الفصل 200
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
الفصل 200: جبهة تحرير الأقزام في نيدافيلير (2)
ترينوفا، مدينة في الغرب. في وسطها، يرتفع قصر منيع يحتمي من الرمال التي تجتاح الأراضي القاحلة. كان قصراً ضخماً وفسيحاً يُرى بوضوح من مسافات بعيدة، لكنه كان يبعث في النفس شعوراً بالانقباض، ولم يكن ذلك مجرد وهم على الأرجح.
“لهذا السبب أكره المجيء إلى الغرب؛ لا طعام جيداً ولا شراباً يُستساغ.”
“…”
“على أية حال، لا متعة تُرجى في هذه المدينة.”
خلع تاجر الذهب، باربوسا، حذاءه ونفض ما علق به من رمال وهو يتمتم بتذمر. لم يكن مظهره يتناسب مع الغرفة الفاخرة، كما لم يظهر أي احترام للشخص الجالس أمامه، بل تصرف بأريحية تامة وكأن شيئاً لم يكن.
“بالمناسبة، يبدو أن حالك قد ساء كثيراً منذ آخر لقاء بيننا، أيها الكونت غايدار.”
“… لا مفر من ذلك، كما أظن.”
نظر باربوسا، الذي أعاد انتعال حذائه فوق الرمال التي نثرها، إلى الكونت غايدار بابتسامة خبيثة. ورغم وجهه المبتسم والمشرق، إلا أن إمالة رأس الكونت الخفيفة كانت توحي بضغط غريب يشعر به كل من ينظر إليه.
“في النهاية، ليس غريباً أن تكون في هذه الحالة المزرية بعد أن فقدت نحو خمسة آلاف رجل.”
“…”
“علاوة على ذلك، فقدت غودين أيضاً. لقد حزنتُ حقاً لأجل ذلك الصديق.”
“كفّ عن هذا.”
قالها الكونت، وهو رجل ذو بنية قوية وحواجب كثيفة. ورغم الهزيمة النكراء التي مني بها، إلا أنه كان لا يزال يحتفظ بروح الصمود، رافضاً الاستسلام.
“قد تكون هزيمة مريرة، لكني لست ممن يرفعون الراية البيضاء من المرة الأولى. أنا سيغموند غايدار!”
“أفهمك حتى لو خفضت صوتك.”
ومع ذلك، وضع باربوسا إصبعه في أذنه وكأن الكونت يسبب ضجيجاً، متجاهلاً حماسه.
“ما الذي أتى بشخص مشغول مثلك إلى الجنوب؟”
“جئتُ لأسترد شيئاً.”
“ماذا؟”
بدأت ملامح باربوسا المبتسمة تتشنج بشكل غريب عند سماع سؤال الكونت غايدار.
“ماذا؟ كان يجب أن تتذكر بمجرد رؤيتي.”
“… ذلك الأمر.”
لقد اقترضت مالاً. مالاً.. ذلك الشيء اللامع. في لحظة، انحنى باربوسا للأمام ليصبح وجهه تحت ذقن الكونت مباشرة، وبدا في تلك اللحظة كأنه أفعى سامة.
“لقد كان المال الذي اقترضته لإطعام وكسوة وتسليح خمسة آلاف جندي، أليس كذلك؟ ومن أين ظننت أنك ستحصل على ذلك المال في هذه المدينة البائسة؟ لقد اقترضت ذلك المال من ‘دم التنين’..!”
“وبدقة أكبر، إنه المال الذي اقترضه ‘دم التنين’ مني.”
قاطعه باربوسا بابتسامة شرسة، ثم أخرج وثيقة من جيبه وألقاها أمام الكونت غايدار. كانت ورقة حمراء زاهية على نحو غريب، وهي ما يُعرف بـ “التحذير النهائي”، الورقة الأكثر رعباً لكل من يقترض من بيت دم التنين.
“وعلاوة على ذلك، المدين هو أنت.”
من رافنوم إلى بايزيد، ولكي لا تنتهي عائلة الكونت الفقيرة كخاسرة في الغرب، كانوا بحاجة إلى دعم ملائم. ومع ذلك، فإن دعم “دراجوليا” -الذي يلتهم بقدر ما يجوع- قد انقطع أخيراً عن غايدار.
