الفصل 13 : النجم المكسور والسيخ الممتد
الفصل 13: النجم المكسور والسيخ الممتد
في زقاق مائل إلى الوحل، كان ثمة صبيٌّ أثعثُ المظهر يحدّق بجمود في أحد العابرين. كان هذا الطفل ملفتًا للانتباه بلون عينيه الفريد وسط شارعٍ يرزح فيه الجميع تحت وطأة البؤس والاحتضار.
“ذلك الطفل…”
“دعه، يبدو جائعًا.”
أشار رجلٌ كان يأكل أسياخ اللحم عند كشكٍ على الرصيف نحو الصبي الذي كان يرمقه بالنظرات.
“تعال إلى هنا. نعم، أنت يا صاحب العينين الزرقاوين.”
“…”
اقترب الصبي مثلما أمره الرجل، وتبدو على وجهه علامات الضياع، كما يُتوقع تمامًا من طفلٍ يقتات على الفتات في الأزقة الخلفية.
“من أين أتيت وأنت بهذه الحالة الرثة؟”
كانت حواشي عينيه مسودة ومكتنزة بالكدمات، وملابسه البالية التي بالكاد تستر جسده كانت ممزقة في عدة مواضع؛ شاهدًا على عراكٍ حديث.
“لكن تلك النظرة في عينيك تجعلك تبدو جيدًا.”
على الرغم من مظهر البؤس، إلا أن عيني الصبي كانتا تتقدان ببريقٍ من الحياة، وهو ما وجده الرجل مثيرًا للإعجاب.
“هاك، خذ سيخًا آخر.”
تناول الرجل الضخم سيخًا إضافيًا من صاحب الكشك ومدّه إلى الصبي المعدَم الذي بدا كالمتسول: “كُل.”
كانت تلك لفتة تعاطفٍ بسيطة. ومع ذلك، فإن قدرة هذا الطفل على استدرار عطف قساة القلوب في هذا الزقاق كانت تعني أنه كسب قوته لليوم.
“ماذا تنتظر؟ خذه.”
“…”
جعلت رائحة اللحم المشوي ريق الصبي يسيل.
“قلت لك خذه.”
تردد الصبي وفكّر برهة، ويبدو أنه اتخذ قراره؛ فبدلًا من أن يمد يده ليأخذ السيخ، وجه حديثه للرجل:
“يمكنني أداء عملٍ جيد.”
“ما هو؟”
“أي شيء.”
نظر الصبي مباشرةً إلى عيني الرجل، تجاهل السيخ المعروض عليه وقال: “يمكنني إتقان أي عمل. فقط أعطني مهمة.”
بدا الرجل وهو يسلم السيخ كالنجوم الساطعة في عالم الأزقة الخلفية.
“ما اسمك؟”
شعر الرجل بالفضول وهو يتأمل الصبي. من هذا المتسول في الأزقة الخلفية الذي يتحدث بثقة بدلاً من أن يختطف الطعام ليضمن بقاءه ليوم آخر؟ فسأل عن اسم هذا الصبي المتمرغ في الوحل، الذي صمت برهة بينما عينان الزرقاوان لا تزالان تتألقان.
“فلاد.”
في تلك اللحظة فقط، التقت عينا الرجل بعيني الصبي الزرقاوين. وقد راق ذلك اللون للرجل كثيرًا.
“هل تأتي معي إلى منزلي؟”
قرر الرجل أن يأخذ الصبي معه، لأن ذلك اللون ذكّره بشخصٍ تركه منذ زمنٍ بعيد. كانت عينا الصبي الزرقاوان تشبهان النجوم.
“هاه… هاه…”
استيقظ فلاد في هزيع الليل الأخير بينما كان الجميع غارقين في النوم، وكان ينفث أنفاسًا متلاحقة.
“…لقد نمت بما فيه الكفاية.”
كان ذلك حلمًا من زمنٍ بعيد، من حقبةٍ كان فيها البقاء على قيد الحياة مجرد صراعٍ يومي. استيقظ فلاد ونظر حوله؛ كانت الخيمة تعبق برائحة رجالٍ غرباء وأصوات شخيرهم المتصاعدة.
“لا أزال أستشعر طيف ابتسامة ‘روزا’ في هذه الأرض القاحلة.”
وإدراكًا منه أن النوم لن يطرق جفنيه مجددًا، استل فلاد سيفه وخرج من الخيمة.
[الحفاظ على أفضل حالة ممكنة في جميع الأوقات هو شرطٌ أساسي لممارس السيف يا فلاد.]
“…”
لم يرد فلاد على الصوت.
“من هناك؟”
“إنه ريمان.”
“إلى أين تذهب في هذا الوقت من الليل؟”
“لأداء الصلاة.”
