قيمة طبق الحساء الساخن، لذا عبر عن امتنانه الصادق للمرتزقة الذين أنقذوه.

“واو…”

“…هذا شيء سأذكره طويلاً.”

ومع ذلك، فتح المرتزقة الذين سمعوا شكر فلاد أعينهم على وسعها وأبدوا دهشتهم. وفي ذلك الجو الذي صار مريباً فجأة، بدأ فلاد يتلفت حوله ليرى إن كان قد ارتكب خطأ ما، فمهارات الحياة التي تعلمها في الأزقة كانت تتدفق منه بشكل طبيعي كالتنفس.

“أحسبك فارساً من المنطقة الوسطى؟”

ابتسم الرجل الذي قدم نفسه كزعيم للمرتزقة ببساطة، وقدم لفلاد قطعة من اللحم المجفف. يبدو أن طريقة فلاد في التعبير عن شكره قد نالت إعجابه.

“أنا لست من المنطقة الوسطى، أنا من الشمال.”

“أوه، لهذا قلت ذلك إذاً.”

واصل فلاد حديثه بعد أن استعاد حواسه أخيراً عقب نجاته من البرد والجوع، ونظر إلى المرتزقة الذين يراقبونه بفضول وسأل: “هل ارتكبت خطأً للتو؟”

“لا، لا يا سيدي! هاها!”

انفجر الرجل ذو الشعر المجعد ضاحكاً عند سؤال فلاد، وقدم له وعاءً آخر من الحساء قائلاً: “لأنها المرة الأولى التي يسمع فيها أوباش من مستوانا كلمة شكر من أشخاص مثلك.”

شعر فلاد بعدم ارتياح طفيف وهو ينظر إلى المرتزقة الذين وصفوا أنفسهم بالأوباش. في الواقع، كان فلاد هو من عاش في القاع، وليس هم، لكن صورته في هذه الأرض الجديدة بدت وكأنها لفارس شاب فحسب.

“يبدو أنني كنت مفرطاً في التهذيب.”

يبدو أن الفوارق الطبقية كانت أعمق في المنطقة المركزية مما هي عليه في الشمال. وبالتأكيد ستكون هناك اختلافات عدة بناءً على خصائص كل منطقة، لذا قرر فلاد أن يضع هذه النقاط في حسبانه مستقبلاً.

“بالمناسبة يا فارس، إلى أين وجهتك؟”

“كنا في طريقنا إلى تانوفو، مدينة في مقاطعة فيتسكايا.”

رفع فلاد رأسه ونظر إلى الرجل ذو الشعر المجعد. توقف قائد المرتزقة عن الضحك عندما رأى نظرة فلاد وهو يمسك بوعاء الحساء، ورغم أنه لم ينطق بكلمة، إلا أن النية في عينيه كانت واضحة تماماً.

“يا لها من مصادفة، نحن أيضاً كنا نقصد تانوفو.”

“أوه!”

وقبل أن يتمكن فلاد من الرد، أطلق غوته زفرة ارتياح سريعة وقال: “الحمد لله، أيها القائد. إذا تبعنا هؤلاء الناس، فسنصل إلى تانوفو حتماً.”

“أغلق فمك.”

لم يستطع فلاد كبح غيظه المتصاعد، فأطلق تلك الكلمة أخيراً. فقبل مغادرتهما، كان غوته من النوع الذي يضرب صدره ثقةً بنفسه، ولكن بما أن الأمر انتهى بهما إلى هذا التشتت، لم يجد فلاد بداً من لوم نفسه على ثقته بمحتال.

“أنا فلاد من سوارا. لا، نادني فلاد فقط.”

“وأنا ستيفان من مرتزقة ‘ثورن’، يا سيدي.”

كبح فلاد غضبه وصافح قائد المرتزقة مبتسماً، وعندما تلامست أيديهما، التقت أعينهما. رأى فلاد أن عيني ستيفان الزرقاوين تتناسبان تماماً مع شعره البرتقالي المجعد.