“لذا، دعنا ننهِ الأمر هنا.”
رفع باربوسا الورقة الحمراء بحركة معتادة ووضعها أمام عيني الكونت غايدار.
“أحتاج إلى مدينة واحدة فقط. بحسابات تقريبية، هل هذا مقبول؟”
رغم أنه كان ضغطاً تعجيزياً، إلا أن حقيقة اقتراضه للمال كانت قائمة. لم يجرؤ الكونت غايدار، الذي كانت شفتاه ترتجفان، على النطق بكلمة؛ فالتقرير الذي تسلمه قبل دخول باربوسا أفاد بأن أسطولاً قد وصل بالفعل للاستيلاء على مدينته “تورشيا”.
“أليس من الرائع أن تحظى بجيران طيبين؟ إذا سقطت هذه المدينة في يدي، سأتكفل بالتعامل مع أولئك الذين في الشمال نيابة عنك.”
هكذا كانت تبدو ابتسامته الحادة؛ حيث لمعت أسنانه الذهبية في زوايا فمه ببريق شرير.
***
“طق” – صدر صوت قوي من الباب المتهالك، وكأن صاحبه لا يكترث لشيء. لكن ما أزعج فلاد لم يكن ذلك الصوت، بل النظرات الحادة المنبعثة من البحارة الجالسين في الحانة؛ فيبدو أن نبذ الغرباء سمة مشتركة في كل مكان.
“إليك هذا، أريد بعض البراندي.”
“يبدو أنك أخطأت العنوان، فنحن لا نخدم الأطفال هنا.”
“لا تكن هكذا، تحرك قليلاً. يمكنني الدفع بهذا.”
أخرج فلاد عملة من جيبه ووضعها أمام صاحب الحانة برنين مسموع. كانت العملة صدئة ومنفرة، من النوع الذي لا يرغب المرء في الاحتفاظ به حتى لو قُدم له مجاناً، لكن بمجرد أن رآها المالك، لمع بريق غريب في عينيه.
“… من أين أنت؟”
“من الشمال.”
“الشمال؟ أي جزء منه تحديداً؟”
ضحك فلاد رداً على محاولة المالك السطحية لاستجوابه وقال: “ليس لدي ما أقوله لمزارع من ناسو.”
“… لقد وصل الزبون المنشود.”
أدرك كل منهما هوية الآخر. ورغم صغر سن فلاد، إلا أن صاحب الحانة قبل العملة الموضوعة على الطاولة.
“قد يستغرق الأمر بعض الوقت.”
“من الأفضل أن تسرع.”
عندما رأى فلاد المالك يخلع مئزره ويتأهب للمغادرة، أشار بإبهامه إلى من خلفه وقال: “أكره أن يحدق الناس في ظهري.”
“كن حذراً إذاً.”
تناول فلاد المشروب الذي قدمه المالك والتفت إلى الوراء. كان هناك رجال يضعون أيديهم في جيوبهم تحت ملابسهم، وبدوا مستعدين لسحب خناجرهم في أي لحظة، لكن فلاد ابتسم لهم ورفع الزجاجة نحوههم قائلاً: “غريب، أشعر وكأنني في منزلي.”
رغم أنه طلب براندي، إلا أن ما قُدم له كان مزيجاً رخيصاً من الروم وسائل مجهول. ومع ذلك، لم يكترث فلاد المعتاد على المشروبات القوية؛ أخذ رشفة وقطب جبينه متمتماً: “هذه المرة، الوجهة هي البحر.”
أخرج فلاد، الذي انفرد بنفسه في الحانة الهادئة بعد رحيل المالك والزبائن، ورقة من جيبه وتأملها. كانت الرسمة بدائية وكأن طفلاً رسمها، وعليها نقطة ضوء ذهبية لامعة.
***
“ما هذا؟”
“إنه وحي.”
في إحدى الليالي بعد مغادرة ستورما، اقترب باراديس من نار المخيم التي أوقدوها. “لقد أعطتني الكاهنة هذا، وفي الحقيقة، قطعت كل هذه المسافة خصيصاً لأسلمه إليك.”