“…ريمان، يناسبك أن تكون كاهنًا أكثر من كونك مرتزقًا.”
كشف فلاد عن وجوده للحراس المرابطين، وتوجه نحو تلةٍ يغمرها ضوء القمر. هناك، قبض على مقبض سيفه وأغلق عينيه.
[لقد تجاوزت العديد من المصاعب.]
بدا الصوت وكأنه صدى قادم من حلم فلاد.
[لأن الأحلام ما هي إلا تجسيدٌ للرغبات الشديدة.]
“ما الذي كنت أتأمله إذن؟”
لم يجب الصوت.
“ومع ذلك، أن يحن المرء لشيء…”
كان هناك رجلٌ يصلي تحت سماءٍ بلا قمر، بشعرٍ أشقر فاتح يداعبه نسيم الشتاء البارد.
“…ولكن إلى متى يجب أن أستمر في الحديث مع نفسي كالمجانين؟”
[حتى تخلق عالمك الخاص داخل روحك.]
“أنشئ عالمًا؟ من تحسبني، حاكمًا؟”
[مجرد أن تتوافق نواياك مع أفكارك، فهذا في حد ذاته فعلُ منشئ. الإرادة الصلبة وحدها هي ما تجعل عالمك يتجسد.]
“يبدو أنني أتظاهر بذلك فحسب… أظن أنني سأضطر لمواصلة هذا الجنون لفترة طويلة.”
[هذا يعود إليك.]
صلاة ريمان… كانت الوسيلة التي اتخذها كملجأ أخير لأنه لم يستطع محادثة نفسه جهارًا أمام الآخرين.
“هل يفعل جميع الفرسان ذلك؟ هل يملكون عالمًا في أرواحهم؟”
[أولئك الذين يتعاملون مع ‘الهالة’ فقط.]
“حسناً، ما دمت قد قلت ذلك، فلا حجة لي.”
وكانت هذه الحيلة جيدة التأثير على نحوٍ غير متوقع؛ إذ أتاحت له الصلاة قضاء وقتٍ بمفرده دون إزعاج، كما ميزته عن بقية المرتزقة، ما أضفى عليه طابعًا استثنائيًا. والتميز عن الآخرين لم يكن سوى طريقة أخرى للتعلق بشيءٍ ثمين.
“ولكن قبل قليل، نفذت ما قلته لي تمامًا، ومع ذلك لم ينجح الأمر كما ينبغي.”
[لماذا لم ينجح؟]
غير أن الصبي كان يتملكُه الندم الآن.
[عندما ترفع سيفك وتميل بجسدك، ينقضّ الخصم بسرعة، وعليك حينها أن تكون أسرع منه. مهما شرحت لك، لماذا لا تفهم؟]
“… أبحقٍ تتحدث الآن؟”
فما كان يحاول تحقيقه عبر الصلاة كان يبوء بالخفق. هناك مقولة تدعي أنه مهما بلغت براعة المبارز، فليس بالضرورة أن يكون معلمًا بارعًا. وكان ذلك صادقًا؛ ففلاد لا يعلم حتى إن كان هذا الصوت يعود لمبارزٍ فذ حقًا.
“هل تعتقد حقًا أن بإمكاني فهم هذا الشرح؟”
[… لا، لقد أردتك أن تُصدر صوت السوط عندما تتأرجح بالسيف!]
“يا إلهي، أرجوك خلصني من هذا الشيطان الذي لا يتقن حتى التعبير!”
برزت العروق على جبهة فلاد وهو يستمع إلى هذا الشرح التعسفي.
“اقضِ عليّ أو ارحمني!”
[أنا أسمع كل كلمة تقولها.]
بدا الصوت وكأنه أدرك سوء شرحه، فأجاب بنبرة شوبها الاستسلام الهادئ.
“أرني إياها مرة واحدة فقط الآن.”
[قد تنتهي بك الحال كبركة من الدماء والوحل، أتعلم ذلك؟]
“لقد قلت إنني لن أخرج في الحملة غدًا.”
ولحسن الحظ، كانت ثمة طرق أخرى يتعلم بها الصبي من الصوت.
[حسناً. أغمض عينك اليمنى.]
امتثل فلاد لتوجيهات الصوت وأغلق عينه اليمنى.
“ممم…”
وفجأة، شعر فلاد وكأن بصره يتراجع للوراء للحظة، كما لو أنه يخطو خطوة إلى الخلف لينظر إلى العالم بمنظور شامل.
[اشعر بها جيدًا.]
بينما أغلق فلاد عينه اليمنى، سحب سيفه برفق تحت ضوء القمر، بهالة ووقفة مختلفين تمامًا عما كان عليه قبل لحظات. في تلك البرهة، بدا فلاد كشخص آخر تمامًا، يفرض سيطرته على كل ما حوله، بما في ذلك الرياح الهوجاء والأرض التي يطؤها.
