تجاوز إلى المحتوى
سيد السيف المحتضن للنجوم

الفصل 17

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

الفصل السابع عشر

تحركت مجموعة من الرجال عبر الثلج الأبيض؛ نحو عشرين رجلاً مدججين بأسلحة فتاكة، يسيرون بحذر ويتفحصون محيطهم بأعين حادة. سأل زيار فلاد الذي كان يسير بجانب حصانه: «هل يمكننا الوثوق بهذا الرجل؟». فأجابه فلاد: «لا أثق به، يبدو محتالاً».

همهم زيار وهو يرمق المرتزق الذي يسير أمامه؛ كان غوت. التفت الأخير ونظر إلى فلاد بعينين يملؤهما الاستياء، وكأن لسان حاله يقول: «أهذه هي الطريقة التي ترد بها على حسن نيتي؟».

«لا أستطيع الوثوق به، لكنه على الأقل لا يبدو مجنوناً»، أضاف زيار، ليرد فلاد: «وهو الشاهد الوحيد».

فور سماعه نبأ اختفاء الفارس رودريك، أوقف يوسف كافة تحضيرات عودته وشكل فريق بحث للعثور عليه. ربما كانت هذه فرصة؛ فاختفاء فارس من عائلة نبيلة يختلف تماماً عن اختفاء مجرد مرتزق. ورغم أن الحادث قد يثير شكوكاً حول قدرات يوسف ويعرضه لتوبيخ شديد، إلا أنه لم يشعر بالذعر. فبالنسبة له، قد يكون اكتشاف أمر غير مألوف كهذا أكثر نفعاً من مجرد إنجازات عادية في قمع المتمردين. رجل يحافظ على هدوئه في الأزمات ويقتنص الفرص من قلب الخطر؛ هكذا كان يوسف بايزيد.

«ذوو الشعر الأسود…»، كان زيار مضطرباً بسبب التقارير التي تفيد باختفاء رجال يملكون لون شعر سيده يوسف نفسه. تمتم: «الأمر مريب»، ليرد الآخر: «ومع ذلك، لا حيلة لنا الآن».

كانت حماية يوسف أولوية زيار الدائمة، لكنه لم يملك خياراً هذه المرة. فاختفاء الفارس رودريك تطلب تدخل شخص أقوى منه، ومع احتمال وجود تلك المرأة الغامضة التي اختطفته، كان زيار -الفارس الماهر في استخدام الهالة- هو الوحيد القادر على مواجهة الموقف.

«بقي ثلاثة فرسان في المعسكر، لذا لا داعي للقلق كثيراً، أليس كذلك؟»، سأل فلاد، فأجابه زيار: «هذا لأنهم ليسوا بتلك المهارة». فعقب فلاد: «ألم يكن من الأفضل لو بقيت هناك؟»، ليرد زيار بحدة: «لكنهم يظلون أفضل منك».

صمت فلاد. كان تقييم زيار صائباً؛ فمن الطبيعي أن يتفوق فرسان تدربوا لأكثر من عقد على فلاد الذي لم يمضِ على حمله السيف بجدية سوى شهر واحد. ربما كان فوردان، الذي اشترى لقبه بالمال، هو الوحيد الذي يقاربه مهارة أو يقل عنه. ومع ذلك، لم يحبط فلاد من هذا التقييم القاسي، فلو كان ضعيفاً حقاً لما ضمه زيار لفريق البحث.

«أوه، إنه هناك!»، أشار غوت الذي يقود الفريق بيدين مرتعشتين نحو مكان لا تزال فيه آثار معسكر فرقة الإخضاع. كان هو الموقع ذاته الذي وقف فيه غوت للمراقبة، وحيث اختفى رودريك. استعد الجميع ورفعوا درجة تأهبهم.

«هل فتشت الغابة؟ ألم تجد أي أثر؟»، سأل زيار، فأجاب غوت: «أجل، لقد بحث المرتزق الذي كان يعمل صياداً ولم يجد شيئاً». كانت قيادة الفرقة مضطربة بغياب رودريك، وقد تولى نائبه المبادرة مؤقتاً للبحث عنه وقيادة الوحدة.

«بذلت قصارى جهدي، ولكن…»، كانت استجابة معقولة لكنها عكست حدود قدراته. وبسبب تساهل القيادة، تمكن غوت من العودة سريعاً إلى المعسكر قبل الآخرين. همهم زيار وهو يمسح المحيط بنظراته، ثم ربط حصانه بجذع شجرة؛ فمن هنا سيكملون سيراً على الأقدام. أمر قائلاً: «سننقسم إلى مجموعات ثلاثية ونفتش المنطقة، على أن يظل الجميع ضمن مدى رؤية بعضهم البعض». أجاب الجميع بصوت واحد: «علم!».