انضم باراديس، الذي جاب العالم الخارجي بحثاً عن آثار “شجرة الأم العالمية”، إلى المجموعة المتجهة لجزيرة الأقزام. وبما أن الغرب كان موطن تلك الشجرة، لم يجد جوزيف -الباحث دوماً عن الفرص- سبباً لرفض مرافقة الجان لهم.
“فهمت، شكراً لك.”
ورغم شكره، إلا أن يد فلاد ترددت قليلاً وهو يمدها نحو الرسم.
هذه الرسالة لا تظهر إلا في الفصول الأصلية لـ مَجـرَّة الـرِّوايـات، أو في المواقع التي تسرقنا بغباء. galaxynovels.com
“… يبدو أن مهارتها في الرسم لم تتحسن.”
“الثبات على المستوى جزء من سحرها.”
كان هذا وحياً قدمته كاهنة الجان للفارس الذي أنقذ شجرة العالم. ورغم عظمة المناسبة، إلا أن الرسمة بدت كخربشات طفل بخطوطها المتعرجة والخشنة.
“ما هذا؟ ولماذا كل شيء مظلم هكذا؟”
“إنه البحر.”
“وما هذا الشيء العائم؟ جذع شجرة؟”
“إنها سفينة.”
“…”
كان الرسم رديئاً لدرجة تجعل السؤال عنه محرجاً، لكن كان هناك ضوء في الرسم بدا مألوفاً بشكل غامض؛ نقطة ضوء تسطع فوق تلك الكتلة البنية التي أطلقت عليها الكاهنة اسم سفينة. ورغم أنها لم تتخذ شكلاً بشرياً، إلا أن ذلك الضوء كان مألوفاً لفلاد بلا شك.
“هل يمكن أن يكون هذا أنا؟”
“كما توقعت، عرفته من النظرة الأولى.”
ابتسم باراديس وأومأ برأسه، وقد غمره الحماس لأن فلاد أدرك مغزى الرسمة التي صنعتها شقيقته الصغرى.
“فارس يشعل شعلة فوق سفينة تائهة في عرض البحر…”
همس نيبيلون الذي اقترب في صمت وهو يتأمل الرسم. ومن خلال عينيه اللامعتين، بدا أن الوحي قد أثار فضوله بشدة.
“لم أرَ وحياً بهذا الوضوح من قبل. أياً كان المتنبئ، فإن مستواه رفيع جداً.”
“واضح؟ هذا الرسم؟”
دون استئذان، أخرج نيبيلون عدسة مكبرة من حقيبته وبدأ يفحص الرسم بإعجاب. جعلت طريقته الدقيقة في التعامل مع الورقة وكأنها تحفة فنية فلاد يفرقع بلسانه تعجباً.
“… القدرة على تحديد ثغرات الزمن بهذا الوضوح مذهلة. أرغب حقاً في زيارة غابة الجان يوماً ما.”
“مع اللورد فلاد طبعاً.”
“أريد الذهاب حقاً، فلنذهب معاً، أرجوك.”
عندما اقترح باراديس مرافقة فلاد، شبك نيبيلون يديه متوسلاً. واتسعت حدقتا عينيه المميزتين عن بقية أنصاف الوحوش لتصبحا أكثر استدارة، لكن فلاد لم يكن يلتفت إليه حقاً.
“أنا محظوظ هذه المرة.”
“ماذا؟”
كان هناك ضوء يتذبذب فوق البحر المظلم في الرسم. حدق فلاد في النار المتصاعدة، متأملاً اللون الذي تجسده بوضوح.
“لأن الوحي يشير إليّ.”
في مدينة موشيام، كان هناك “كناري” ضحى بنفسه لأجله؛ طائر أضاء الظلام وأرشده إلى الطريق الصحيح. وبعد أن كتم ألم وفاة “جوستيا” في أعماق قلبه، شعر فلاد بالراحة لأن الخطر هذه المرة يستهدفه هو وحده.
***
“إليك الخريطة.”
“…”
“وهذا أيضاً.”
كان الوقت غروباً في ميناء ناسو. وبدا البحر الغربي، الذي كان أدفأ بكثير مما كان عليه عند مغادرتهم لستورما قبل شهر، ممتداً بلا نهاية.