[انسلل بحركة غير متوقعة.]
شعر بهيمنةٍ مطلقة على ساحة المعركة.
[احكم قبضتك على الميدان برؤيتك، متقدمًا بخطوة واحدة.]
ثم انطلقت ضربة السيف.
[هذا هو سر القتل بضربة واحدة.]
ومض ساطع شق ضوء القمر، في لحظة خاطفة من الألق. لكن فلاد شعر بتيار الهواء ينقسم لبرهة، متبوعًا بعويل الرياح الممزقة.
[افتح عينك يا فلاد.]
عندما فتح فلاد عينه اليمنى، ترنح وسقط على الأرض.
“آه… كان ذلك مرهقًا للغاية!”
تقطب وجه فلاد وهو يمسك بساقه المتألمة. لم تستغرق الحركة سوى لحظة عابرة، لكنه شعر بتقلص حاد في العضلات التي أُرهقت فوق طاقتها.
[هل شعرت بها؟]
لكن فلاد كان يبتسم رغم الألم: “أظن أنني فهمت الفكرة العامة.”
لقد رأى، وشعر، ولمس جوهر المهارة. غرس الصوت المجهول خبرته الحية في جسد فلاد مؤقتًا، واستطاع الفتى الذكي أن يتعلم عبر اقتفاء الآثار التي تُرِكت له.
“أعتقد أنني سأتمكن من أدائها في المرة القادمة.”
[لقد قلت الكلام نفسه في المرة السابقة.]
كان التجريب المباشر نقلةً نوعية مقارنة بالشرح اللفظي والتلقين. الموهبة الفطرية والتعلم الحي كانا يدفعان بتطور فلاد بسرعة فائقة، وكأن الأقدار قد سُطرت لتكون كذلك.
“القمر ساطع بشكل استثنائي الليلة.”
تأمل فلاد السماء وهو يمسك بساقيه المرتعشتين: “بات هذا القمر يذكرني بذلك الرجل كلما أطلعتُ فيه.”
[……]
الفارس الذي يشبه ضوء القمر الأزرق… كان هو أول عالمٍ يراه الصبي، وكان هو ذاته من حطم “خورخي”، عالم الصبي الخاص.
“…… سأدمر هذا القمر يومًا ما.”
[ستكون قادرًا على ذلك.]
كان فلاد صبيًا يرمق النجوم المتلألئة بنظراته دائمًا، حتى قبل أن يشاهد النجم الذي صنعه الحداد العجوز.
“سأثأر لـ ‘خورخي’.”
كان ذلك النجم هو الأكثر مهابة وضخامة في الأزقة الخلفية. كان الصبي يحمل في أطواء قلبه ذلك النجم المكسور الذي طالما توق إليه.
“هذا يكفي لهذا اليوم.”
[حسناً.]
وكان النجم الذي اشتُرِي بدموع الفتاة مستقرًا على كتفه. كان ضوء القمر الأزرق يراقب ظهر الصبي وهو ينزل التل حاملاً النجم.
الجزء 2: طموح جوزيف
“······ إذن استطعت التعامل مع ‘الجني’ بفضل بديهتك وارتجالك.”
في وقت متأخر من الليل، كان “يوسف” (جوزيف) يجلس متكئًا على كرسيه، ينظر إلى الفارس الذي يرفع إليه تقريره.
بخديه العريضين، وجسده الضخم الذي لا تخفيه الدروع، ونظراته المترددة، بدا من غير الواضح ما إذا كان هذا الرجل جديرًا بحمل السيف والعيش كفارس.
“سيدي فوردان.”
“نعم، اللورد يوسف.”
كتم يوسف تنهيدة كادت تفلت منه، وقال: “هل أبدو لك كالأحمق؟”
“…”
كان يوسف يعلم أنه ينبغي أن يستشيط غضبًا في هذا الموقف، ولكن بدلاً من الغضب، وجد رغبة عارمة في الانفجار ضاحكًا.
“إلى أي حدٍ تبدوتُ لك سخيفًا حتى تجرؤ على رفع تقريرٍ كهذا أمامي؟”
“اللورد… اللورد يوسف…”
كان الفارس المقابل له يتصنع البلاهة ويسخر من نفسه. لم يكن واضحًا ما إذا كان يختبئ وراء ذلك لحماية نفسه أو لتعزيز صورته، لكنه كان يلقي بالأكاذيب جهارًا أمام جوزيف، قائد الحملة.
“أكثر من عشرين مرتزقًا تبعوك… أتعتقد أن كلمة واحدة مما قالوه لم تصل إلى مسامعي؟”
“…”
ظل صامتًا. وكان “زيار”، الواقف بجانب يوسف، يتنفس بصعوبة وهو يراقب فوردان يترقب رد الفعل. كان يوسف يعلم أنه لو أمر زيار بقطع رأس فوردان الآن، لسقط ذلك الوجه القبيح متدحرجًا على الأرض فورًا.