بسبب جدية الموقف وصرامة قيادة زيار، وبوجود فلاد الذي يضبط المرتزقة، تحرك هؤلاء الرجال -رغم تباين أصولهم- بسرعة وكفاءة تضاهي الجنود النظاميين.

«أنتما الاثنان، معكما هذا الرجل، ستأتون معي»، أمر زيار مشيراً إلى فلاد وغوت. تذمر غوت بصوت خفيض: «يا كابتن، كيف تفعل هذا بي؟ لا ينبغي معاملة الناس هكذا!»، فرد فلاد: «سأعوضك لاحقاً». استمر غوت في تذمره: «هذا احتيال، استغلال للنوايا الطيبة!»، ورغم أنه خفض صوته هيبةً من زيار، إلا أن نبرته كانت تزداد حدة، ليرد فلاد باختصار: «قلت إنني آسف».

كان فلاد يستمع لشكاوى المحتال المتذمر من الخداع، لكن عينيه كانتا تترصدان أي أثر بتركيز شديد، غير مبالٍ بكلمات غوت. سأله زيار: «هل ترى شيئاً؟»، فأجاب: «لا». ورغم بحثه الدقيق، لم يجد أي أثر مريب على الطريق الجبلي المغطى بالثلوج. علق زيار: «عديم الفائدة»، ليرد فلاد: «أنا ابن المدينة». سأله زيار متهكماً: «وكيف تجد شخصاً مفقوداً في الأزقة الخلفية؟»، فأجاب فلاد ببساطة: «أمسك بأي شخص وأشبعه ضرباً». تنهد زيار: «أنت حقاً عديم الفائدة».

كان هذا أمراً لا مفر منه لفلاد الذي قضى حياته في المدينة؛ فهو يعرف كيف يشعل ناراً، لكنه لم يتعلم قط مهارات التتبع. تنهد زيار مدركاً أن أمامه الكثير ليعلمه لهذا الشاب. «ستغرب الشمس قريباً»، قال زيار وهو يراقب الأفق، مدركاً ضيق الوقت. كان موقعهم يبعد مسيرة نصف يوم عن المعسكر، ورغم انطلاقهم قبل الشروق، إلا أن الشمس تغيب سريعاً في الجبال.

«همم؟»، وبينما كان زيار يفكر في موعد التوقف، لمح شيئاً؛ نهراً متجمداً تقع خلفه غابة. سأل: «هل فتشنا وراء ذلك النهر؟»، فأجاب غوت: «على حد علمي، لم يعبر أحد النهر يا سيدي». فكر زيار: «لن نجد شيئاً هنا». لقد فتشوا الغابة ولم يجدوا أثراً لقتال أو حتى آثار أقدام. إذا كان رودريك موجوداً، فلن يكون في هذا الجانب، وكذلك تلك المرأة الغامضة. كان عليهم البحث في مكان أبعد لم يطأه أحد بعد.

«سنعبر النهر»، قرر زيار، فربما تزداد فرص العوض على أثر هناك. أطلق صافرة قصيرة وأومأ للمرتزقة بالتجمع عند الضفة. لاحظ أحدهم: «إنه ليس متجمداً بالكامل»، ليعقب آخر: «لأننا في نهاية الشتاء، والجو كان دافئاً مؤخراً». تأكد زيار من حالة الجليد وأضاف: «ومع ذلك، يمكننا العبور. من الأفضل أن نتفرق أثناء السير».

كان الجليد يصدر صرير تكسرٍ منذرٍ بالخطر مع كل خطوة، لكنه بدا متماسكاً بما يكفي. أمر زيار بتوزيع الرجال لتخفيف الثقل. «أوه…»، أنّ غوت خلف فلاد بوجه شاحب وهو يراقب المرتزقة يعبرون ببطء. «لدي شعور سيء حيال هذا…»، همس غوت، ليرد فلاد: «شعور؟ تحرك فحسب، أنت خائف لا أكثر». صاح غوت وهو يقضم أظافره: «بالطبع أنا خائف! لست بطلاً مثلك أيها القائد، أمثالي لا ينجون إلا بحدسهم». سخر فلاد: «أجل، تحتاج لغريزة قوية لتنجح في احتيالك».

«على أي حال، حدسي يخبرني ألا أعبر هذا النهر»، قال غوت، فرد فلاد: «إذن حاول إقناع السير زيار، أخبره بمدى قوة غرائزك». وعندما حاول غوت التراجع، أمسكه فلاد بقوة وقال: «لا أفهم في أمور الحدس هذه، لكن دعني أخبرك؛ إذا حاولت الهرب فلن تموت ميتة كريمة. الشاهد الوحيد يفر من الموقع؟ حتى أنا سأبرحه ضرباً». صرخ غوت: «ولماذا ورطتني معك أصلاً؟!»، فأجاب فلاد ببرود: «ولماذا رأيت ذلك الشبح؟ هل هو ذنبي أنك رأيته؟». عبس غوت من رد فلاد الوقح.