“ما هذا؟”
كان “جهة الاتصال” السرية التي أرشده إليها صاحب الحانة يبدو كعامل رصيف عادي. وبوجهه المجعد الذي يشي بسنوات طوال من العمل الشاق، وقف أمام فلاد وهو يربت على ظهره المنحني.
“إنها قوقعة بحرية، أليست ضخمة؟”
“وما هي القوقعة البحرية؟”
“… آه، صحيح، لقد ذكرت أنك قادم من الشمال.”
كانت شيئاً ملتوياً بشكل غريب، وقد قطب فلاد جبينه عند رؤيتها، فمن الصعب التصديق أن هذا الشيء كان كائناً حياً يوماً ما.
“على أية حال، استخدمها كبوق. أنت تعرف ما هو البوق، أليس كذلك؟”
“وهل سيأتون إذاً؟”
رداً على سؤال فلاد، اكتفى العامل العجوز بهز كتفيه قائلاً: “لا أعلم.”
“…”
“الأمر الوحيد المؤكد هو أن الموقع المحدد في الخريطة يغطيه الضباب، وهو مكان يتجنبه حتى أمهر القادة. لذا، لا يمكنني أن أضمن لك سفينة.”
كان ما يحمله في يديه مجرد خريطة بدائية وبقايا قوقعة قديمة، لكنها كانت الأدلة الوحيدة للوصول إلى جزيرة الأقزام، لذا لم يجد فلاد بداً من الإيماء بالموافقة.
“لا تقلق بشأن السفينة، لقد دبرنا أمرنا بالفعل.”
“هذا مريح.”
أدرك الرجل العجوز أن اللقاء قد انتهى، فرفع سارية العلم التي كان يحملها بصعوبة وأومأ برأسه. قبل لحظات كان هو “جهة الاتصال” السرية، لكنه الآن عاد ليبدو كعامل رصيف بسيط. ناسو، أرض تابعة لبايزيد لكنها لا تزال متمسكة بتقاليد الغرب. كانت مساعدة الأقزام هنا أمراً يجب أن يظل طي الكتمان.
“إذاً، إلى اللقاء.”
“إليك هذا.”
ألقى فلاد عملة ذهبية للعجوز تقديراً لجهوده، لكن الأخير هز رأسه ببساطة وأعادها بهدوء قائلاً: “لقد دفع لي الأقزام أجري بالفعل.”
“…”
حك فلاد خده وهو يراقب العجوز يبتعد بخطوات متثاقلة حاملاً حقيبته. ورغم أنه بدا مجرد رجل مسن لا شأن له، إلا أنه كان يمتلك شيئاً لا يُشترى بالذهب.
“إذاً، السفن الأخرى ترفض الذهاب…”
بعد رحيل العجوز، سار فلاد نحو الرصيف وحيداً في الميناء. كان البحر الغربي في ذلك الوقت يفوح بنسمات تشبه رائحة الربيع. ومع اشتداد الشفق، أخرج فلاد الرسم الذي أعطته إياه الكاهنة حين لمح ظلاً مألوفاً.
“عند النظر إليه هكذا، يبدو مشابهاً.”
للوهلة الأولى، بدا الرسم مجرد كتلة بنية، لكن عند المقارنة، كان هناك وجه شبه واضح. هيكل صغير بسارية طويلة، وشراع مثلث أبيض يرفرف في القمة. كانت سفينة صغيرة تدخل ميناء ناسو مع غياب الشمس.
وبمجرد أن ميز السفينة المألوفة التي انطلقت من “سوارا”، رفع فلاد يده ولوح بها عالياً: “أنا هنا يا هارفن!”
جبهة تحرير الأقزام “نيدافيلير”. السفينة التي ستحمل المجموعة إلى هناك كانت “زيمينا” ذات الشعر الأحمر، بقيادة هارفن.
========================================
📚 حقوق تعريب الرواية محفوظة للمترجم والمدقق لورد غوامض • قراءة ممتعة 📚
========================================
[تعليق المترجم: 💬 لا تنسو وضع تعليق كدعم لي استمرار في تنزيل • وتابعوني على تيك توك lordofthemysteries3 للي يبي يدعمني ويسوي متابعة! 💬]

تعليقات الفصل