“······ تذكر كلماتي جيدًا اليوم.”
“أشكرك على كرم عفوك، سيدي يوسف!”
ومع ذلك، لم يكن بمقدور يوسف أن يأمر بقتل الفارس المدعو فوردان؛ لأن هذا الأحمق الغبي العجوز اللعين كان أحد الفرسان القلائل في العائلة الذين أعلنوا ولاءهم له.
“حفنة من القمامة…”
بمجرد أن غادر فوردان الخيمة، أمسك يوسف برأسه وزفر بحسرة وإحباط.
على الرغم من أن عائلة “بايزيد” كانت تثمن القوة العسكرية، إلا أن فرسانهم لم يكونوا جميعًا على قدرٍ عالٍ من المهارة. كان مصطلح “فارس” يُطلق على من يحمل السيف، ولكنه كان أيضًا مجرد لقب نفوذ أو وراثة.
(ليت عائلتي اللعينة تنهار، حتى أقطع رأسه دون تردد!)
كانت عائلة بايزيد تضع معايير عالية، لكن امتلاك المال والروابط للنفاذ عبر تلك المعايير كان يعني ظهور أمثال فوردان بين الفرسان. وكان يمكن اعتبار تلك الاتصالات والمال نوعًا من المهارة والقوة أيضًا.
“هل يراني والدي كحاوية نفاية؟ هل لهذا السبب يدفع بالحثالة فقط أمامي؟”
الآن، وقد اشتعل الغيظ في صدره، نهض يوسف وقال بشفاه ترتجف غضبًا.
“يرجى التهدئة من روعك يا سيدي.”
“….. أحتاج إلى سيف. سيفٍ حاد، وليس مجرد قطعة من القمامة.”
في عيني يوسف القاتمتين، كانت هناك رغبةٌ متقدة كالجمر.
“إذا امتلكتُ ذلك السيف، فلن أسمح لشقيقي بالتفوق علي بعد الآن.”
تنهد بعمق. كان يعترف بنقص مهاراته القتالية، لكنه لم يستطع تحمل فكرة تحجيمه بناءً على مقوماتٍ ولد بدونها.
كان كل رؤساء عائلة بايزيد عبر التاريخ فرسانًا يشار إليهم بالبنان في عصرهم. ولم يكن والده “بيتر بايزيد” استثناءً، كما كان شقيقه “روتجر بايزيد” موهوبًا بما يكفي ليكون الفارس الذي يمثل الجيل القادم.
“الله لا يمنح المرء كل شيء. اللورد يوسف، أنت تمتلك ما يربو بكثير عما تفتقده.”
كانت كلمات زيار سديدة ومباشرة. لم يُولد يوسف ببنية جسدية قوية، لكنه كان يحوز أسلحة لا يملكها روتجر: عقلٌ حاد، ورزانة، وروحٌ صلبة، فضلاً عن الدعم الهائل من عائلة والدته.
بالطبع، كانت كل هذه الميزات تعتبر ثانوية في نظر عائلة بايزيد التي تقدس البطولات العسكرية.
“هل عثرت عليه؟”
“نعم.”
فكّر يوسف: (إن لم أستطع أن أكون السيف بنفسي، فسأكون اليد التي تحمله).
“هل هو نبيل؟”
“لا.”
“هل هو عضوٌ واعد في إحدى نقابات فنون السيف؟”
“ليس ينتمي لأي جماعة أو تنظيم.”
انفرجت شفتا يوسف بابتسامة طفيفة إثر تقرير زيار.
“إذن هو رجلٌ بلا سيد.”
“بالضبط. يُقال إنه قادم من الأزقة الخلفية لـ ‘شوهارا’.”
إن لم يكن هناك سيف جاهز ليحمله، فسوف يصنع واحدًا بنفسه، طالما كان النصل قابلاً للثقل والتطوير.
“حسنًا، لقد أزف الوقت الليلة، سألتقي به غدًا.”
“علم ويُنفذ.”
جلس يوسف في كرسيه يراقب زيار وهو ينسحب بهدوء خارج الخيمة. وعندما خلا بنفسه، أخذ يقلب خياراته بدقة وحذر.
“ما الذي ترغبه يا فلاد…”
لم يعرف يوسف معنى الاستسلام قط؛ فقد كان دائمًا يخوض معاركه الخاصة للبقاء. وفي ضوء الشمعة المتذبذب، كانت عيناه تتألقان برغبةٍ جموح:
“ما الذي يجب أن أقدمه لك حتى لا ترفضني يا فلاد؟”

تعليقات الفصل