سبحان الله وبحمده.. نتمنى لكم يوماً سعيداً بصحبة روايات مَـجَرَّة الرِّوَايَات.

***

كانت هذه أول مدينة يراها فلاد في المنطقة الوسطى. ورؤية “تانوفو”، التي كانت مدينة حقيقية وليست بلدة نائية مثل “دوبريتش”، وسعت آفاق فلاد الذي قضى حياته كلها في “سوارا”.

“هذه أول مرة لي في قلب المدينة، لذا قد لا يكون هذا المكان سيئاً للغاية.”

كان يعلم من واقع خبرته أنه إذا بدا كقروي ساذج، فسيكون هدفاً سهلاً للمجرمين، ومع ذلك، فإن أجواء المدينة التي يراها لأول مرة أثارت حماسه.

“تعتبر هذه المدينة إحدى القواعد التجارية مع الجان في الشرق، لذا فهي ممر للكثير من التجار والمرتزقة.”

كان ستيفان يظهر أقصى درجات الاحترام تجاه الفارس الذي بدا له غير متمرس. فالفارس يبقى فارساً مهما صغر سنه، وإن كان بإمكانه بناء علاقة مع فارس مقابل بضعة أطباق من الحساء وكلمات طيبة، فستكون صفقة رابحة بلا شك.

“هل تريدني أن أجد لك نزلاً؟ أنا أعرف بعض الأماكن الجيدة.”

“همم، أريدك فقط أن ترشدني إلى نزل، فأنا أنوي لقاء سيد هذا المكان أولاً.”

“واو، فهمت.”

أومأ ستيفان برأسه وعيناه تتألقان وهو يسمع فلاد يقول بفخر إنه سيلتقي بالكونت فيتسكايا. فليس كل من يحمل لقب فارس يستحق الاحترام، فهناك من يمشون برؤوس مرفوعة وهم في حال أسوأ من المرتزقة، لكن هذا الفارس الشاب كان ذا مظهر غير عادي وواثق، لذا لم يستطع ستيفان إلا أن ينبهر به.

“إذا احتجت إلى مساعدة، فابحث عني في أي وقت. نحن نخطط للبقاء في النزل الذي عند التقاطع أمامنا لبضعة أيام.”

“حسنًا.”

رغم رد فلاد المقتضب، لم يشعر ستيفان بالإساءة، بل بدا وكأنه يتقبل هذا الموقف، وأومأ برأسه كأن هذا هو التصرف الصحيح المتوقع من فارس.

“شكراً لك.”

“على الرحب والسعة، يا سيدي.”

كان من الصعب حقاً التعامل مع شخص يكبره سناً، لكن كان على فلاد الاعتياد على ذلك. ففي غياب جوزيف أو الفرسان الكبار الذين كانوا يفرضون سلطتهم، تعين عليه الآن أن يدافع عن مكانته بنفسه.

يمكن العثور على قصر الكونت بالتوجه نحو أكبر مبنى في المدينة. غادر ستيفان وهو يبتسم بتفهم بينما يراقب فلاد وهو يحاول شق طريقه، وانحنى أفراد المرتزقة الذين يتبعونه لفلاد باحترام قبل أن يختفوا في الزحام.

“يجب أن أزوره لاحقاً وأدعوه لتناول مشروب.”

فمن شيم الكرام رد الجميل، ولولا ستيفان لكان فلاد لا يزال تائهاً في غابة الشتاء الباردة، لذا كان من الواجب إظهار امتنانه.

“إذا كنت ستدعوه، فمن الأفضل أن تشتري شيئاً فاخراً، أيها القائد.”

“لماذا؟”

ألقى غوته، الذي كان يمشي خلف المرتزقة، نظرة ذات مغزى على فلاد وقال: “يبدو أنهم مجموعة مرتزقة مشهورة. فمن خلال عتادهم وسرعة عبورهم للتفتيش عند بوابة القلعة، يتضح أنهم فرقة لها وزنها.”