«التالي!»، صاح زيار بعد عبور المجموعة الأولى، ثم قاد البقية. سُمع صوت تكسر طفيف، فصاح غوت: «قائد! قد ينكسر هذا، أليس كذلك؟»، فرد فلاد: «بالطبع، وإذا نطقت بكلمة أخرى سأكسره وألقيك فيه». ضحك غوت بتوتر. أدرك فلاد أن هذا الرجل الذي تجرأ على الاحتيال عليه كان أجبن مما توقع. تخلف فلاد عن الركب وهو يجر غوت المرتعد، وبينما وصلت المجموعة الثانية لمنتصف النهر، كانا لا يزالان عند الحافة.

«لا أستطيع! لن أتحرك!»، صرخ غوت وهو يسقط على الجليد. نفد صبر فلاد وهمّ بتوبيخه، لكن صرخة غوت المفاجئة ألجمته. صاح غوت بوجه شاحب: «كابتن! انظر للأسفل! تحتنا!»، فرد فلاد بغضب: «قلت لك لن ينكسر! هل تريدني أن أفقدك وعيك وأجرك؟». صرخ غوت وهو يلهث: «لا، انظر تحت الجليد… هناك جثة! جثة تحت النهر!».

«ماذا؟»، نظر فلاد إلى حيث أشار غوت. تحت سطح النهر المظلم، حيث بدا كل شيء متجمداً، ارتفعت فقاعات صغيرة. لمح شيئاً ينجرف ببطء تحت الجليد. «ما هذا بحق الجحيم؟». لم يكن شيئاً واحداً، بل أشياءً بأشكال غامضة تقترب تدريجياً، فاتحةً أفواهها ومدليةً أيدٍ شاحبة.

«سير زيار!»، صرخ فلاد بيأس. التفت زيار الذي قطع مسافة في النهر، وظن للوهلة الأولى أن فلاد يمازحه، لكن صرخة فلاد التالية جمدت الدماء في عروقه: «هناك شيء يخرج من تحت النهر!». وفجأة، بدأت تلك الكائنات تضرب الجليد من الأسفل بقوة؛ أصوات ارتطام متتالية هزت المكان. كانت تزحف من الأعماق المظلمة، تضرب الحاجز الذي يفصل بين الأحياء والأموات بجنون، وكأنها تتوسل للخروج من ذلك الصقيع.

«آه!»، «الجليد يتشقق!»، تعالت صرخات المرتزقة. وفجأة، شعر زيار بشيء بارد يطبق على كاحله؛ إحساس مرعب جعل قشعريرة تسري في جسده. نظر للأسفل ليجد جثة رجل ذي شعر أسود تمسك به. «تباً!»، تمتم بغضب. لقد تسللوا من الأعماق بهدوء تام حتى خدعوا حواس فارس مثله. بدأ الجليد يتكسر تحت وطأة صرخات المرتزقة المستغيثين: «أنقذوني!»، «لا تسحبوني للأسفل!». كانت كائنات ميتة محاصرة في الصقيع، تمد أيديها بيأس نحو الأحياء، طمعاً في دفء أنفاسهم.

«أسرعوا بالعبور!»، صاح زيار وهو يستل سيفه ويقطع اليد التي تمسك به. وفي تلك الأثناء، كان غوت يصرخ بجانب فلاد: «آه! قائد!». ارتفعت الجثث من القاع بكثافة، فبدأ فلاد يطيح بالأيدي الممتدة نحوه بسيفه، بينما يمسك غوت من ياقة قميصه. «تباً لهذا الحظ!»، شتم فلاد، ليأتيه صوت في عقله: [لا ترتبك! حدد وجهتك قبل أن تتحرك!]. أدرك فلاد أنه لا يمكنه التقدم، فقرر العودة من حيث أتى. سحب غوت بيد ولوح بسيفه بشراسة باليد الأخرى، شاقاً طريقه للوراء. «انهض أيها الوغد!»، صرخ في غوت بينما كان الجليد ينهار من حولهم والصرخات تملأ المكان. غابت الشمس الحمراء خلف الجبل، وبينما كان الفريق يصارع الموت في النهر، كان الليل يزحف نحوهم من الخلف؛ ليلٌ وظلامٌ لم يُخلقا للأحياء.

========================================

📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚

========================================

[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل 💬]

التالي
17/181 9.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.