“حقاً؟”

بدأت عينا فلاد تتألقان وهو يراقب رحيل ستيفان؛ فلم يكن ستيفان وحده من يطمح للاستفادة من هذه العلاقة.

***

كانت القصور في الشمال تتسم بطابع عملي بحت؛ مرافق واضحة الغرض وأسوار شاهقة، لدرجة أنها كانت تشبه القلاع الصغيرة القاتمة. لكن الطراز في المنطقة المركزية كان مختلفاً تماماً.

“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”

كانت الأسوار الخارجية البيضاء الناصعة تحيط بالقصر، والنقوش التي تزينها كافية لتجعل فلاد يقف مبهوتاً للحظة.

“أنا فلاد، فارس من عائلة بايزيد. جئت إلى هنا لأن لدي طلباً خاصاً أود تقديمه لسيد هذا المكان.”

“هل لي أن أعرف بخصوص ماذا؟”

رغم انبهاره بتلك الأناقة المفرطة التي يراها لأول مرة، إلا أنه لم ينسَ مهمته.

“لدي أمر عاجل أود إبلاغه للسيد، وأريد استخدام ‘رسالة الساحر’. يُرجى إبلاغه بأن فارساً في ضائقة ينتظر كرم المساعدة من الكونت فيتسكايا.”

كانت الزيارة مفاجئة، لكنه اعتقد أن إعارة “رسالة الساحر” أمر ممكن، فلن يفوت حاكم الإقليم فرصة لتعزيز وجاهته بتقديم خدمة بسيطة.

“أيها القائد، هل سنذهب إلى النزل لاحقاً؟ ربما تتلقى دعوة.”

“نعم.”

أومأ فلاد برأسه رداً على سؤال غوته الإيحائي. ففي الشمال، جرت العادة على إكرام الزوار، وإن كان لديهم عرف مماثل هنا، فربما يحظى بوجبة عشاء.

لكن مرت عشر دقائق، ثم ساعة، ورغم حلول الظلام، لم يأتِ أحد لاستدعاء فلاد.

“…”

كان هدف جوزيف من إرسال فلاد هو حمايته من مضايقات الفاتيكان، وأيضاً ليرى العالم. وبهذا المعنى، نجحت خطة جوزيف تماماً.

“متى سنحصل على رد؟”

“لا أعرف. أود على الأقل أن أسمع جواباً، سواء بالقبول أو الرفض.”

“عليك الانتظار.”

ازدراء بارد، بل كان بإمكانه سماع نبرة سخرية بين الحين والآخر. لم يشعر فلاد بالغضب من هذه المعاملة الباردة التي لم يعهدها منذ زمن، فقد كان أمراً مألوفاً له ويمكنه تحمله، لكنه كان يتساءل فقط عن سبب هذه المعاملة رغم كشفه عن هويته بوضوح.

كم من الوقت سيمضي؟

“…”

كان اللوردات في المنطقة الوسطى يعتقدون أنهم مركز العالم، وأن نبالتهم لا تضاهيها نبالة أهل الشرق الذين يحرثون الأرض الجافة، أو أهل الشمال الذين تجري في عروقهم دماء الهمج.

“يجب أن تنتظر حتى يستدعيك الكونت.”

“…”

رأى الضفدع الذي في البئر العالم، لكن العالم الذي كان يظنه شاسعاً لم يكن سوى جدران أخرى. كان مركز العالم يمارس التمييز ضد أهل الشمال، ولم يجد فلاد بداً من الوقوف صامداً أمام بوابة الكونت الموصدة بإحكام.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل • وتابعوني على تيك توك lordofthemysteries3 للي يبي يدعمني ويسوي متابعة! 💬]

التالي
105/181 58.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.